أقلام

جوهر الإنسان يرفض إعادة تشكيله

منهال الجلواح

هناك لحظة لا تشبه غيرها، لحظة يكتشف فيها الإنسان أن أكثر ما يثقله ليس ما يمرّ به، بل ما يُفرض عليه أن يكونه. لحظة يدرك فيها أن حياته امتلأت بأصوات ليست صوته، وبملامح ليست ملامحه، وبخيارات لم يختَرها بصدق.

في تلك اللحظة، يبدأ سؤالٌ عميق بالظهور:

هل ما أعيشه يشبهني؟

أم أنني أصبحت نسخة صامتة مما يريده الآخرون؟

 

هذا السؤال ليس رفاهية، بل هو بداية استعادة الإنسان لجوهره… ذلك الجوهر الذي يرفض أن يُعاد تشكيله، مهما كانت القوالب التي تُقدَّم له، ومهما كانت القدسية التي تُغلَّف بها الأفكار. وهنا تتسلل حكمة ابن رشد، لا كاقتباس، بل كمرآة: فحين يُغلَّف الباطل بغلاف مقدّس، يبدأ الإنسان بالاختفاء من حياته دون أن يشعر.

 

*الإنسان بين ما يُفرض عليه وما يريده داخله*

 

في مجتمعاتنا العربية، يعيش كثيرون داخل مساحات لا تشبههم، مساحات صُنعت لهم قبل أن يصنعوا أنفسهم.

تشير دراسة مركز الملك سلمان للدراسات الاجتماعية (2023) إلى أن 72% من الشباب العربي يشعرون بأنهم يعيشون حياة لا تعكس قيمهم الحقيقية، وأنهم يتخذون قرارات مصيرية بدافع التوافق الاجتماعي أكثر من القناعة الذاتية.

 

هذا النوع من الحياة لا يقتل الإنسان، لكنه يطفئه ببطء…

يجعله موجودًا، لكنه غير مرئي.

حاضرًا، لكنه بلا أثر.

وهذا هو الاختفاء العاطفي: أن تكون في الصورة، لكن لا أحد يراك.

 

*الاختفاء العاطفي… الوجه الصامت لفقدان القيمة*

 

العلاقات، مهما كانت، تقوم على شعور واحد: أن وجودك مهم.

لكن حين يتحول الإنسان إلى حضور بلا معنى، يبدأ الألم الحقيقي.

تقرير منظمة الأسرة العربية (2024) يكشف أن واحدة من كل ثلاث علاقات تنتهي بسبب غياب التقدير، لا بسبب الخلافات.

الاختفاء العاطفي ليس انسحابًا… بل اختناقًا داخل علاقة لا تمنح الإنسان حقه في أن يكون نفسه.

وهذا الاختناق يشبه تمامًا ما يحدث حين تُفرض على الإنسان أفكار لا تشبهه، فيتوقف عن رؤية ذاته، ويبدأ بالتلاشي داخل حياة مكتوبة مسبقًا.

 

*العمل… عندما يصبح الإنسان جزءًا من آلة لا ترى ملامحه*

 

العمل ليس مجرد وظيفة، بل مساحة يختبر فيها الإنسان أثره.

لكن حين تتحول بيئة العمل إلى مكان يستهلك الروح بدل أن يضيف إليها، يبدأ الإنسان بفقدان جزء من جوهره.

دراسة لجامعة الكويت (2022) تشير إلى أن 58% من الموظفين العرب يشعرون بأن جهودهم غير مرئية.

وهنا يظهر أثر “الغلاف” الذي تحدث عنه ابن رشد:

فبعض الأنظمة الإدارية تُقدَّم كحقائق لا تُناقش، رغم أنها تُعيد تشكيل الإنسان ليصبح جزءًا من قالب لا يشبهه، قالب يطلب منه أن يصمت، أن يتشابه، أن يتخلى عن صوته.

 

*الذات… حين تقاوم إعادة تشكيلها*

 

في النهاية، كل شيء يعود إلى نقطة واحدة:

هل يسمح الإنسان للحياة أن تعيد تشكيله؟

أم أنه يتمسك بجوهره مهما كانت الضغوط؟

 

الفلسفة تقول إن الإنسان لا يجد قيمته في العالم إلا حين يجدها أولًا في داخله.

والعاطفة تقول إن القلب يعرف طريقه دائمًا، لكنه يحتاج شجاعة كي يسير فيه.

والواقع يقول إن القوالب المفروضة لا تصمد أمام إنسان يعرف نفسه جيدًا.

 

جوهر الإنسان لا يُعاد تشكيله…

قد ينحني، لكنه لا ينكسر.

قد يصمت، لكنه لا يختفي.

قد يتأخر، لكنه لا يتلاشى.

فالإنسان الحقيقي يرفض أن يكون نسخة، يرفض أن يُعاد ترتيبه، يرفض أن يُعاد تعريفه وفق ما يريده الآخرون.

*همسة أخيرة*

القيمة لا تُمنح، بل تُبنى.

والإنسان لا يُعاد تشكيله، بل يُعاد اكتشافه.

وحين يستعيد الإنسان صوته، لا يعود بحاجة إلى أن يصرخ ليُسمع… يكفي أنه يعرف نفسه، ويعرف جوهره، ويعرف أن الحياة التي لا تشبهه ليست قدرًا، بل خيارًا يمكن تغييره.

#مستشار تدريب وتطوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds