
عماد آل عبيدان
هناك مشاهد لا تستطيع أن تصفها وأنت بعيد عنها وتحتاج أن تدخلها أولًا ثم تخرج منها وفي داخلك إنسان آخر.
كل ما قرأته عن الأربعين قبل أن أمشي إليها كان صحيحًا، ولكنه بقي كلمات حتى رأيته بعيني فعرفت أن بعض المشاهد لا تُفهم بالقراءة لكنها تُعاش.
في الطريق إلى كربلاء لا يتغير المكان وحده وإنما تتغير علاقتك بالناس وبنفسك وبالحياة.
تبدأ المسير وأنت تعرف شخصك ومهنتك ومكانتك الاجتماعية ثم تمضي حتى تكتشف أن كل تلك العناوين تذوب شيئًا فشيئًا فلا يبقى منك إلا إنسان يمشي بين بشر يشبهونه في الحاجة والرجاء والتعب والدعاء.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾(الحجرات: 13).
هناك يبدأ شيء خفي بالعمل داخل الإنسان لا علاقة له بالإرهاق ولا بطول الطريق وإنما بانكماش الذات.
ذلك “الأنا” الذي اعتاد أن يتصدر المشهد يتراجع رويدًا رويدًا حتى يغدو صاحبه فردًا في بحر لا تعرف العين له شاطئًا.. يشعر الإنسان أنه عاد إلى حجمه الحقيقي.
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الأنعام: 94).
وكأن الله يذيق عبده في الدنيا شعورًا يسيرًا من التجرد قبل يوم التجرد الأكبر.
هناك قانون غير مكتوب يحكم الطريق “لا أحد أكبر من الموجة التي يسير معها”.
كل خطوة تعلم القلب أن الأرض تتسع للجميع وأن الوصول لا يحتاج إلى مزاحمة وأن العبور لا يكون بإقصاء الآخرين.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: 63).
ثم يحدث أمر آخر.
الوجه الذي لم تره قط يصبح مألوفًا واليد التي تمتد إليك بكوب ماء تترك في قلبك أثرًا أعظم من أناس عرفتهم سنين..
هناك ينكمش حساب الربح والخسارة وتتسع مساحة العطاء حتى تشعر أن الخير ليس فعلًا طارئًا ولكن فطرة كانت تنتظر من يوقظها.
وفي هذا الامتداد البشري يفقد الإنسان واحدًا من أكثر أوهامه رسوخًا “وهم السيطرة”.
لقد اعتاد أن ينظم يومه ويختار طريقه ويضبط مواعيده ثم يدخل هذا السيل البشري فتتغير قوانين الحركة كلها.. يتوقف حيث يتوقف الجمع ويمضي حيث يمضي وينتظر كما ينتظر الجميع فيدرك أن الدنيا لا تسير على مقاس رغباته.
أما الصبر هناك فله معنى آخر.
تمضي الساعات ويطول الطريق ويحسب الإنسان أنه بلغ نهاية طاقته ثم ينظر أمامه فلا يرى إلا طريقًا يمتد أكثر فلا يجد جوابًا إلا أن يواصل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153).
وعجيب أمر هذا الطريق.. فكلما أثقل التعب الجسد أحس القلب بخفة لا يعرف مصدرها وكأن لطفًا خفيًا يحمل الأرواح قبل أن تحمل الأقدام أصحابها.
ولذلك ترى كثيرًا من الزائرين يواصلون السير بما بقي في قلوبهم من يقين لا بما بقي في أبدانهم من قوة.
ومن هنا يبدأ الأثر الحقيقي..
تخف قبضة الإنسان على نفسه ويقل تعلُّقه بما اعتاد الدفاع عنه وتصبح راحة الآخرين مقدمة على راحته فيترك مكانه لغيره ويتأخر ليتقدم كبير سن ويتجاوز حقًا صغيرًا حتى لا يضيق على أحد.
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).
وهناك يتعلم الإيثار فتبني إنسانًا جديدًا.
ومع هذا الزحام الهائل لا يشعر القلب بالاختناق كما يتوقع ويشعر بشيء من السكينة العجيبة.
كأن الأرواح إذا اجتمعت على غاية واحدة سكنت وإن ضاقت بها الطرق. فلا تسمع في داخلك إلا روحانية تدعوك إلى مراجعة نفسك، وإعادة ترتيب أولوياتك واستحضار حقيقة أنك عابر في هذه الدنيا كما أنت عابر في هذا الطريق.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
ولعل أعظم ما يتركه هذا المشهد في النفس أنه يوقظ فيها سؤال المصير.
فإذا كان هذا الحشد العظيم على سعته قد يحتاج الإنسان فيه إلى لحظة صبر أو كلمة لطف أو يد تمتد إليه فكيف بذلك اليوم الذي يقف فيه الخلق جميعًا بين يدي الله لا يحمل أحد عن أحد شيئًا ولا يغني قريب عن قريب؟
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 34-37).
ومن هنا جاءت فكرة محشر الأربعين..
وليس المقصود بذلك تشبيه الأربعين بيوم القيامة فشتان بين المشهدين ولا يمكن أن يبلغ اجتماع البشر في الدنيا شيئًا من هول ذلك اليوم وعظمته. وإنما المقصود أن الإنسان قد يعيش في هذه الأيام صورة تربوية مصغرة توقظ قلبه وتذكره بأنه خُلق ليقف يومًا بين يدي ربه وأن الدنيا مهما اتسعت ليست إلا طريقًا ينتهي بذلك اللقاء.
إنها ليست محشرًا بالمعنى العقدي وإنما محشر يعلّم الإنسان شيئًا من أدب المحشر ويُذيب شيئًا من الكبر ويكسر شيئًا من تعلقه بنفسه ويُعرّفه أن الناس جميعًا سواء إذا وقفوا في طريقٍ واحد وقصد واحد وغاية واحدة.
ولهذا لا يعود كثير من الزائرين كما ذهبوا.
فليس التغيير الحقيقي في عدد الكيلومترات التي قطعوها ولا في المشقة التي تحملوها هي في تلك المسافة التي قطعوها داخل أنفسهم.
هناك يتعلم الإنسان أن يبتسم وهو متعب وأن يشكر وهو محتاج وأن يصبر وهو قادر على التذمر وأن يعطي وهو أحوج إلى ما يعطي.
وهذا هو الأثر الذي يبقى بعد انقضاء الزيارة إذ تتحول القيم التي عاشها أيامًا معدودة إلى أسلوب حياة في بيته وعمله وعلاقاته ومواقفه.
فإذا عاد الإنسان أكثر تواضعًا وأوسع صدرًا وأرق قلبًا وأقرب إلى الناس فقد حمل معه شيئًا من بركات الطريق. أما إذا عاد كما ذهب فقد انتهت الرحلة عند قدميه ولم تبدأ في قلبه.
وهكذا يبقى محشر الأربعين مدرسة في صناعة الإنسان لا في كثرة البشر فحسب.
مدرسة نعيشها و تذكّرنا كل عام بأن ازدحام الدنيا سينتهي وأن الطرق كلها ستُطوى وأن الإنسان لن يحمل معه يوم يلقى ربَّه إلا قلبًا أصلحه وعملًا قدّمه ورحمة زرعها في الناس.
وحينها يدرك أن أعظم ما بلغه في ذلك الطريق لم يكن كربلاء وحدها وادرك نفسه لأن من عرف نفسه في الدنيا كان أقدر على لقاء ربّه في الآخرة.





