أقلام

الصوت الذي بقي (12) حين أصبح العلم ميدان الإمامة

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الثانية عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول الجانب العلمي والفكري من حياة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، ودوره في حفظ العقيدة وسط التحولات الفكرية والسياسية في عصره.

مقدمة:

لم تكن مواجهة الإمام الرضا عليه السلام مع المأمون العباسي تنتهي عند حدود السياسة، ولم يكن أخطر ما في عصره ولاية العهد وحدها.

ففي الوقت الذي كانت السلطة تحاول احتواء الإمامة، كانت موجةٌ فكرية غير مسبوقة تجتاح العالم الإسلامي. فقد انتقلت إلى المسلمين كتب الفلسفة والمنطق والطب والعلوم، وامتلأت المجالس بالأسئلة والمناظرات، وظهرت مدارس فكرية وعقدية جديدة، حتى أصبح كثير من الناس يخلطون بين ما جاء به الوحي وما أنتجته العقول البشرية.

ولم يكن هذا هو التحدي الوحيد.

فقد ظهرت ابتلاءات مؤلمة؛ فبعد شهادة الإمام الكاظم عليه السلام توقفت جماعةٌ عند إمامته، وأنكرت انتقال الإمامة إلى ولده الرضا عليه السلام، فعُرفوا بالواقفة، ثم جاءت محنةٌ أخرى حين تأخر ولادة الإمام الجواد عليه السلام، فاستغل بعض الناس ذلك للتشكيك في إمامة الرضا عليه السلام، مع أن الإمامة ليست رهينة الأعمار ولا كثرة الأولاد، وإنما هي عهدٌ إلهي يجعله الله حيث يشاء.

وهكذا وجد الإمام الرضا عليه السلام نفسه أمام جبهتين في آنٍ واحد؛ جبهةٍ خارجية تحمل أسئلة الفلسفة والمنطق، وجبهةٍ داخلية تحمل الشبهات والانقسامات.

ولكن الإمام لم يواجه هذا الواقع بالانغلاق ولا بالخصومة، وإنما فتح أبواب العلم، وأقام الحجة بالحكمة، حتى تحولت مجالس المناظرات التي أرادها المأمون لإظهار هيبة دولته إلى ساحاتٍ يتجلّى فيها علم أهل البيت عليهم السلام، ويزداد الناس بها يقينًا بأن الإمامة ليست منصبًا سياسيًا، بل امتدادٌ لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله.

ومن هنا تبدأ مرحلةٌ جديدة من “الصوت الذي بقي”؛ مرحلةٌ أثبت فيها الإمام الرضا عليه السلام أن حماية العقيدة لا تقل أهميةً عن حماية الإمامة، وأن الانتصار على الشبهات قد يكون أعظم أثرًا من الانتصار في ميادين السياسة.

حين أصبح العقل ساحةً للصراع

لم تتوقف محاولة المأمون عند احتواء الإمام الرضا عليه السلام سياسيًا، بل امتدت إلى ميدانٍ آخر لا يقل خطورة عن ميدان السلطة؛ ميدان الفكر.

ففي ذلك العصر كانت الدولة الإسلامية تعيش انفتاحًا علميًا واسعًا. فقد نشطت حركة ترجمة كتب الفلسفة والمنطق والطب والرياضيات من الحضارات اليونانية والفارسية والهندية، وأصبحت بغداد وخراسان مركزين لهذا النشاط العلمي، حتى غدا عصر المأمون من أكثر العصور ازدهارًا في نقل المعارف.

ولم يكن هذا الانفتاح في ذاته مشكلة، بل كان بابًا للاستفادة من خبرات الأمم. غير أن بعض العقول أخذت تتعامل مع الفلسفات الوافدة بوصفها مرجعًا أعلى من الوحي، أو ميزانًا يُحاكم إليه الدين، فظهرت أسئلة وجدالات لم تكن مألوفة من قبل؛ حول صفات الله تعالى، والجبر والاختيار، وخلق القرآن، وحقيقة النبوة، وغيرها من القضايا العقدية.

وأمام هذا الواقع، لم تعد الأمة تحتاج إلى من يحفظ النصوص فحسب، بل إلى من يملك القدرة على إقامة الحجة، ورد الشبهة، وربط العقل بالوحي.

وقد وجد المأمون في هذا المناخ فرصةً جديدة لخدمة مشروعه السياسي، فجمع علماء الملل والنحل، وأقام مجالس المناظرات، وأراد أن يجعل من قصره مركزًا للفكر كما جعله مركزًا للحكم، ظانًا أن ذلك سيمنح دولته شرعيةً علمية إلى جانب شرعيتها السياسية.

ولكن الإمام الرضا عليه السلام نظر إلى المشهد بعينٍ أخرى.

فلم يكن يرى العقل خصمًا للوحي، ولا الفلسفة خطرًا لأنها جاءت من خارج البيئة الإسلامية، وإنما كان الخطر الحقيقي أن يستقل العقل عن هداية الله، أو تُقدَّم الظنون البشرية على اليقين الذي جاء به الوحي.

ولهذا لم يواجه الإمام تلك المرحلة بالانغلاق أو برفض الحوار، بل دخلها بثقة العالم الذي يعلم أن الحق لا يخشى السؤال، وأن العقل السليم لا يتعارض مع الوحي الصحيح، بل يقوده إليه ويزداد به نورًا.

ولذلك جاء توجيه القرآن الكريم منسجمًا مع هذا المنهج، قال تعالى:﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

فالجدال في الإسلام ليس غايةً بحد ذاته، ولا ميدانًا لإظهار الغلبة، وإنما طريقٌ لإقامة الحجة وكشف الحقيقة.

ومن هنا بدأت مرحلةٌ جديدة في حياة الإمام الرضا عليه السلام؛ مرحلةٌ لم يكن سلاحها السيف، وإنما البرهان، ولم يكن ميدانها ساحات القتال، بل عقول الناس وقلوبهم.

حين شهدت المناظرات للإمامة

لم يكن المأمون العباسي يجمع العلماء وأصحاب الديانات المختلفة حبًا في المناظرة وحدها، بل كان يدرك أثرها في الرأي العام. ولذلك كان يحرص على أن تُعقد بحضور كبار رجال الدولة، وأن يشارك فيها رؤساء اليهود والنصارى، وأصحاب المذاهب الإسلامية، والمتكلمون، والفلاسفة.

وكان يظن أن كثرة هؤلاء، واختلاف علومهم ولغاتهم، ستضع الإمام الرضا عليه السلام في موقفٍ يعجز فيه عن الإجابة، أو على الأقل تُظهره واحدًا من العلماء، لا المرجعية التي يلتف حولها الناس.

ولكن الذي جرى كان مختلفًا تمامًا.

فقد دخل الإمام تلك المجالس وهو لا يعتمد على البلاغة وحدها، ولا على قوة الحفظ، وإنما على علمٍ راسخ، وفهمٍ عميق لطبيعة كل مخاطب. فلم يكن يحاور اليهودي إلا بما يؤمن به من التوراة، ولا النصراني إلا بما جاء في الإنجيل، ولا أصحاب الفلسفة إلا باللغة التي يفهمونها، حتى شهد له خصومه قبل محبيه بسعة العلم، ودقة الاستدلال، وقوة الحجة.

ولم تكن غايته أن يغلب أحدًا في الجدل، بل أن يقود الناس إلى الحقيقة. ولهذا كان يبدأ من المشتركات، ثم يبني عليها بالحكمة، بعيدًا عن التشنج أو السخرية أو التعالي، حتى أصبحت المناظرة عنده وسيلةً للهداية، لا ميدانًا للانتصار الشخصي.

وهنا ظهرت حقيقةٌ لم يكن المأمون يريد للناس أن يروها؛ فالإمام لم يكن أعلم من الحاضرين فحسب، بل كان يملك منهجًا يربط بين العقل والوحي، فلا يصادر التفكير، ولا يجعل العقل خصمًا للنص، بل يجعل كليهما طريقًا إلى معرفة الله تعالى.

وقد وصف القرآن الكريم هذا الأسلوب بقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، (البقرة: 111).

فالبرهان هو لغة القرآن، والحجة هي أساس الإيمان، ولهذا لم يكن الإمام الرضا عليه السلام يخشى السؤال، بل كان يرحب به، لأن الحقيقة لا يضرها كثرة النقاش إذا كان طالبها مخلصًا.

وهكذا تحولت المجالس التي أرادها المأمون لإظهار سلطان الدولة إلى مجالس تُظهر سلطان العلم، وتحولت المناظرات إلى شهادةٍ جديدة بأن الإمام ليس عالمًا كسائر العلماء، وإنما وارثٌ لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله، يحمل من الحكمة ما يجعل الحجة أوضح كلما كثرت الأسئلة، ويزداد يقين الناس بإمامته كلما اتسع ميدان الحوار.

حين جاء الابتلاء من الداخل

لم تكن جميع التحديات التي واجهت الإمام الرضا عليه السلام قادمةً من السلطة العباسية أو من الفلسفات الوافدة، بل إن بعض أشدها ألمًا جاء من داخل الأمة نفسها.

فبعد شهادة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، توقفت جماعةٌ عند إمامته، ورفضت الإقرار بانتقال الإمامة إلى الإمام الرضا عليه السلام، فعُرفت بالواقفة. ولم يكن منشأ هذا الموقف اختلافًا علميًا خالصًا، بل اختلطت فيه الشبهات بالمصالح؛ إذ كان بعض وكلاء الإمام الكاظم عليه السلام قد اجتمعت عندهم أموالٌ شرعية، فرأوا أن الاعتراف بالإمام الجديد يوجب عليهم تسليمها إليه، فاختاروا الوقوف عند الإمام الكاظم عليه السلام، ثم أخذوا ينسجون الشبهات لتبرير موقفهم.

وكان هذا الابتلاء أشد خطرًا من الخصومة مع العباسيين؛ لأن الشبهة إذا خرجت من داخل الصف كانت أقدر على التأثير في البسطاء، ولأنها تتكئ على أسماءٍ عرفها الناس من قبل، فتختلط عندهم الثقة القديمة بالموقف الجديد.

ثم جاءت محنةٌ أخرى، حين تأخر ولادة الإمام محمد الجواد عليه السلام، فاستغل بعض الناس هذا الأمر، وأخذوا يتساءلون: كيف تستمر الإمامة إذا لم يكن للإمام ولد؟ حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى التردد في إمامته، مع أن الإمامة ليست منصبًا وراثيًا بالمعنى الذي يعرفه الناس، وإنما هي اختيارٌ إلهي، يقدّم الله له ما يشاء وفي الوقت الذي يشاء.

ولكن الإمام الرضا عليه السلام لم يواجه هذه الشبهات بالغضب، ولا بالتشهير بأصحابها، بل واجهها بالصبر، والتعليم، وترسيخ المفهوم الصحيح للإمامة. فلم يجعل تأخر الولادة موضع قلق، لأنه يعلم أن وعد الله لا يتخلف، حتى إذا وُلد الإمام الجواد عليه السلام، انقطعت كثير من تلك الشبهات، وبقيت الإمامة سائرةً كما أراد الله تعالى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الابتلاء قد يقع حتى في صفوف المؤمنين، فقال سبحانه:﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾،(العنكبوت: 2).

فالفتنة ليست دائمًا سيفًا يرفعه العدو، بل قد تكون شبهةً يرددها قريب، أو شكًا يتسلل إلى القلوب، أو اختبارًا يمتحن صدق الإيمان وثبات اليقين.

وهكذا أثبت الإمام الرضا عليه السلام أن حفظ العقيدة لا يكون بالرد على الخصوم الخارجيين وحدهم، بل يبدأ أيضًا بمعالجة الانحراف حين ينشأ من داخل الأمة، حتى تبقى الإمامة مصدر وحدةٍ وهداية، لا سببًا للفرقة والاضطراب.

حين انتصر العلم

لم يكن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام يبحث عن الانتصار في المناظرات، ولا عن إسكات مخالفيه، ولا عن إظهار تفوقه العلمي أمام الناس. فالغاية عنده لم تكن أن يغلب خصمه، بل أن يُقيم الحجة، ويعيد العقول إلى ميزان الوحي، ويحفظ للأمة يقينها في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وتعددت المرجعيات.

ولذلك خرج الإمام من كل مجلس مناظرة وقد ازداد احترام الناس له، لا لأنهم رأوا عالمًا واسع المعرفة فحسب، بل لأنهم رأوا عالمًا يجمع بين العلم والتواضع، وبين قوة البرهان وحسن الخلق. فلم يكن يستهزئ بمخالف، ولا يقطع حديثه، ولا يلجأ إلى المغالطة، وإنما كان يترك الحقيقة تُظهر نفسها بقوة الدليل.

وهكذا تحولت المجالس التي أرادها المأمون لإظهار هيبة دولته، إلى مجالس تُظهر مكانة الإمام الرضا عليه السلام، وتؤكد أن العلم الذي يحمله أهل البيت عليهم السلام ليس ثقافةً مكتسبة، بل امتدادٌ لعلم النبوة.

لقد أراد المأمون أن يجعل الإمام جزءًا من مشروعه السياسي، فإذا بالإمام يحوّل مشروع المأمون إلى فرصةٍ لتعريف الأمة بإمامها.

وهنا يتجلى وعد الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾،،(المجادلة: 11).

فالعلم الذي اقترن بالإيمان بقي أثره بعد زوال الدول، وأما سلطان السياسة فقد انتهى بانتهاء أصحابه، بينما بقي الإمام الرضا عليه السلام منارةً يقصدها الباحثون عن الحقيقة إلى يوم الناس هذا.

ويبقى السؤال

لقد أثبت الإمام الرضا عليه السلام أن الإمامة لا تُقاس بالقرب من السلطة، ولا بكثرة الأتباع، ولا بصخب المجالس، وإنما بما تحمله من علمٍ إلهي، وبصيرةٍ تحفظ للأمة عقيدتها، وثباتٍ لا تزعزعه المغريات ولا التهديدات.

فقد واجه مشروع الاحتواء السياسي، ثم واجه الفتن الفكرية، ثم واجه الانقسامات الداخلية، وفي كل ذلك بقي صوت الإمامة واضحًا، لا يساوم على الحق، ولا ينفصل عن الناس، ولا يسمح للعقل أن ينفصل عن الوحي.

ولكن الابتلاء لم يتوقف عند هذا الحد.

فما إن استشهد الإمام الرضا عليه السلام حتى وجدت الأمة نفسها أمام امتحانٍ جديد لم تعهده من قبل؛ امتحانٍ لم يكن في مواجهة خليفةٍ عباسي، ولا في الرد على الفلاسفة، بل في تقبّل إمامٍ لم يتجاوز الثامنة من عمره.

فكيف تعاملت الأمة مع هذا الحدث غير المسبوق؟ وكيف حاول المشككون استغلاله؟ وكيف أثبت الإمام أن الإمامة ليست مسألة عمرٍ أو تجربةٍ بشرية، وإنما اصطفاءٌ إلهي وعلمٌ لدني؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds