
السيد فاضل آل درويش
ما هي حيثيات وأبعاد الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى يثرب، في حركة انتقال من مجتمع مارس كل أشكال العنف والعدوان النفسي والبدني تجاه النبي الأكرم (ص) وأصحابه الكرام، إلى أفق مجتمع التأسيس لقاعدة إيمانية رسالية تمارس مضامين الدين الحنيف وقيمه، كالعدالة ونزاهة النفس البشرية من شوائب الأهواء؟
بالتأكيد، إن الهجرة النبوية في قوامها وفحواها ليست مجرد انتقال مكاني وتغيير بقعة إلى أخرى، وإنما تتعلق بحركة الإنسان والنفس البشرية في عملية ضخمة من التحول والانتقال نحو ضفة أخرى تحمل كل معاني السمو والألق والكرامة الإنسانية.
فالرسول الأكرم (ص) قاد حركة رسالية انبثقت في مجتمع قابلها بالعدوانية، ومارس عليها أصناف التنكيل والبطش، ودخلت تلك الزمرة الإيمانية في أتون الابتلاء والاختبار بأعلى مستوياته، فبرزت منها قيم الصبر وتحمل الصعاب، والثبات على المبدأ والقيم، ورفض مبدأ المساومة بالترغيب أو الترهيب.
نعم، كانت مرحلة استضعاف وانتهاك لقيمة الإنسان، ومقابلة الكلمة بالعدوانية، ثم انتقلت تلك الحركة الإيمانية إلى أفق أرحب، هو أفق تأسيس المجتمع الفاضل الذي يمارس فيه أتباعه القيم الروحية والتربوية والاجتماعية التي يدعو إليها الدين الحنيف.
ففي أطهر البقاع، مكة المكرمة، عاش المسلمون حالة من الانغلاق على النفس، والحفاظ عليها بممارسة الكتمان والسرية صونًا للنفوس وحفظا للدعوة، وأما في المرحلة اللاحقة، في المجتمع المدني، فقد اختلفت الصورة تمامًا في رسالتها ومؤداها؛ إذ أصبحت هذه المرحلة فضاء لبناء الإنسان من داخله، في تصوراته وقيمه وعلاقاته، وصولًا إلى تشكيل المجتمع الفاضل.
نعم، ذلك المجتمع الذي تسود بين أفراده مشاعر الاحترام والمحبة والتسامح، في لغة تعالج تلك الاحتكاكات اليومية على النطاق الأسري والاجتماعي، وما قد يحدث فيها من تجاوز أو إساءة غير مقصودة؛ لتبقى لغة المحبة سائدة بينهم في مختلف الظروف والاتجاهات، حتى في التعامل مع بعض الشخصيات الصعبة في تعاملها.
وهكذا تبسط التوجيهات الإسلامية بساط التصالح مع الذات، والحفاظ على السلم والاستقرار المجتمعي، فلا يكون الاختلاف مدخلًا إلى القطيعة، ولا تكون الإساءة العابرة سببًا لانهيار جسور المودة، بل يتحول الإنسان إلى عنصر بناء وإصلاح، قادرًا على إدارة علاقاته بروح الإيمان وسعة الصدر ونبل الأخلاق.
والهجرة النبوية، في منطق الوحي، كانت انتقالًا من بيئة وواقع صعب يستحكم فيه الظلم والباطل في مفاصل حياة المسلمين، حتى بلغ الأمر حد الاختناق وصعوبة ممارسة فرائض دينهم الإسلامي، إلى واقع يمكن فيه للزمرة الإيمانية أن تنتقل من مجرد فكرة راسخة في الضمير والمعتقد والتصورات العقلية المضمرة، بسبب الظروف الصعبة التي عاشها المسلمون في مكة، إلى نظام متكامل في الحياة على المستوى الفردي والمجتمعي، وممارسة القيم الإسلامية بطلاقة ودون مداراة أو خوف.
فكل تلك العادات والممارسات التي نشأت في عالم يخضع لمنطق الغاب والبطش بالضعيف أخذت في التلاشي، وبدأت معالم الهجرة الحقيقية نحو فضاء أوسع تتجسد فيه الرؤية المحمدية لقيم القرآن الكريم على أرض الواقع.
فالهجرة لم تكن انتقالًا بالجسد فحسب، وإنما كانت انتقالًا في الوعي، وفي القيم، وفي طريقة النظر إلى الإنسان والحياة والمجتمع؛ انتقالًا من الخوف إلى الطمأنينة، ومن الاستضعاف إلى القدرة على بناء الحياة، ومن حفظ الإيمان في دائرة الذات إلى تجسيده في واقع الإنسان وعلاقاته ومؤسساته.
وهنا تتجلى حقيقة الهجرة بوصفها حركة تحرر للإنسان من أغلال العبودية لغير الله تعالى، ومن أسر الشهوات المتفلتة، ومن سلطان الأهواء التي تستبد بالعقل والإرادة؛ لتغدو الهجرة في بعدها الأعمق رحلة من سجن النفس إلى رحابة العبودية لله، ومن الانغلاق على الأنا إلى الانفتاح على الحق، ومن الانشغال بالذات إلى حمل رسالة الإصلاح في الحياة.
وهكذا ارتوت العقول والنفوس من تلك القيم المعرفية والأخلاقية والاجتماعية، في رسالة حضارية اختصرت تاريخ البشرية في درس عظيم: أن حقيقة الإنسان لا تكتمل بمجرد تحرره من قهر الآخرين، وإنما تكتمل حين يتحرر من قهر نفسه، ومن عبودية الأنا، ومن أسر الشهوات والأهواء، فيتحول وجوده من عبء على الحياة إلى رسالة فيها معنى، ومن ذات تبحث عن خلاصها إلى إنسان يحمل هداية الله تعالى إلى نفسه ومجتمعه والعالم من حوله.





