
عماد آل عبيدان
نوم يأخذ صاحبه إلى راحة ونوم يرسله في مغامرة لا تخطر على باله.
كانت رحلتنا يومها عامرة بالألفة والضحكات منذ اللحظة الأولى. أكثر من خمسين مقعدًا في ذلك الباص وواحد وثلاثون وجهًا أعرفها كما أعرف ملامح بيتي حتى إن كثرة المقاعد الفارغة جعلت أكثرنا يمدد جسده على مقعدين وكأن شركة النقل قررت أن تمنحنا درجة ضيافة لا تظهر في التذكرة.
طال الطريق وتعاقبت الشوارع وتعبت العيون من مطاردة الإسفلت ولوحات الطريق ثم جاء ذلك النعاس الذي يباغتك دون موعد فتمددت على المقعدين وأسلمت أمري للنوم مطمئنًا فقد اعتدت في كل محطة أن يتفقد بعضنا بعضًا.. فما إن تصل الحافلة حتى يبدأ المشهد المعتاد.. هذا يوقظ صاحبه وذاك يطرق على كتف رفيقه وأبو عبدالله يعد الوجوه قبل أن يغادروا.
شعور جميل يجعل الواحد ينام وقلبه مرتاحًا فهناك من ينتبه إليه حتى لو غاب عنه الوعي دقائق.
غير أن الرحلة قررت هذه المرة أن تغيّر السيناريو كله.
وصل الباص إلى الموقف البعيد عن مقصدنا.. ذلك الموقف الذي ينتظرنا فيه السائق ست ساعات كاملة أو تزيد حتى نعود. نزل الجميع وسلكوا الأزقة والطرقات المؤدية إلى وجهتنا… بينما كنت أنا أعيش حلمًا لا علاقة له بكل ما يجري خارج نافذتي.
مضت قرابة ساعة.
فتحت عيني بكسل ورفعت رأسي ومددت يدي أبحث عن حقيبتي الصغيرة وقبّعتي ثم ألقيت نظرة خاطفة داخل الباص…
لا أحد.
أعدت النظر مرة أخرى
لا أحد فعلًا.
خمسون مقعدًا تنظر إليّ.. وأنا الراكب الوحيد الذي ما يزال يواصل الرحلة بعد أن انتهت.
يا إلهي!
في تلك اللحظة لم أشعر بالخوف بقدر ما شعرت بدهشة مضحكة.. كيف نجح واحد وثلاثون صديقًا في تنفيذ عملية انسحاب جماعي بهذه الدقة وخرجوا جميعًا تاركين رجلًا نائمًا في وسط الحافلة؟! لو كان الأمر تدريبًا عسكريًا لما خرج بهذا الإتقان!
قفزت من مكاني متجهًا إلى الباب وكانت أول دعوة خرجت من قلبي ألا يكون السائق قد أغلق الحافلة وانصرف لقضاء حاجة فأصبح أنا والباص في خلوة لا يعلم بها أحد.
فتحت الباب
والحمد لله
كان السائق واقفًا أمامه
التفت إليّ بعينين امتلأتا بالاستغراب وقال ضاحكًا:
ـ من وين طالع أنت؟
قلت وأنا أمسح آثار النوم عن وجهي:
ـ غلبني النوم… وما أحد صحاني.
هز رأسه مبتسمًا ومندهشًا وأشار بيده إلى جهة بعيدة وقال:
ـ جماعتك راحوا من ذاك الطريق… الحق عليهم.
خرجت أمشي وأضحك وحدي.
طريق جديد لم أسلكه من قبل وأزقة لا أعرفها – أزقة بلا أسماء – وكل من أصادفه أسأله عن المكان فيشير بثقة وكأنه يعرف مسبقًا أن هناك رجلًا نسيه أصحابه داخل الباص!
كانت خطواتي تحمل شيئًا من الاستعجال وشيئًا من الطرافة وشيئًا من العتب اللطيف الذي لا يجد صاحبه رغبة حقيقية في إظهاره.
وكلما اقتربت من المجموعة ازدادت الصورة طرافة في ذهني.
تخيلت المشهد كيف سيكون بعد سنوات وكيف سأحكيه وكيف سيضحك الجميع وربما يضحكون أكثر مما ضحكوا يوم وقوعه.
ولما التقيت بهم – رغم أنهم لم يشعروا أنهم تركوني.. لولا أنني أخبرتهم بالأمر- بدأت حفلة الأعذار.
كل واحد يظن أن الآخر أيقظني.
وهذا يقول:
ـ حسبتك مع فلان.
وذاك يقول:
ـ العتب على اللي جنبك وحواليك.. كيف ما شافوك وصحّوك؟!
وآخر يقول:
ـ كيف ما جلست؟!
وأنا أضحك وأقول:
ـ أنا نايم، كيف أقعد يعني؟! ما على النائم حرج!
ثم قلت لهم:
ـ رحتوا عني ونسيتوني يا حبايب؟!
وعادت الضحكات.
اجتمعت الطمأنينة عند الجميع فضاع النائم بين حسن الظنون.
ومن يومها تعلمت درسًا لطيفًا.. الاطمئنان إلى الجماعة جميل غير أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يطمئن بنفسه أيضًا.
دقائق يسيرة يتأكد فيها من رفيقه قد تختصر ساعة من الحيرة والبحث وضياع الوقت والوجل وخطوات طويلة في طرق لا يعرفها.
وأدركت كذلك أن بعض المواقف لا تأتي لتزعجنا لأنها تمنحنا حكاية نرويها كلما اجتمعنا فتتجدد الضحكات كما لو أن الحادثة وقعت بالأمس.
أشياء جميلة في السفر تلك التي لم نخطط لها أصلًا فموقف صغير يقع فجأة ثم يكبر مع الأيام كلما حكاه صاحبه وتكبر معه الضحكة وتتحول الواقعة التي أزعجتنا لدقائق إلى ذكرى نحبها سنوات.
وما زلت – كلما ركبنا باصًا – أجد من يلتفت نحوي قبل النزول ويقول مازحًا:
“تأكدوا… عماد صاحي!”
وأعترف أنني أحببت هذه الجملة لأنها تذكرني بذلك الموقف وتعيد إليّ ضحكته كل مرة.
فقد خرجت من نومة واحدة بحكاية كاملة وصرت أشهر نائم في القروب…
وهذا لقب لم أسعَ إليه يومًا غير أنه وجدني وأنا غارق في أحلامي.





