
عواطف الجعفر
مواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم، والحلم عند الجهل
تتميز وصايا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بأنها لا تقدم للإنسان كلماتٍ أخلاقية مجردة، بل ترسم له منهجًا في بناء الإنسان وعلاقته بالآخرين. فالإيمان الحقيقي لا يظهر في العبادات وحدها، وإنما يظهر أيضًا في طريقة تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان، وفي قدرته على أن يكون سندًا في وقت الحاجة، وهادئًا عندما يستفزه الجهل والانفعال.
ومن الوصايا العميقة التي تستحق التأمل: مواساة الإخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل.
أولًا: مواساة الإخوان أن تشعر بألم الآخر
المواساة ليست مجرد كلمة نقولها لمن أصابه الحزن، ولا تقتصر على تقديم المال لمن احتاج إليه، بل هي حالة إنسانية راقية تعني أن يشعر الإنسان بأن أخاه ليس وحده في مواجهة الحياة.
قد تكون المواساة مالًا، وقد تكون وقتًا، وقد تكون موقفًا، وقد تكون كلمة طيبة، وقد تكون مجرد حضور صادق في اللحظة التي يشعر فيها الآخر أن الجميع قد ابتعدوا عنه.
وهنا يظهر الفرق بين من يعرف أخبار الناس ومن يشعر بأحوال الناس.
فليس المهم أن نعرف أن فلانًا يمر بضيق، وإنما المهم أن نسأل أنفسنا:
ماذا أستطيع أن أفعل لأخفف عنه؟
قد لا نستطيع إزالة المشكلة، لكننا نستطيع أن نخفف وطأتها.
قد لا نملك حلًا، لكننا نستطيع أن نمنح الإنسان شعورًا بأنه ليس وحيدًا.
وهذا من أجمل معاني الأخوة؛ أن تكون علاقتنا بالآخرين قائمة على الرحمة لا على المصلحة.
فالأخ الحقيقي ليس من يشاركك أفراحك فقط، وإنما من يثبت عندما تضيق بك الحياة.
ثانيًا: السعي في حوائج الإخوان في العسر واليسر
من السهل أن نساعد الآخرين عندما تكون ظروفنا مريحة، وعندما يكون لدينا فائض من المال والوقت والطاقة.
لكن الاختبار الحقيقي للأخوة يظهر عندما يكون الإنسان نفسه مشغولًا، أو متعبًا، أو محدود الإمكانات، ثم يجد مع ذلك مساحة في قلبه ليسعى في حاجة أخيه.
ولهذا فإن عبارة «في العسر واليسر» تحمل معنى عميقًا.
فالإنسان الكريم لا يجعل مساعدته للآخرين مرتبطة دائمًا بوفرة الظروف.
قد لا تملك المال، ولكنك تملك الدعاء.
وقد لا تملك الحل، ولكنك تستطيع أن تبحث عن من يملكه.
وقد لا تستطيع أن تنهي المشكلة، ولكنك تستطيع أن تدل صاحبها على الطريق.
وقد لا تستطيع أن تقدم الكثير، ولكن القليل الذي تقدمه بإخلاص قد يكون عظيم الأثر.
والسعي في حوائج الناس لا يعني أن يتحول الإنسان إلى شخص يستنزف نفسه من أجل الجميع، وإنما يعني أن يكون فاعلًا للخير بقدر استطاعته، حكيمًا في عطائه، صادقًا في نيته.
فالخير ليس دائمًا في حجم ما تعطي، وإنما في مقدار الصدق الذي يحمله عطاؤك.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان من هذا المعنى أن يسأل نفسه:
هل أنا موجود في حياة الآخرين فقط عندما أحتاج إليهم، أم أكون حاضرًا عندما يحتاجون إليّ؟
إنها مراجعة عميقة لمفهوم العلاقات.
ثالثًا: الحلم عند الجهل قوة الإنسان عندما يُستفز
أما الوصية المتعلقة بالحلم عند الجهل، فهي من أكثر الوصايا حاجة إلى التطبيق في زمننا.
فالإنسان قد يملك العلم، ولكنه يفقد الحكمة عندما يغضب.
وقد يكون على حق، لكنه يخسر قيمة حقه بسبب الطريقة التي يدافع بها عنه.
والحلم لا يعني الضعف، ولا يعني أن الإنسان لا يستطيع الرد، وإنما يعني أن الإنسان يمتلك نفسه عندما يكون قادرًا على الانفعال.
الجاهل قد يستفزك بكلمة.
وقد يسيء فهمك.
وقد يرفع صوته.
وقد ينسب إليك ما ليس فيك.
وهنا يأتي الامتحان الحقيقي:
هل ستنزل إلى مستوى الانفعال نفسه؟
أم تستطيع أن تحافظ على اتزانك؟
إن الحلم هو أن لا تجعل أخلاقك رهينة لأخلاق الآخرين.
فإذا كان الآخر غاضبًا، لا يلزم أن تغضب.
وإذا كان الآخر مستفزًا، لا يلزم أن تستفز.
وإذا اختار الآخر الإساءة، تستطيع أنت أن تختار الحكمة.
وهنا تتحول الأخلاق من رد فعل إلى قرار واعٍ.
بين المواساة والحاجة والحلم مدرسة متكاملة
عندما نتأمل هذه المعاني الثلاثة معًا، نجد أنها تبني شخصية متوازنة:
مواساة الإخوان تعلمنا الرحمة.
السعي في حوائجهم يعلمنا المبادرة والبذل.
الحلم عند الجهل يعلمنا ضبط النفس.
وهذه الصفات الثلاث تصنع إنسانًا ناضجًا في علاقاته.
فالرحمة وحدها دون حكمة قد تستنزف الإنسان، والبذل دون وعي قد يتحول إلى فوضى، والحلم دون قوة داخلية قد يتحول إلى ضعف.
أما عندما تجتمع الرحمة مع الحكمة، والبذل مع الوعي، والحلم مع القوة، فإن الإنسان يصبح قادرًا على صناعة أثر حقيقي في محيطه.
الأخوة ليست شعارًا بل موقف
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف الأخوة.
فالأخوة ليست كثرة اللقاءات، ولا كثرة الرسائل، ولا كثرة الكلمات الجميلة.
الأخوة الحقيقية تُعرف في المواقف.
في لحظة المرض.
في لحظة الضيق.
في لحظة الحاجة.
في لحظة الانكسار.
وفي اللحظة التي يخطئ فيها الآخر بحقك، ثم تختار أن تتعامل معه بالحلم بدل الانتقام.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الاختلاف، وإنما تلك التي لا يسمح فيها الاختلاف بهدم الرحمة.
ولذلك فإن وصايا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تضع أمامنا سؤالًا مهمًا:
هل نحن نبحث عن الأخ الذي يواسينا ويسعى في حوائجنا ويحلم معنا، أم نحاول أن نكون نحن ذلك الأخ للآخرين؟
وهنا يبدأ التغيير الحقيقي.
فبدل أن ننتظر من الناس أن يكونوا رحماء بنا، نبدأ نحن بالرحمة.
وبدل أن ننتظر من الآخرين أن يقفوا معنا، نبدأ نحن بالوقوف معهم.
وبدل أن نطالب الآخرين بضبط أعصابهم، نبدأ نحن بتدريب أنفسنا على الحلم.
إن وصايا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ليست بعيدة عن واقعنا، بل هي في صميم حاجاتنا اليومية.
نحن بحاجة إلى إنسان يشعر قبل أن يحكم، ويساعد قبل أن يعتذر، ويحلم قبل أن يرد.
نحن بحاجة إلى أخوة لا تُقاس بالمصلحة، وعلاقات لا تقوم على الأخذ والعطاء المتبادل فقط، بل على الرحمة والإيثار والوفاء.
فربما لا نستطيع أن نغير العالم كله، ولكننا نستطيع أن نغير العالم الصغير المحيط بنا:
أن نخفف حزن إنسان،
أن نقضي حاجة محتاج،
أن نمد يدًا في وقت العسر،
وأن نكظم غضبًا كان يمكن أن يشعل خصومة.
وهكذا تتحول الوصية من كلمات تُقرأ إلى أخلاق تُعاش، ومن موعظة تُسمع إلى مشروع لبناء إنسان أكثر رحمة، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على صناعة الخير.
وهذا هو جوهر الأخلاق التي أراد أهل البيت (عليهم السلام) أن تتحول من معرفة في العقول إلى نور في السلوك والحياة.





