
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الحادية والعشرون من سلسلة “الصوت الذي بقي”، نتابع فيها اللحظة التي انتهت فيها الغيبة الصغرى، وأُغلق باب النيابة الخاصة، لتبدأ الأمة مرحلةً جديدة في علاقتها بإمامها.
مقدمة:
ليس أصعب الغيابات تلك التي يغيب فيها الإنسان عن العين، وإنما تلك التي يبقى فيها حاضرًا في القلب، ثم يُطلب من القلب أن يثبت من غير لقاء.
فالإنسان حين يرى من يحب، يستمد من رؤيته شيئًا من الطمأنينة، وحين يسمع صوته يشعر أن المسافة بينهما لم تعد كبيرة، لكن ماذا يحدث حين تطول المسافة، ولا يعود اللقاء ممكنًا بالصورة التي اعتادها الإنسان؟ هنا لا يعود الامتحان امتحان رؤية، وإنما يصبح امتحان يقين؛ أن تؤمن بمن لا تراه، وأن تظل وفيًّا لعهدٍ لا تجد يدًا تصافحها كل يوم لتجدد لك معناه، وأن تحفظ طريقًا لا تستطيع أن تراه ممتدًا أمامك، ذلك لونٌ آخر من الإيمان.
ولهذا فإن الغيبة الكبرى ليست مجرد زمنٍ غاب فيه الإمام عن أعين الناس، وإنما هي زمنٌ يُختبر فيه معنى الإيمان نفسه. هل يبقى يقين الإنسان قائمًا حين تغيب العلامات التي اعتاد أن يستند إليها؟ وهل يستطيع القلب أن يكون وفيًّا حين لا يجد أمامه حضورًا بشريًا يذكّره كل يومٍ بما آمن به؟
لقد اعتاد الإنسان أن يربط الحضور بالمشاهدة، وأن يربط الحقيقة بما يستطيع أن يلمسه ويسمعه ويراه، ولكن العقيدة لا تُبنى دائمًا على ما تراه العين. فكم من حقيقةٍ غيّرت حياة الإنسان ولم يرها بعينه، وكم من أثرٍ بقي في الوجود بعد أن غاب صاحبه، وكم من عهدٍ حفظه إنسانٌ سنواتٍ طويلة لأنه آمن بمعناه قبل أن يرى ثماره.
وفي الغيبة الكبرى يصبح هذا المعنى أكثر عمقًا؛ فالإمام المهدي عليه السلام، في العقيدة الإمامية، ليس فكرةً مؤجلة إلى يوم الظهور، ولا شخصيةً تنتظرها الأمة لتبدأ معها مسؤوليتها، بل هو الإمام الموجود والحجة القائمة، وإن لم يكن حاضرًا في حياة الناس بالصورة التي تسمح لهم بلقائه ومشاهدته.
وهنا يتغير السؤال.
لم يعد السؤال عن الباب الذي يصلنا بالإمام، فقد انتهى زمن الباب الخاص، وإنما أصبح السؤال: كيف نبقى أوفياء للإمام حين لا يكون هناك باب؟
كيف يعيش المؤمن وهو يعلم أن إمامه موجود، ولكنه لا يستطيع أن يجعل وجوده متوقفًا على اللقاء؟ وكيف يحفظ عهده في زمنٍ يمكن أن يطول فيه الغياب حتى يظن بعض الناس أن طول المسافة يعني غياب الحقيقة نفسها؟
هنا تبدأ الغيبة الكبرى بوصفها امتحانًا جديدًا للثبات. فالإمام غائبٌ عن المشاهدة، ولكنه ليس غائبًا عن العقيدة، والطريق إليه لم يعد طريق لقاءٍ خاص، وإنما أصبح طريق إيمانٍ وبصيرةٍ ومسؤولية.
ومن هذه اللحظة لا يعود السؤال عن الإمام وحده، بل يصبح السؤال عن الأمة التي تؤمن به: ماذا يبقى من العهد حين يغيب صاحبه عن العين؟
ومن هنا تبدأ حكاية الغيبة الكبرى.
حين أُغلق الباب
لم يكن آخر أيام الغيبة الصغرى يومًا عاديًا في تاريخ الإمامة، ولم تكن وفاة علي بن محمد السمري مجرد نهايةٍ طبيعية لسلسلةٍ من الرجال الذين تعاقبوا على حمل هذه الأمانة. كانت هناك لحظةٌ أدركت فيها الأمة أن الطريق الذي عرفت من خلاله إمامها لسنواتٍ طويلة قد بلغ نهايته، وأن شكل العلاقة الذي اعتادت عليه لن يستمر بالصورة نفسها.
كان السمري يعيش أيامه الأخيرة حين وصل إليه توقيع الإمام المهدي عليه السلام، معلنًا انتهاء النيابة الخاصة، وأن هذا الدور لن يستمر بعده على النحو الذي عرفته الأمة في الغيبة الصغرى.
وهنا لم يكن المهم فقط أن آخر النواب قد اقترب من الرحيل، وإنما أن الوظيفة نفسها كانت تقترب من نهايتها.
فقد انتهى زمنٌ كان فيه للإمام طريقٌ خاص تصل من خلاله الأسئلة، وتعود عبره الأجوبة، وتُحفظ من خلاله صلةٌ محددة بين الإمام وشيعته. ولم يكن إغلاق هذا الطريق إعلانًا عن انقطاع الإمام، وإنما إعلانًا عن أن الأمة لم تعد تستطيع أن تجعل صلتها به قائمةً على وجود شخصٍ يقف بينها وبينه.
وهذه هي النقطة التي تجعل نهاية الغيبة الصغرى مختلفةً عن مجرد انتقالٍ تاريخي بين مرحلتين.
لقد انتهى الباب، ولكن لم تنتهِ الإمامة.
وانتهت النيابة الخاصة، ولكن لم تنتهِ الحجة.
وانتهت وسيلةٌ اعتاد الناس من خلالها أن يعرفوا بعض تفاصيل الصلة بالإمام، ولكن لم ينتهِ الإيمان بوجوده، ولم ينتهِ الرجاء بظهوره.
وهنا بدأت المسؤولية تنتقل بصورةٍ أعمق: من شخصٍ يحمل الطريق إلى أمةٍ عليها أن تتعلم كيف تسير من غير ذلك الطريق.
ففي المرحلة السابقة كان وجود النائب الخاص يمنح الشيعة صورةً محددة عن جهة الاتصال، أما الآن فلم يعد هناك رجلٌ يمكن أن يُرجع إليه بوصفه بابًا خاصًا إلى الإمام. وكان هذا التحول ثقيلًا؛ فالإنسان بطبيعته يبحث عن الوسيط الذي يختصر عليه الطريق، وعن الشخص الذي يمنحه جوابًا حين يشتد عليه السؤال.
ولكن الإيمان لا ينبغي أن يبقى معلقًا بوسيلةٍ واحدة. فالوسائل قد تتغير، أما أصل العهد فلا يتغير.
ولهذا فإن إغلاق باب النيابة الخاصة لم يكن تركًا للأمة في الفراغ، وإنما كان انتقالًا بها إلى مرحلةٍ تصبح فيها مسؤوليتها أكبر في حفظ دينها، ومعرفة طريقها، والتمييز بين الحق والباطل، وعدم تحويل الغيبة إلى سببٍ للتردد أو الانقطاع.
ومن هنا نفهم أن الغيبة الكبرى لم تبدأ فقط لأن آخر النواب مات، وإنما لأنها بدأت معها مرحلةٌ جديدة في وعي الأمة.
لم يعد السؤال: من يحمل لنا رسالة الإمام؟
بل أصبح: كيف نحفظ نحن ما وصلنا من دينه، وكيف نبقى أوفياء لإمامنا في زمنٍ لا نملك فيه ذلك الباب الخاص؟
كان هذا التحول قاسيًا من جهة، ولكنه كان ضروريًا من جهة أخرى؛ لأن الأمة لم تكن مطالبةً بأن تبقى معلقةً إلى الأبد بوسيلةٍ واحدة من وسائل الصلة، وإنما أن تنتقل من مرحلةٍ كانت فيها النيابة الخاصة جزءًا من تنظيم العلاقة في زمن الغيبة الصغرى، إلى مرحلةٍ يصبح فيها الإيمان والوعي والعلم والمسؤولية أساسًا في حياة المؤمن.
وهكذا دخلت الأمة زمن الغيبة الكبرى.
لم يُرفع عنها عهد الإمام، ولم تُترك بلا هداية، ولكنها دخلت زمنًا لم يعد فيه حضور الإمام يُقاس بوجود بابٍ خاص يمكن طرقه.
ومنذ ذلك اليوم صار على المؤمن أن يعيش مع حقيقةٍ جديدة: إمامه موجود، ولكنه ليس حاضرًا أمام عينيه، وصلته به لا تقوم على لقاءٍ خاص، وإنما على الإيمان والبصيرة والثبات.
لا بوصفها إغلاقًا لباب الإمام، وإنما بوصفها إغلاقًا لبابٍ كان يميز مرحلةً من مراحل مسؤولية الأمة عن مرحلةٍ أخرى.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال عن الباب الذي أُغلق وحده، وإنما عن الإنسان الذي بقي واقفًا أمام العهد.
حين لم تعد الغيبة عذرًا
حين طال الغياب، كان من السهل أن يتحول وجود الإمام في وعي الإنسان إلى فكرةٍ مؤجلة؛ أن يقول لنفسه إن الإمام غائب، وإن زمن الظهور لم يأتِ بعد، وإن ما يستطيع فعله محدودٌ ما دام لا يرى إمامه أمامه.
ولكن الغيبة، في معناها الأعمق، لا تمنح الإنسان عذرًا للتوقف، وإنما تضع أمامه مسؤوليةً أكبر.
فغياب الإمام عن المشاهدة لا يعني غياب التكليف، كما أن عدم معرفة زمن الظهور لا يعني أن الإنسان يستطيع أن يؤجل إصلاح نفسه أو أداء واجبه حتى يأتي ذلك اليوم.
وهنا تظهر حقيقة أساسية في زمن الغيبة الكبرى: الإمام الغائب لا يعني الأمة الغائبة عن مسؤوليتها.
فالإنسان لا يُحاسب على أنه عاش في زمن الغيبة، وإنما يُحاسب على ما صنع داخل هذا الزمن. يستطيع أن يكون وفيًّا للعهد، أو أن يجعل الغياب ذريعةً للابتعاد. يستطيع أن يحفظ دينه، أو أن يسمح للزمن أن يبدد ملامحه. يستطيع أن يعيش إيمانه بوصفه حقيقةً حاضرة، أو أن يحوله إلى مجرد انتماءٍ لفظي.
ولهذا فإن الغيبة الكبرى لا تعني أن الأمة أصبحت بلا طريق، وإنما تعني أنها أصبحت مطالبةً بأن تعرف كيف تسلك الطريق من غير أن يكون الإمام حاضرًا أمامها في كل لحظة.
وهذا يجعل حفظ الدين جزءًا من معنى الوفاء نفسه.
أن يحفظ الإنسان صلته بالله، وأن يعرف أحكام دينه، وأن يزن ما يسمع قبل أن يتبعه، وألا يجعل العاطفة وحدها معيارًا للحق؛ كل ذلك ليس أمورًا منفصلةً عن علاقته بإمامه، وإنما هو جزءٌ من مسؤوليته في زمن الغيبة.
فالغياب لا يلغي الحضور الإيماني، وعدم اللقاء لا يلغي العهد، وطول الزمن لا يلغي التكليف.
بل لعل أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الغيبة أن يعتاد الإنسان غياب إمامه حتى لا يعود هذا الغياب يوقظه.
أن يتحول الإمام من حقيقةٍ تغيّر سلوك الإنسان إلى اسمٍ يردده، ومن عهدٍ يحمّله مسؤوليةً إلى عاطفةٍ يستحضرها في المناسبات، ومن يقينٍ حي إلى فكرةٍ بعيدة لا أثر لها في اختياراته.
وهنا يظهر الفرق بين أن يعيش الإنسان في زمن الغيبة وأن يعيش واعيًا للغيبة.
فالأول قد تمر عليه السنوات دون أن تغير شيئًا في داخله، أما الثاني فيفهم أن غياب الإمام عن المشاهدة لا يعني غيابه عن معنى حياته، وأن وجود الحجة يضع عليه مسؤوليةً لا يستطيع أن يهرب منها بحجة أنه لا يرى.
لقد أُغلقت النيابة الخاصة، لكن أبواب التكليف لم تُغلق.
وانتهى طريق الاتصال الخاص، لكن لم ينتهِ طريق الإيمان.
وغابت المشاهدة، ولكن بقيت الحجة.
ومن هنا بدأت الغيبة الكبرى تطرح سؤالًا جديدًا على الأمة: إذا لم يعد هناك نائبٌ خاص، فمن أين تعرف الأمة حكم دينها؟ ومن تثق بعلمه؟ وكيف تميز بين من يحمل الدين أمانةً، ومن يجعل الدين وسيلةً لنفسه؟
وهنا تبرز مسؤولية العلم وأهل المعرفة.
حين صار العلم أمانة
حين أُغلق باب النيابة الخاصة، لم يعد في وسع الأمة أن ترجع إلى رجلٍ بعينه بوصفه طريقًا خاصًا إلى الإمام، ولم يعد السؤال يجد طريقه إلى صاحبه بالطريقة التي عرفها الناس في الغيبة الصغرى.
وكان لا بد أن يظهر في حياة الأمة شكلٌ آخر من أشكال الرجوع؛ لا يقوم على ادعاء القرب الخاص من الإمام، وإنما على العلم بالدين، ومعرفة أحكامه، والقدرة على حفظ أصوله وتمييز الحق من الباطل.
وهنا بدأت مسؤولية العلماء تأخذ وزنًا أكبر.
فالأمة التي تؤمن بأن إمامها موجود، لكنها لا تستطيع أن تراه، تحتاج إلى أن تعرف كيف تحفظ دينها في زمن الغياب، وكيف تواجه ما يستجد عليها من مسائل وأسئلة، من غير أن تجعل كل رأيٍ دينًا، ولا كل متحدثٍ باسم الدين حجة.
ولهذا لم يكن العالم في زمن الغيبة الكبرى مجرد شخصٍ يملك معلوماتٍ دينية، وإنما أصبح حمله للعلم أمانةً ومسؤولية.
وقد رسم الإمام العسكري عليه السلام في حديثه عن الفقهاء المخلصين صورةً دقيقة لهذا المعنى، حين ربط أهلية العالم بصفاتٍ تتجاوز مجرد امتلاك المعرفة، فالعالم الذي يُرجع إليه الناس ليس من جمع العلم فحسب، وإنما من صان نفسه، وحفظ دينه، وخالف هواه، وأطاع أمر مولاه.
وهذا المعنى بالغ الأهمية؛ لأن العلم إذا انفصل عن الأمانة يمكن أن يتحول من وسيلةٍ لحفظ الدين إلى وسيلةٍ لامتلاك الناس.
فحين لا يكون الإمام حاضرًا أمام الناس ليصحح لكل فردٍ ما يسمع، تصبح مسؤولية التمييز أعظم، ويصبح على الإنسان ألا يكتفي بالسؤال: من يتحدث؟ وإنما يسأل أيضًا: ماذا يحمل هذا الرجل من علم؟ وما مدى أمانته؟ وهل يقدم الدين كما هو، أم يقدم نفسه من خلال الدين؟
ولهذا فإن الرجوع إلى العلماء لا يعني أن العالم أصبح بديلًا عن الإمام، ولا أن مقامه يساوي مقام الحجة، وإنما يعني أن الأمة تحتاج إلى أهل الاختصاص في معرفة ما لا تستطيع أن تعرفه بنفسها.
لكل مقامٍ حدوده، ولكل أمانةٍ صاحبها، والخطأ يبدأ حين تتجاوز الوسيلة حدودها فتتحول من خدمة الحقيقة إلى امتلاكها.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الغيبة أن يبحث الإنسان عن شخصٍ يريحه من مسؤولية التفكير، فيسلّم له عقله وقلبه بلا بصيرة.
فالدين لا يطلب من الإنسان أن يلغي عقله، وإنما أن يعرف كيف يستعين بأهل العلم فيما يجهله، وأن يبقى واعيًا لما يأخذ ومن أين يأخذ.
وهكذا يصبح العالم الأمين جسرًا إلى المعرفة، لا بابًا مغلقًا على الناس؛ يقرّبهم من الدين، ولا يجعلهم أسرى لشخصه؛ يعرّفهم بالحجة، ولا يدعوهم إلى نفسه بوصفه غايةً مستقلة.
وهنا تظهر مسؤولية الأمة أيضًا.
فالعالم يحمل أمانة البيان، والأمة تحمل أمانة التمييز، وكلاهما يلتقيان عند غايةٍ واحدة: أن يبقى الدين محفوظًا من الجهل والتحريف والاستغلال.
ولعل هذا من أعمق وجوه الغيبة الكبرى: أن الإمام غائبٌ عن العين، لكن الأمة لم تُعفَ من مسؤولية البحث عن الحق، ولم تُعفَ من مسؤولية معرفة من يحمل العلم، ولم تُعفَ من مسؤولية أن تجعل الدين حاضرًا في حياتها لا مجرد اسمٍ تنتمي إليه.
لقد أُغلق باب النيابة الخاصة، لكن لم يُغلق باب العلم.
وانتهى زمن السؤال الذي يصل إلى الإمام عبر نائبٍ خاص، لكن بدأ زمنٌ آخر يصبح فيه على الأمة أن تعرف كيف تسأل، ومن تسأل، وكيف تزن الجواب.
ومن هنا لم تعد الغيبة الكبرى مجرد غيابٍ للإمام، وإنما أصبحت امتحانًا لطريقة الأمة في حمل الدين بعد أن تغيرت الوسيلة التي اعتادت عليها.
ويبقى السؤال
لقد أُغلق باب النيابة الخاصة، لكن لم يُغلق باب التكليف، وطال الغياب، لكن لم تُرفع المسؤولية، وغابت المشاهدة، لكن بقيت الحجة.
وانتقلت الأمة من زمنٍ كان فيه الباب الخاص يحدد لها شكلًا من أشكال الصلة، إلى زمنٍ أصبحت فيه مطالبةً بأن تحمل مسؤولية دينها بوعيٍ أكبر، وأن تعرف من تأخذ عنه، وأن تحفظ إيمانها من الجهل والادعاء، وألا تجعل غياب الإمام سببًا لغيابها هي عن عهدها.
ولكن هذا كله يفتح سؤالًا أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين لا يطول الغياب أيامًا ولا سنوات، بل يمتد قرونًا؟
ماذا يفعل الزمن الطويل باليقين؟
وكيف تبقى العقيدة حيّةً حين تتغير الأجيال، وتتبدل الظروف، وتكثر الفتن، ويصبح الإنسان أبعد عن اللحظة التي أُغلق فيها ذلك الباب؟
لقد أُغلق الباب وانتهى الأمر، لكن الطريق الطويل الذي بدأ بعد إغلاقه لم ينتهِ.
أجيالٌ ستتعاقب وهي تؤمن بإمامٍ لا تراه، وتنتظر ظهورًا لا تعرف موعده، وتحاول أن تحفظ دينها في عالمٍ تتغير فيه الأصوات والموازين.
وهنا يبقى السؤال الذي سيصحبنا إلى المرحلة التالية من الحكاية: كيف يستطيع المؤمن أن يحفظ هذا العهد حيًا في قلبه، لا أن يكتفي بمعرفته؟
فقد غاب الإمام عن المشاهدة، وأُغلق باب النيابة الخاصة، وطال الزمن، وتبدلت الوجوه والظروف، ولكن العهد لم يُغلق، ولم يُرفع عن الإنسان.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للغيبة الكبرى: أن يبقى الإمام حاضرًا في اليقين، حاضرًا في الوجدان، وحاضرًا في السلوك، حتى لا يتحول الغياب إلى نسيان، ولا يتحول الانتظار إلى مجرد أمنية.
وهذا هو السؤال الذي سنحمله معنا إلى المرحلة التالية من الحكاية، في المقالة الثانية والعشرين: كيف يبقى العهد حيًا، وماذا يعني أن تنتظر إمامك انتظارًا يصنع فيك شيئًا؟



