المواقيت والفلك

فاتورة المناخ يدفعها الجميع.. والاستثمار في التكيف أقل كلفة

حذيفة القرشي: جدة

لم يعد التغير المناخي ملفًا بيئيًا منفصلًا عن حركة الاقتصاد، بل تحول تدريجيًا إلى عامل مؤثر في الإنتاج والأسعار والطاقة والغذاء وسوق العمل والاستثمارات والبنية التحتية، فموجة الحر لا تتوقف آثارها عند ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف لا يقتصر على نقص المياه، والفيضانات لا تنتهي عند الأضرار التي تصيب الممتلكات؛ إذ تنتقل تداعيات هذه الظواهر عبر حلقات الاقتصاد لتصل في النهاية إلى الحكومات والشركات والمستهلكين.
ومع تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، يبرز سؤال اقتصادي أكثر إلحاحًا: من يدفع فاتورة التغير المناخي؟

يرى مختصون في الاقتصاد والبيئة أن الكلفة المناخية تتوزع على أطراف الاقتصاد كافة، مؤكدين أن الخسائر لا تقتصر على الأضرار المباشرة، وإنما تمتد إلى انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات.

وشددوا على أن الاستثمار في التكيف المناخي لم يعد إنفاقًا إضافيًا يمكن تأجيله، وإنما أصبح استثمارًا وقائيًا لحماية رأس المال والإنتاج واستقرار الأسواق، مؤكدين أن كلفة الاستعداد المبكر تظل أقل من تكلفة التعامل مع الأضرار بعد وقوعها.

من ظاهرة بيئية إلى صدمة اقتصادية

قال الأستاذ الدكتور في قسم الهندسة البحرية بجامعة الملك عبدالعزيز، وحيد بن سامي حسن آبوشنب، إن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية محضة، وإنما تحولت إلى معادلة اقتصادية معقدة تؤثر في مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من الإنتاج الأولي وصولًا إلى المستهلك النهائي.

وأوضح أن الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة والحرائق لم تعد مجرد كوارث طبيعية، بل أصبحت تهديدات مباشرة للاستقرار المالي والنمو الاقتصادي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كيفية تخطيط الاستثمارات والسياسات الاقتصادية.

وأشار آبوشنب إلى أن الزراعة تعتمد على توازن دقيق بين درجات الحرارة والمياه والتربة والمواسم، وأي اضطراب مستمر في هذا التوازن ينعكس على إنتاجية المحاصيل والثروة الحيوانية.

وأوضح أن التأثير الاقتصادي لا يتوقف عند حدود المزرعة، إذ يؤدي انخفاض الإنتاج إلى رفع تكلفة الوحدة وزيادة الحاجة إلى الواردات الغذائية، فضلًا عن الضغط على سلاسل التوريد، وصولًا إلى المستهلك في صورة ارتفاع بأسعار الغذاء.

الحرارة تخفض الإنتاجية

ولفت آبوشنب إلى أن حساسية هذه المسألة تزداد في الدول العربية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات الغذائية، إذ يمكن لأي صدمة مناخية تصيب مناطق الإنتاج العالمية الرئيسية أن تنعكس على ميزانيات الأسر والإنفاق الحكومي.

ويرى أن الاستثمار في الزراعة المحلية الذكية مناخيًا لا يمثل خيارًا بيئيًا فقط، بل يعد استثمارًا في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمن الغذائي.
ومن بين التكاليف الأقل وضوحًا للتغير المناخي، بحسب آبوشنب، تكلفة فقدان الإنتاجية نتيجة الإجهاد الحراري.

وأوضح أن قطاعات الإنشاءات والموانئ والنقل والخدمات اللوجستية والزراعة تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع درجات الحرارة، مبينًا أن الأمر لا يعني انخفاض ساعات العمل فقط، وإنما تراجع الناتج مقابل كل ساعة عمل، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الحماية المهنية والتشغيل.

وفي المنطقة العربية، حيث تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع التوسع العمراني والمشروعات الكبرى، تصبح إدارة الإجهاد الحراري جزءًا من إدارة الإنتاجية نفسها، وهو ما يستدعي استثمارات إضافية في تقنيات التبريد والحماية المهنية وإعادة تنظيم أوقات العمل بما يتناسب مع الظروف المناخية.

البنية التحتية.. خسائر تتضاعف

وتبرز البنية التحتية كإحدى أكثر حلقات الاقتصاد حساسية للمخاطر المناخية، وفق آبوشنب، فالطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمنشآت الساحلية تمثل منظومة مترابطة، وأي تعطل في أحد عناصرها قد يمتد أثره إلى بقية النشاط الاقتصادي.

وأوضح أن توقف ميناء أو طريق رئيسي نتيجة ظاهرة مناخية لا يعني فقط تحمل تكلفة الإصلاح، بل قد يؤدي إلى تأخر الشحنات والبضائع، وارتفاع أجور النقل والتأمين، واضطراب المخزون والإنتاج.

وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للاقتصادات العربية المرتبطة بالموانئ والطاقة والتجارة الدولية، إذ يمكن لتعطل حلقة واحدة من البنية التحتية أن ينتشر أثره عبر الاقتصاد، متسببًا في خسائر تتجاوز بكثير تكلفة الإصلاح الأولية.

التبريد يضغط على الطاقة

وأكد آبوشنب أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي كذلك إلى زيادة الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد والتكييف، خصوصًا خلال ساعات الذروة، ما يضع ضغوطًا متزايدة على شبكات الطاقة ويرفع تكاليف التشغيل.

ولا يتوقف الأمر عند زيادة الاستهلاك، إذ يمكن لارتفاع الحرارة أن يؤثر في كفاءة بعض محطات توليد الكهرباء، خصوصًا تلك التي تعتمد على التبريد بالمياه، لتتشكل معادلة متداخلة: حرارة أعلى، وطلب أكبر على الكهرباء، وكفاءة أقل، وتكاليف أعلى.

ويعني ذلك حاجة متزايدة إلى الاستثمار في شبكات الكهرباء وقدرات التوليد والتخزين وكفاءة الطاقة، بما يقلل الضغط على المنظومة ويحد من ارتفاع التكاليف.

وتؤثر الفيضانات والجفاف والعواصف كذلك في استقرار سلاسل الإمداد العالمية، من خلال تأخير الشحنات وتلف البضائع وتعطل النقل البري والبحري.

التجارة العالمية تحت ضغط المناخ

وبحسب آبوشنب، فإن هذه الاضطرابات ترفع التكاليف التشغيلية وتقلل القدرة التنافسية، فيما تنتقل زيادة تكاليف التأمين والنقل في نهاية المطاف إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.

وأكد أن السؤال الاقتصادي الأساسي لا ينبغي أن يكون حول المفاضلة بين «الإنفاق على التكيف» و«عدم الإنفاق»، وإنما بين تكلفة محسوبة ومنضبطة اليوم وخسائر أكبر وغير محسوبة غدًا.

وأوضح أن الاستثمار في البنية التحتية المرنة وكفاءة الطاقة والمياه وأنظمة الإنذار المبكر وحماية سلاسل الإمداد لا يمثل إنفاقًا بيئيًا إضافيًا، بل إدارة للمخاطر وحماية لرأس المال والإنتاج والنمو الاقتصادي.

ويرى أن الاستعداد المبكر يسمح للاقتصادات بالتعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى أزمات، ويمنح الحكومات والشركات قدرة أكبر على حماية الأصول واستمرارية الأعمال.

ضريبة اقتصادية غير مباشرة

من جانبه، أوضح المستشار الاقتصادي الدكتور حسين العطاس أن التغير المناخي أصبح يمثل ما يمكن وصفه بـ«ضريبة اقتصادية غير مباشرة» يدفعها الجميع، وإن اختلفت طريقة تحملها.

وقال إن الحكومات تتحمل جزءًا من الفاتورة من خلال الإنفاق على البنية التحتية والتكيف والطوارئ وإعادة الإعمار ودعم القطاعات المتضررة، بينما تتحمل الشركات خسائر الأصول وتعطل الأعمال وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين والاستثمار في تقنيات أكثر كفاءة.

أما المستهلك، فتصل إليه الفاتورة عبر ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات والتأمين.

وأكد العطاس أن السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك فاتورة للتغير المناخي، وإنما من يدفعها وكيف توزع؟، مشيرًا إلى أن الفئات الأقل دخلًا قد تكون الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار والخسائر الناتجة عن الكوارث المناخية.

الزراعة تتحول إلى مؤشر للأسعار

وأشار العطاس إلى أن الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة تؤثر مباشرة في المحاصيل والثروة الحيوانية، وهو ما ينعكس على حجم المعروض الغذائي والأسعار.

وبذلك يمكن أن يصبح التغير المناخي أحد العوامل التي تزيد تقلب أسعار الغذاء عالميًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاتها الغذائية.

ويرى أن الأمن الغذائي أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على إدارة المخاطر المناخية، وليس فقط بحجم الإنتاج الحالي.

التكيف جزء من التنمية

وبيّنت أستاذ مساعد بقسم علوم البيئة بكلية العلوم في جامعة جدة، الدكتورة نوف العسيري، أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية ترتبط بارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس فقط، بل أصبح تحديًا عالميًا يمتد تأثيره إلى الإنسان والاقتصاد والتنمية ومستقبل المجتمعات.
الدكتورة نوف العسيري الدكتورة نوف العسيري

وأوضحت أن موجات الحر والجفاف والفيضانات والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر أصبحت أكثر تأثيرًا في حياة الناس والأنشطة الاقتصادية، ما يفرض إعادة النظر في أساليب التخطيط والتنمية.

وأشارت إلى أن الكوارث المناخية تتسبب في خسائر للممتلكات والمنشآت وشبكات النقل والطاقة والمياه، وتفرض تكاليف إضافية على الحكومات لإعادة الإعمار والصيانة والتعافي، كما تؤدي إلى تعطيل المصانع والأعمال وسلاسل الإمداد.

سوق العمل أمام تحدي الحرارة

وأكدت العسيري أن التأثير المناخي يمتد إلى الإنتاجية وسوق العمل، خصوصًا خلال فترات الحر الشديد، إذ قد تنخفض قدرة العاملين على أداء أعمالهم بكفاءة، وترتفع مخاطر الإجهاد الحراري، لا سيما في قطاعات البناء والزراعة والنقل والخدمات التي تعتمد على العمل الميداني.
وأضافت أن تراجع الإنتاجية قد يتحول إلى خسائر اقتصادية تراكمية كلما زادت فترات الحرارة الشديدة.

وترى العسيري أن قطاعي المياه والطاقة يواجهان كذلك ضغوطًا متزايدة، إذ يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على التبريد والكهرباء، في وقت تحتاج فيه الدول إلى استثمارات أكبر لتطوير مصادر الطاقة والبنية التحتية القادرة على مواجهة الظروف المناخية المتغيرة.

كما أن التكيف مع المستقبل يتطلب تطوير بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود، وأنظمة للإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه ورفع كفاءة الطاقة وحماية المدن والمناطق الساحلية وتطوير التقنيات القادرة على خفض الانبعاثات والتعامل مع آثار المناخ.

من فاتورة المناخ إلى فرص جديدة

وأشارت العسيري إلى أن ارتفاع تكلفة هذه الاستثمارات لا يعني أنها عبء اقتصادي، لأن تكلفة عدم التحرك قد تكون أكبر بكثير على المدى الطويل.
ولا ترى أن مواجهة التغير المناخي ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تكلفة اقتصادية فقط، إذ يمكن أن تمثل مرحلة التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة فرصة لتطوير قطاعات جديدة.

وأشارت إلى إمكانات التوسع في الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة والاقتصاد الدائري وإعادة استخدام الموارد والابتكار في مجالات المياه والغذاء والطاقة، بما يسهم في خلق قطاعات اقتصادية جديدة وفرص وظيفية نوعية.

مستهدفات رؤية السعودية 2030
وأضافت العسيري أنه في المملكة العربية السعودية، يتقاطع هذا التوجه مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من خلال التوسع في الطاقة المتجددة ورفع كفاءة استهلاك المياه والطاقة وتطوير تقنيات تحلية المياه وإعادة استخدامها ودعم الاقتصاد الدائري والاستثمارات الخضراء.

وترى أن هذه التوجهات لا تسهم فقط في مواجهة المخاطر المناخية، بل يمكن أن تدعم تنويع الاقتصاد وتحسين كفاءته وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية.

الاقتصاد أمام اختبار الصمود

من جهته، يرى المستشار والخبير الاقتصادي إياس آل بارود أن التغير المناخي أصبح قضية اقتصادية تؤثر بصورة مباشرة في الأسعار والإنتاج وتكاليف الطاقة وموازنات الحكومات.
وأوضح أن الخسائر الناتجة عن موجات الحر والفيضانات والجفاف والحرائق لا تقتصر على الأضرار المباشرة، بل تشمل توقف المصانع وتعطل النقل واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع الإنتاج وارتفاع تكلفة إعادة بناء البنية التحتية والممتلكات.

وأشار إلى أن القطاع الزراعي يواجه تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وشح المياه، بما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة تكلفة المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

القطاع الخاص شريك في الحل

وأكد آل بارود أهمية أن يكون القطاع الخاص جزءًا أساسيًا من منظومة التكيف، عبر الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء وإدارة المخاطر والتأمين وتنويع سلاسل الإمداد، بما يقلل تعرض الاقتصاد لصدمة واحدة في حال وقوع كارثة أو اضطراب في التجارة.

كما دعا إلى سياسات حكومية واضحة وطويلة المدى، بحيث لا يقتصر التعامل مع الكوارث على ردود الفعل بعد وقوعها، وإنما يشمل التخطيط المسبق وتمويل التكيف وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز سرعة الاستجابة.

ويرى أن التحدي الأكبر يتمثل في تكلفة الانتقال والتكيف، خصوصًا بالنسبة للدول والشركات ذات الموارد المحدودة، ما يتطلب تحقيق توازن بين حماية البيئة والحفاظ على النمو وفرص العمل، مع توفير التمويل والحوافز للاستثمارات التي تساعد على التكيف وتقليل المخاطر.

ويرى آل بارود أن التغير المناخي، رغم ما يفرضه من تحديات اقتصادية، يمكن أن يفتح في المقابل مجالات جديدة للاستثمار، خصوصًا في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والتقنيات الزراعية وإدارة المياه والتكنولوجيا والبنية التحتية الحديثة.

ويؤكد أن القضية لا تتمثل فقط في كيفية تحمل «فاتورة المناخ»، بل في كيفية تحويل جزء من هذا التحدي إلى فرصة للاستثمار وخلق الوظائف وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds