
د. حجي الزويد
يُعد الفيريتين (Ferritin) من أهم المؤشرات المخبرية المستخدمة للكشف عن نقص الحديد، لأنه يعكس بصورة رئيسة مخزون الحديد في الجسم. وتكمن أهميته في أنه قد ينخفض في مرحلة مبكرة، قبل أن يصل نقص الحديد إلى درجة تؤدي إلى انخفاض الهيموغلوبين وظهور فقر الدم.
تحليل الفيريتين: نافذة على مخزون الحديد في الجسم
ما هو الفيريتين؟
الحديد الموجود في الجسم لا يكون كله داخل الهيموغلوبين، بل يحتفظ الجسم بجزء منه كمخزون، خصوصًا في الكبد ونخاع العظم والجهاز الشبكي البطاني reticuloendothelial system. ويُعد الفيريتين البروتين الأساسي الذي يخزن الحديد، ولذلك فإن قياسه في الدم يعطينا فكرة مهمة عن كمية الحديد المخزنة والمتاحة للجسم عند الحاجة.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي الاعتماد على الهيموغلوبين وحده عند البحث عن نقص الحديد.
هل يمكن أن يكون الهيموغلوبين طبيعيًا والحديد ناقصًا؟
من المهم التفريق بين نقص الحديد وفقر الدم بنقص الحديد؛ فهما ليسا شيئًا واحدًا تمامًا.
عندما يبدأ الوارد الغذائي من الحديد في الانخفاض، أو تزداد حاجة الجسم إليه، أو يحدث فقد مزمن للحديد، يبدأ الجسم أولًا باستهلاك مخزونه. وهنا يبدأ الفيريتين بالانخفاض، بينما قد يظل الهيموغلوبين طبيعيًا.
ومع استمرار النقص، يقل الحديد المتاح لنخاع العظم لتصنيع الهيموغلوبين، فتبدأ التغيرات في مؤشرات كريات الدم الحمراء، ثم ينخفض الهيموغلوبين في المرحلة المتقدمة ويظهر فقر الدم بنقص الحديد.
لذلك يمكن أن يكون الشخص مصابًا بنقص الحديد دون أن يكون لديه فقر دم بعد.
لماذا يعتبر انخفاض الفيريتين مهمًا؟
عندما يكون الفيريتين منخفضًا بوضوح، فإن ذلك يُعد من أقوى الأدلة على أن مخزون الحديد مستنزف. ولهذا يتمتع انخفاض الفيريتين بقيمة تشخيصية كبيرة عند تقييم الأطفال والبالغين الذين يُشتبه في إصابتهم بنقص الحديد.
وتزداد أهمية ذلك عند الأطفال؛ لأن الحديد لا يقتصر دوره على تكوين الهيموغلوبين ونقل الأكسجين، وإنما يدخل أيضًا في عمليات مهمة تتعلق بنمو الدماغ والجهاز العصبي، ووظائف بعض الإنزيمات، والمناعة، والتطور المعرفي والحركي.
ولهذا فإن اكتشاف نقص الحديد قبل تطوره إلى فقر دم واضح أمر مهم، خصوصًا خلال السنوات الأولى من العمر التي يحدث فيها نمو سريع للدماغ والجسم.
هل الفيريتين الطبيعي يستبعد نقص الحديد؟
ليس دائمًا.
وهذه من أهم النقاط عند تفسير التحليل. الفيريتين ليس مجرد بروتين لتخزين الحديد، بل هو أيضًا بروتين طور حاد Acute-phase protein، ولذلك يمكن أن يرتفع عند وجود التهاب أو عدوى.
فقد يكون لدى الطفل نقص في مخزون الحديد، ولكنه مصاب في الوقت نفسه بالتهاب أو عدوى، فيرتفع الفيريتين مؤقتًا ويظهر التحليل ضمن المجال الطبيعي أو حتى أعلى من الطبيعي.
لذلك نقول بصورة مبسطة:
الفيريتين المنخفض يدعم بقوة وجود نقص الحديد، ولكن الفيريتين الطبيعي أو المرتفع لا يستبعد نقص الحديد في جميع الحالات.
ماذا نفعل إذا كان هناك التهاب؟
عند الشك في وجود التهاب قد يُطلب CRP أو غيره من مؤشرات الالتهاب للمساعدة في تفسير الفيريتين.
كما يمكن النظر إلى مجموعة من التحاليل بدل الاعتماد على رقم واحد، ومنها:
CBC وصورة الدم الكاملة.
Hemoglobin لمعرفة وجود فقر الدم ودرجته.
MCV لمعرفة حجم كريات الدم الحمراء.
MCH لتقييم كمية الهيموغلوبين داخل الكرية.
RDW الذي قد يرتفع مع تطور نقص الحديد.
Transferrin saturation (TSAT) لتقدير كمية الحديد المتاحة للأنسجة ونخاع العظم.
CRP عند الاشتباه بوجود التهاب يؤثر في قراءة الفيريتين.
أما قياس Serum iron بمفرده فهو أقل فائدة في تشخيص مخزون الحديد؛ لأنه يتغير خلال اليوم ويتأثر بالطعام والمرض وعوامل أخرى.
الفيريتين عند الأطفال:
يكتسب الفيريتين أهمية خاصة عند الطفل الذي لديه عوامل خطورة لنقص الحديد، مثل سوء التغذية، الاعتماد المفرط على الحليب على حساب الأغذية الغنية بالحديد، الخداج، ضعف النمو، أو فقد الدم المزمن.
وقد تظهر على بعض الأطفال أعراض غير نوعية مثل الشحوب، ضعف الشهية، الخمول، سرعة التعب، ضعف التركيز أو التهيج، لكن بعض الأطفال المصابين بنقص الحديد المبكر قد لا تظهر عليهم أعراض واضحة إطلاقًا.
ولهذا لا ينبغي انتظار ظهور أنيميا شديدة حتى نفكر في مخزون الحديد عندما تكون هناك أسباب سريرية تدعو للفحص.
ماذا يحدث للفيريتين بعد العلاج؟
عند علاج نقص الحديد لا يكون الهدف فقط رفع الهيموغلوبين، وإنما أيضًا إعادة تعبئة مخازن الحديد.
قد يتحسن الهيموغلوبين بينما تكون مخازن الحديد لم تُستكمل بعد؛ ولهذا يستمر علاج نقص الحديد عادةً لفترة يحددها الطبيب بعد تحسن الهيموغلوبين، بحسب عمر المريض ودرجة النقص وسببه واستجابته للعلاج.
وهنا تظهر فائدة الفيريتين أيضًا في تقييم إعادة امتلاء مخزون الحديد، مع مراعاة توقيت التحليل والحالة الالتهابية للمريض.
الرسالة الصحية الذهبية:
الفيريتين ليس مجرد تحليل إضافي لفقر الدم، وإنما هو نافذة مهمة على مخزون الحديد في الجسم. وقد يكشف نقص الحديد في مرحلة مبكرة يكون فيها الهيموغلوبين ما زال طبيعيًا.
لذلك يجب أن نتذكر القاعدة المهمة:
انخفاض الهيموغلوبين يعني أننا قد وصلنا إلى مرحلة فقر الدم، بينما انخفاض الفيريتين قد ينبهنا إلى نقص الحديد قبل الوصول إلى تلك المرحلة.
وفي المقابل، لا ينبغي تفسير الفيريتين منفردًا؛ لأن الالتهاب والعدوى قد يرفعانه ويخفيان نقص الحديد. والتشخيص الأدق يأتي من الجمع بين القصة المرضية والتغذية والفحص السريري وCBC والفيريتين وبقية مؤشرات الحديد والالتهاب عند الحاجة.





