أقلام

علاج النسيان وبطء الفهم الأطفال

د. حجي الزويد 

تواصلت معي إحدى الأمهات وهي تشكو من أن طفلها أصبح كثير النسيان، بطيء الفهم، ويحتاج إلى وقت أطول لاستيعاب ما يُقال له. وكان سؤالها الرئيس:

ما الفيتامينات التي يمكن أن أعطيها له لتقوية الذاكرة وزيادة التركيز؟

وهذا سؤال يتكرر كثيرًا من الأمهات والآباء، إذ قد يكون أول ما يخطر في البال عند ملاحظة ضعف التركيز أو النسيان هو البحث عن فيتامين أو مكمل غذائي «لتقوية الذاكرة».

ولكنني نصحتها بألّا تبدأ بأي فيتامينات عشوائيًا، وأن تراجع طبيب أطفال أو طبيب أسرة لتقييم الطفل، ومن الأمور المهمة التي ينبغي استبعادها نقص الحديد وفقر الدم بنقص الحديد.

المفاجأة كانت في التحليل:

استجابت الأم للنصيحة، وذهبت بطفلها إلى الطبيب، وأُجريت له التحاليل اللازمة.

وبالفعل، أظهرت النتائج وجود نقص واضح في مخزون الحديد ( الفيرتين)، وبدأ الطفل العلاج المناسب تحت إشراف الطبيب.

وبعد بدء العلاج بالحديد أخبرتني الأم أنها لاحظت تحسنًا واضحًا في نشاط الطفل وانتباهه واستيعابه، وأن قدرته على الفهم أصبحت أفضل بكثير من السابق.

وهنا كانت الرسالة المهمة:

لم يكن الطفل بحاجة إلى «فيتامين للذاكرة» بقدر حاجته إلى اكتشاف السبب وعلاجه.

ما علاقة الحديد بالتركيز والقدرات العقلية؟

الحديد ليس مهمًا فقط لصناعة الهيموغلوبين ونقل الأكسجين، بل له دور مهم أيضًا في نمو الدماغ ووظائف الجهاز العصبي الحيوية والتعلم والانتباه والذاكرة.

يلعب الحديد دورًا حيويًا في الحفاظ على طاقة الجسم وسلامة وظائف الدماغ ووضوح التفكير. وعندما تنخفض مستوياته بصورة ملحوظة، فإن التأثيرات قد تتجاوز الشعور بالتعب والإرهاق. وقد يتفاجأ كثيرون بأن نقص الحديد يمكن أن يؤثر أيضًا في التركيز والذاكرة والمزاج. ونظرًا لاعتماد الدماغ بدرجة كبيرة على الأكسجين والطاقة، فإن حتى النقص البسيط في الحديد قد يؤثر في قدرتنا على التفكير والتعلم ومعالجة المعلومات.

العلاقة بين الحديد ووظائف الدماغ:

يسهم الحديد في عدد من العمليات الأساسية التي تمكّن الدماغ من أداء وظائفه بكفاءة. فهو يساعد على نقل الأكسجين عبر الدم إلى جميع خلايا الجسم، بما فيها الخلايا العصبية المسؤولة عن التفكير والذاكرة والتواصل.

كما يؤدي الحديد دورًا في تصنيع بعض النواقل العصبية، مثل الدوبامين والسيروتونين، التي تؤثر في المزاج والدافعية واليقظة.

وعندما تكون مستويات الحديد كافية، تعمل هذه الأنظمة معًا بصورة متناسقة. أما عندما ينخفض مخزون الحديد، فقد تتأثر قدرة الجسم على نقل الأكسجين وإنتاج الطاقة، مما قد ينعكس على وظائف الدماغ. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى بطء الاستجابة الذهنية، وصعوبة التركيز، والشعور العام بالإجهاد الذهني.

عند الأطفال والمراهقين:

قد يتداخل نقص الحديد مع التعلم وتكوين الذاكرة والأداء الدراسي. ولأن الدماغ لا يزال في مرحلة النمو والتطور، فإن توفر كمية كافية من الحديد مهم للانتباه وحل المشكلات والنمو الطبيعي.

ولهذا قد يصاحب نقص الحديد عند بعض الأطفال:

التعب والخمول وشحوب الوجه.

ضعف الشهية.

سرعة الانفعال.

قلة الانتباه والتركيز.

تراجع الأداء الدراسي.

النسيان أو ضعف الذاكرة قصيرة المدى.

بطء نسبي في التعلم والاستيعاب.

وقد توجد بعض هذه المشكلات حتى قبل أن يصبح فقر الدم شديدًا.

بعد التأكد من وجود نقص الحديد، يهدف العلاج إلى تعويض النقص وإعادة بناء مخزون الحديد، مع معالجة السبب المؤدي إليه. ويعتمد اختيار العلاج على شدة النقص وسببه والحالة الصحية للمريض.

لماذا نهتم بنقص الحديد في السنوات الأولى؟

ينمو دماغ الطفل بسرعة كبيرة خلال السنوات الأولى من الحياة، وفي هذه الفترة تحدث عمليات معقدة تشمل نمو الخلايا العصبية، وتكوين الوصلات بينها، وتطور الميالين والأنظمة المسؤولة عن الذاكرة والانتباه والتعلم.

ولذلك فإن توفير الحديد الكافي في هذه المرحلة يمثل جزءًا مهمًا من التغذية الداعمة للنمو العصبي السليم.

وتزداد أهمية الوقاية والكشف المبكر لدى الفئات الأكثر عرضة لنقص الحديد، مثل الأطفال الخدج، والأطفال الذين كانت أوزانهم منخفضة عند الولادة، ومن يتناولون غذاءً فقيرًا بالحديد، والأطفال الذين يشربون كميات كبيرة من الحليب البقري بعد عمر السنة على حساب الطعام المتنوع والغني بالحديد.

لكن هل كل طفل ضعيف التركيز، بطيء الفهم لديه نقص حديد؟

بالطبع لا.

النسيان وضعف التركيز عند الأطفال لهما أسباب كثيرة؛ فقد يرتبطان بقلة النوم، أو الاستخدام المفرط للشاشات، أو القلق والضغوط النفسية، أو صعوبات التعلم، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، أو بعض المشكلات الصحية والتغذوية الأخرى.

لذلك لا ينبغي أن نستنتج من هذه القصة أن كل طفل ضعيف التركيز يحتاج إلى الحديد، كما لا ينبغي إعطاء الحديد من دون تقييم طبي؛ لأن العلاج يعتمد على وجود نقص مثبت وتحديد سببه وجرعته ومدة علاجه.

درس مهم من هذه التجربة:

هذه القصة تذكرنا بقاعدة مهمة في طب الأطفال:

لا نعالج العَرَض قبل أن نبحث عن سببه.

فعندما تقول الأم: «أريد فيتامينًا يقوي ذاكرة طفلي»، قد يكون السؤال الأهم:

لماذا أصبح الطفل كثير النسيان وضعيف التركيز أصلًا؟

أحيانًا يكون الحل أبسط مما نتوقع، لكنه لا يُكتشف إلا بالتقييم الصحيح.

لذلك إذا لاحظتم تغيرًا واضحًا ومستمرًا في تركيز الطفل أو فهمه أو نشاطه أو مستواه الدراسي، فلا تتسرعوا في شراء المكملات والفيتامينات.

ابدؤوا بالتقييم الطبي، ودعوا الطبيب يحدد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى تحاليل، ومنها تقييم صورة الدم ومخزون الحديد عند وجود ما يستدعي ذلك.

فالهدف ليس أن نعطي الطفل شيئًا «يقوي الذاكرة»، وإنما أن نكتشف ما الذي يعيق قدراته الطبيعية ونعالجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds