
شكرية الحمادة
إن عبارة «أقداركم مأخوذة من أفواهكم» المنسوبة للإمام علي (عليه السلام) تختصر فلسفة صناعة الواقع عبر الكلمة والأنماط اللغوية، وهو ما يُعرف في العصر الحديث بالبرمجة اللغوية العصبية (NLP – Neuro-Linguistic Programming).
مفاهيم البرمجة اللغوية العصبية الشاملة وشرحها
ترتكز البرمجة اللغوية العصبية على تفكيك العلاقة بين ثلاثة عناصر رئيسة:
العصبية (Neuro): الجهاز العصبي وطريقة معالجتنا للمعلومات عبر حواسنا الخمس (البصر، السمع، الحس، الشم، التذوق).
اللغوية (Linguistic): استخدام اللغة (اللفظية وغير اللفظية) لتأطير أفكارنا وتنظيم عالمنا الداخلي والتواصل مع الآخرين.
البرمجة (Programming): الأنماط والسلوكيات والمخزون الذهني الذي نكرره حتى يصبح عادة أو استجابة تلقائية.
1. مرشحات الإدراك (Perceptual Filters)
الواقع الخارجي لا يصل إلى أدمغتنا كما هو بتمام تفاصيله، بل يمر عبر “مرشحات” تُسقط وتُشوه وتُعمم المعلومات، مما يشكل ” الخارطة الذهنية” للشيء وليس الواقع نفسه (الخارطة ليست هي الواقع).
الحواس والسجل الحسي (VAKOG): استقبال المثيرات عبر البصر، السمع، والحس.
الإسقاط والتعميم والتشويه:
التعميم (Generalization): إعطاء تجربة واحدة حكم الشمول (مثل: “كل المحاولات تفشل”).
الحذف (Deletion): التركيز على جزء صغير من المشهد وإغفال الباقي (مثل: التركيز على النقد وتجاهل الثناء).
التشويه (Distortion): تفسير الأحداث بناءً على الافتراضات الشخصية.
2. القيم (Values)
القيم هي المحركات العميقة للسلوك، وهي البوصلة التي تحدد ما هو مهم وما هو غير مهم بالنسبة للإنسان (مثل: الحرية، الأمان، النجاح، الصدق).
تأثيرها: تدفع الإنسان لاتخاذ القرارات ورسم الأهداف.
مثال: شخص قيمة “الأمان” لديه أعلى من قيمة “المغامرة” سيختار وظيفة استثمارية ثابته على تأسيس مشروع ناشئ.
3. المعتقدات (Beliefs)
المعتقدات هي القناعات العميقة التي نعتبرها حقائق مسلم بها عن أنفسنا وعن الآخرين والعالم.
المعتقدات المقيدة (Limiting Beliefs): أفكار تعيق التطور (مثل: “أنا لا أستطيع التحدث أمام الجمهور”).
المعتقدات الداعمة (Empowering Beliefs): أفكار تحفز النمو (مثل: “كل قدرة يمكن اكتسابها بالتمرين”).
4. العقل الباطن والتكرار (Subconscious & Repetition)
العقل الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال المنتظم؛ عندما يتكرر الخطاب اللغوي (سواء الداخلي أو الخارجي)، يبدأ الجهاز العصبي في التكيف مع هذه الألفاظ، وتتشكل مسارات عصبية جديدة تُترجم الأفكار إلى استجابات فسيولوجية وسلوكية.
الربط بين مأثورات الحكمة والبرمجة اللغوية العصبية
عندما نتدبر مقولة «أقداركم مأخوذة من أفواهكم» وقوله (عليه السلام): «البلاء موكل بالمنطق»، نجد تطبيقًا مباشرًا لمفاهيم البرمجة:
المفهوم في البرمجة اللغوية العصبية المقابل في التراث والحكمة. الشرح والتحليل
الحديث الداخلي (Self-Talk) «المرء مخبوء تحت لسانه» اللفظ الذي تطلقه ليس مجرد صوت، بل هو إعادة هيكلة لأفكارك وتأطير لإدراكك.
إعادة التأطير (Reframing) «توقع الخير تلاقوه» «تفائلوا بالخير تجدوه» تغيير زاوية النظر للحدث يغير الاستجابة العصبية والنفسية تجاهه.
قانون الجذب والفيزيولوجيا «أقداركم مأخوذة من أفواهكم» نطقك المتكرر يبرمج عقلك الباطن للبحث عن الفرص التي تطابق ما تلفظت به.
أمثلة توضيحية على تشكل المعتقد والمرشحات
مثال على تغيير المعتقد عبر اللغة:
اللغة المقيدة: “أنا دائماً أنسى الأسماء، عقلي ضعيف في الحفظ.” (هنا تمت برمجة الجهاز العصبي على إغلاق ملفات الذاكرة عند التعرف على شخص جديد).
إعادة البرمجة: “أنا في طور تحسين قدرتي على تذكر الأسماء والتركيز عليها.” (هنا يفتح العقل مساراً عصبيًا للاستجابة والتعلم).
مثال على مرشحات الإدراك والقيم:
شخصان يدخلان اجتماعيًا: الأول قيمة “التواصل” لديه مرتفعة، يرشح البيئة ليرى الفرص والابتسامات. الثاني قيمة “الحذر” لديه مرتفعة، يرشح البيئة ليرى نظرات التقييم أو النقد. الواقع واحد، ولكن “الخارطة الذهنية” لكل منهما مختلفة تمامًا.
إن العودة لتأمل هذه التركات الفكرية والعميقة وصياغتها بأدوات العصر تتيح الاستفادة الواعية من علوم الذات والجهاز العصبي، وتجعل الاستفادة من هذه القواعد الفكرية أمرًا تطبيقيًّا في الحياة اليومية.
فاذا برمجنا عقولنا بكل ماهو خير وإيجابي عاد علينا الخير كله.





