أقلام

الأنساب في الفكر الإسلامي (الجزء الرابع) 

من العائلة إلى المجتمع.. حين يتسع الانتماء للناس

هاشم السمين

من العائلة إلى المجتمع.. حين يتسع الانتماء للناس

إن من الطبيعي أن تبدأ العائلة بأبنائها وأرحامها؛ فهم الأقرب، ولهم من الحقوق ما جعل الإسلام صلتهم والإحسان إليها من القيم المؤكدة.

لكن صلة الرحم ليست دعوةً إلى حبس الرحمة داخل دائرة الاسم، ولا يعني تنظيم العمل العائلي أن يتحول الكيان الأسري إلى جزيرةٍ اجتماعية مغلقة.

فالعائلة تبدأ من الداخل، لكن رسالتها لا ينبغي أن تنتهي عنده.

وقد وضع القرآن الكريم مبدأً جامعاً للعمل الاجتماعي حين قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

فالاجتماع الذي لا ينتج تعاوناً على الخير يبقى محدود الأثر، أما حين تتحول الروابط إلى عمل، والعمل إلى تعاون، فإن المجتمع كله يبدأ في الاستفادة من هذه الطاقات.

خدمة العائلة بداية الطريق

حين تؤسس عائلة صندوقاً، أو مجلساً، أو برنامجاً منظماً، فمن الطبيعي أن تبدأ بحاجات أفرادها؛ فتعين المحتاج، وتساند المتعثر، وتيسر الزواج، وتحتضن الشباب، وتكرم المتفوقين.

وهذا ليس انغلاقاً، بل هو أداء لحق القربى، وحفظ للرابطة التي أمر الإسلام برعايتها.

ليس المقصود أن تتحول كل عائلة إلى مؤسسة خيرية كبرى، أو تتحمل ما يفوق قدرتها؛ فالإمكانات تختلف.

لكن المهم أن يبقى أفق العطاء أوسع من حدود الاسم؛ بمبادرة تعليمية، أو برنامج صحي، أو حملة تطوعية، أو مشاركة في إصلاح اجتماعي.

وهنا لا تفقد العائلة خصوصيتها، بل تمنحها معناها الأجمل؛ فخير العائلة لا يضعف حين يتسع، بل يزداد أثراً.

حين تتعاون العوائل.. يقوى المجتمع

لا تستطيع كل عائلة أن تقوم بكل شيء؛ فقد تمتلك أسرة تجربة ناجحة في العمل التكافلي، وأخرى خبرة في التعليم، وثالثة طاقات متميزة في الإعلام، ورابعة في التنظيم. والقوة الحقيقية تكمن في التكامل بين الطاقات، لا في المنافسة على الأسماء.

فالعائلة التي سبقتها تجربة تنقل خبرتها لغيرها، والصندوق المتمرس يساند الجديد، والكيانات المتشابهة تنسق جهودها؛ لتقلل التكرار وتتسع دائرة المستفيدين.

ولنا في القرآن الكريم تأمل بديع، إذ يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.

والآية وإن جاءت في إصلاح الخلاف الأسري، إلا أنها تكشف عن روح اجتماعية تؤكد أن اجتماع الجهود الصادقة هو طريق الحل.

فبدلاً من أن تبدأ كل عائلة من الصفر، يمكن أن تتعلم من تجارب من سبقها؛ فالمجتمع المتماسك لا يُبنى من مؤسسة واحدة كبيرة، بل من مؤسسات متعددة تعرف كيف تمد يدها لبعضها.

من حق القريب إلى حق المجتمع

من الخطأ فهم الاهتمام بالأقارب على أنه تقديم لهم في كل شيء، ولو على حساب حقوق الآخرين؛ فالقرابة تمنح الإنسان مسؤولية، لا رخصةً للظلم. ولهذا يضع القرآن قاعدة واضحة: ﴿وَإِذَا قْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾.

هذه الآية ترسم حداً أخلاقياً مهماً؛ فالقريب يُعان، لكن لا يُقدَّم على صاحب الحق بغير حق.

وابن العائلة يُحتفى بإنجازه، دون تجاهل إنجاز الآخرين.

وأجمل ما تصنعه المؤسسة العائلية هو تربية أبنائها على الجمع بين الوفاء للرحم والوفاء للحق؛ فليست المشكلة في أن تحب عائلتك، بل في أن تظن أن محبتك لها تبيح لك ظلم غيرها.

إذا ضاقت دائرة المؤسسة فلا تضق دائرة المسؤولية

قد لا يكون بعض الكيانات العائلية قادراً على إطلاق مبادرات عامة لمحدودية إمكاناته، لكن محدودية الكيان لا ينبغي أن تتحول إلى محدودية في الشعور بالمسؤولية.

فإذا لم تستطع المؤسسة تقديم مشروع عام، بقي أفرادها قادرين على خدمة مجتمعهم؛ فالطبيب بعلمه، والمعلم بخبرته، والمهندس بمهنته، وكلٌ بتخصصه. فليس الخير محصوراً في قرار مجلس إدارة، ولا العطاء متوقفاً على وجود صندوق.

المؤسسات تنظم العمل، لكن الإنسان هو الذي يصنعه. والعائلة الناجحة تربي أفراداً يحملون روح الخدمة أينما ذهبوا؛ فحين تتعذر المبادرة المؤسسية، تبقى المبادرة

الفردية فاعلة.

ما الذي نريد أن نورثه للأجيال؟

إن الجد الذي يؤسس مجلساً للعطاء، أو الأب الذي يزرع في أبنائه حب خدمة الناس، لا يترك للأجيال مجرد ذكرى، بل يترك ثقافة؛ والثقافة أعظم من المال؛ لأن المال ينفد، أما الفكرة فتبقى وتنمو.

وهنا يصبح النسب امتداداً في الأعمال لا في الأسماء وحدها؛ بأن يرث الابن خلقاً حسناً ثم يضيف إليه، ويتعلم خدمة الناس ويطورها بما يناسب زمانه.

وأن يقول الجيل الجديد: “لقد ترك لنا من سبقنا اسماً، ونحن مسؤولون عن أن نترك لمن بعدنا أثراً”؛ وهذا هو النسب حين يتحول من ماضٍ يُروى إلى رسالة تستمر.

من الاسم إلى الأثر.. ومن العائلة إلى المجتمع

إن العائلة ليست مطالبة بأن تفقد هويتها وتذوب في المجتمع، كما أنها ليست مدعوة للانغلاق على نفسها. الطريق الأجمل هو أن تحفظ العائلة هويتها وتؤدي حق أرحامها، ثم تفتح منها باباً إلى الخير الأوسع.

أن تبدأ من القريب ولا تنسى البعيد، وأن تحب أبناء عائلتك وتعلمهم حب الناس، وأن تتعاون مع الكيانات الأخرى لا أن تنافسها على الاسم الأكبر.

فالعائلة تبدأ من رحم، والمؤسسة تنضج بالتنظيم، والمجتمع يقوى بالتعاون. والأسماء تورث، لكن الأعمال هي التي تمنحها معناها.

والعائلة لا تكبر بعدد أبنائها فقط، بل بعدد القلوب التي مسّها خيرها؛ ولا يكون النسب في أسمى صوره سياجاً يحيط بأصحابه، بل جسراً يعبرون منه إلى الناس.

فليكن نسبنا طريقاً إلى أرحامنا، ولتكن عائلتنا مدرسةً لأبنائنا، ولتكن مؤسساتنا جسوراً بين الكيانات، وليكن أثرنا أوسع من أسمائنا.

فإذا بدأ الخير من العائلة، وتكاملت العوائل، ونهض الأفراد بمسؤولياتهم، أصبح المجتمع كله أسرةً أكبر؛ يشد بعضه بعضاً، ويكمل بعضه بعضاً، ويتعاون أبناؤه على البر والتقوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds