أقلام

أهل الوَبَر وأهل المَدَر

حسين الحاجي

كان أجدادنا يعرفون الناس ببساطة : أهل الوَبَر يسكنون الخيام ويتنقلون طلباً للماء والمرعى ، وأهل المَدَر يسكنون البيوت ويعيشون حياة الاستقرار . أما اليوم فقد اختلطت الصورة قليلاً ، نسكن الفلل والشقق ونملك غرفاً واسعة ومجالس أنيقة ومطابخ مجهزة ، ومع ذلك يقضي بعضنا أوقاتاً طويلة خارج المنزل حتى يبدو البيت أحياناً محطة عبور أكثر من كونه مكان إقامة .

ولعل بعضنا أهل مَدَر في العنوان الوطني ، وأهل وَبَر في الترحال .

في بيوتنا أرائك مريحة وشاشات كبيرة وماكينات قهوة تكاد تتحدث من فرط إمكاناتها ، لكن بعضنا لا يلبث أن يحمل مفاتيحه ويتجه إلى مقهى ليشرب هناك القهوة التي يستطيع إعدادها في بيته ويدفع ثمنها ثم يعود سعيداً لأنه غير الجو .

أما الطعام فله حكاية أخرى . مطبخ كامل يحتل مساحة معتبرة من المنزل وثلاجة ممتلئة وأجهزة طبخ حديثة ، لكن الهاتف يحسم المعركة أحياناً : نطلب من التطبيق ، فيصل الطعام إلى الباب وندفع قيمة الوجبة ورسوم التوصيل ، بينما يقف المطبخ في الداخل شاهداً صامتاً على هزيمة حضارية .

والأطرف أن ترحال بعضنا قد يبدأ بفطور خارج البيت ، ويمر بمقهى وتسوق بلا حاجة ، وقد ينتهي بعشاء في مطعم ، ثم يعود من جولته متعباً ، رغم أنه خرج طلباً للترفيه والاستمتاع ، ومع تكرار هذه الجولات على مدار الشهر ، قد يُفاجأ بعضنا ويتساءل ببراءة : أين ذهب الراتب ؟ وكأن شخصاً مجهولاً كان يرافقه ويدفع ببطاقته طوال الشهر .

وفي عطلة نهاية الأسبوع تتسع الجولة عند بعضنا : استراحة ، مزرعة ، بحر ، بر ، مطعم ، فعالية ، أو رحلة خاطفة . وإذا اقترح أحدنا البقاء في البيت ربما نظر إليه الآخرون وكأنه اقترح إلغاء الإجازة من التقويم .

واللافت أن بعضنا ينفق كثيراً على جمال بيته وراحته ثم يقضي ساعات طويلة بعيداً عنه . نشتري الأثاث الفاخر ثم نجلس في المقاهي ونجهز المطابخ ثم نأكل في المطاعم ونعتني بالمجالس ثم نلتقي بالأصدقاء خارج المنزل .

وليست المشكلة في الخروج أو الاستمتاع ، فالحياة تحتاج تغييراً وترفيهاً ، وإنما يكمن الخلل حين يتحول الخروج من متعة إلى عادة ومن خيار إلى التزام ومن ترفيه إلى استنزاف للوقت والمال .

لقد تغيرت الخيمة إلى فيلا والراحلة إلى سيارة لكن شيئاً من حب الترحال بقي حاضراً في حياتنا .

فهل أصبح بعضنا أهل مَدَر في السكن ، وأهل وَبَر في الترحال ….. ولا ينقص المشهد إلا الخيمة ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى