أقلام

سواقة هالغثيث!

يوسف الطويل

كنت اليوم راكبًا مع أحد الزملاء، وهو يقود السيارة.

اقتربنا من ممر للمشاة، وكان هناك أشخاص يتجهون نحوه، ولكنهم لم يصلوا إليه بعد. وكان بإمكان زميلي، حسب تقديري، أن يعبر بالسيارة قبل وصولهم بكل أريحية.

ولكنه وقف!

وقف قبل أن يصلوا، وانتظر حتى وصل المشاة إلى الممر، ثم تركهم يعبرون على راحتهم.

قلت له مستغربًا:

(ليش أخرتنا؟ كان يمديك تمشي قبل ما يوصلون!)

فقال لي:

(أنا ما أوقف للمشاة عشان يعبرون بس… لازم أخليهم يحسون بالاطمئنان قبل ما يعبرون.)

بصراحة، لم أكن وقتها في مزاج يسمح لي بالتأمل في فلسفته! كل ما كنت أفكر فيه أننا كان بإمكاننا أن نمر ونكمل طريقنا.

واصلنا السير، وبعد قليل وصلنا إلى ممر آخر، ومشاة آخرين.

وفعلها مرة ثانية!

وقف من بدري، وانتظر، وتركهم يعبرون براحتهم.

قلت له:

(شكلك من جد بتأخرنا!)

فرد بكل هدوء:

(أهم شيء راحة بال الناس.)

هنا بدأت سواقة الرجال تغثني من جدًّ!

قلت له:

(خلاص، وقف وخلني أسوق أنا.)

حتى هذه ما رضي بها!

وصلنا أخيرًا إلى أصحابنا، وأول ما دخلنا سألونا:

(ليش تأخرتوا؟)

فوجدتها فرصة لأشرح لهم سبب التأخير، وبدأت أحكي لهم عن سواقة هذا (الغثيث)، وكيف يقف للمشاة قبل أن يصلوا أصلًا، وينتظرهم حتى يعبروا على راحتهم، مع أنه كان يستطيع المرور قبلهم.

وضحكنا عليه، وكأن الرجل جاءنا من كوكب آخر لا يعرف كيف تسير الأمور في كوكبنا!

ولكن بعدما انتهى الضحك، بقيت جملته عالقة في رأسي:

(أهم شيء راحة بال الناس.)

وفكرت…

لماذا بدا تصرفه غريبًا بالنسبة لي؟

هو لم ينتظر حتى يصل المشاة إلى الممر ويصبح الوقوف أمرًا لا بد منه، بل وقف قبل ذلك. أراد أن يزيل من نفوسهم ذلك التردد: هل ستقف السيارة أم تمر؟ هل نعبر أم ننتظر؟

لم يكن يريد فقط أن يعبروا…

كان يريدهم أن يعبروا وهم مطمئنون.

وكل ما كلفه ذلك بضع ثوانٍ.

ولكن المشكلة أن تلك الثواني كانت من وقتنا نحن!

وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي.

نحن نحب احترام النظام، ونطالب الآخرين به، ونغضب ممن يتجاوز حقوقنا… لكن ماذا يحدث عندما يأخذ احترام النظام شيئًا من وقتنا؟

نريد السائق أن يحترم ممر المشاة عندما نكون نحن المشاة، ولكن عندما نكون داخل السيارة ومستعجلين، قد نرى السائق نفسه بطيئًا… وربما غثيثًا!

ثم سألت نفسي:

ماذا لو كنت أنا ذلك الماشي؟

ربما المشكلة ليست دائمًا في أننا لا نعرف الصحيح من الخطأ، بل في أننا نحب الصحيح أكثر عندما يكون في مصلحتنا، ونضيق به قليلًا عندما يأخذ من وقتنا أو راحتنا.

ضحكنا على سواقته وكأنه جاء من كوكب آخر…

ولكن بعدما انتهى الضحك، لم أعد متأكدًا:

هل كان هو فعلًا الغريب؟

أم أننا اعتدنا الاستعجال حتى أصبح من يمنح الآخرين بضع ثوانٍ من الطمأنينة… غثيثًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى