أقلام

الصوت الذي بقي (23) ماذا يعني أن تنتظر؟

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الثالثة والعشرون من سلسلة “الصوت الذي بقي”، ننتقل فيها من معنى الغياب إلى معنى الانتظار، لنقترب من السؤال الذي يتركه طول الغياب في الإنسان: ماذا يعني أن تنتظر؟

مقدمة:

ماذا يعني أن تنتظر؟

ليس السؤال عن الوقت الذي يمضي، ولا عن الأيام التي تتشابه حتى يكاد بعضها يذوب في بعض. فربما كان الإنسان قادرًا على عدّ الأيام، ولكنه لا يستطيع أن يعدّ ما تتركه الأيام فيه. فالانتظار شيء غريب في حياة الإنسان؛ لأنه يجعل الغائب حاضرًا، ويجعل ما لم يحدث بعد قادرًا على التأثير فيما يحدث الآن.

قد يغيب الشيء عن العين، لكنه لا يغيب عن القلب. وقد لا يكون ما ننتظره جزءًا من واقعنا بعد، لكنه يصبح جزءًا من قراراتنا، ومن أحلامنا، ومن الطريقة التي ننظر بها إلى الغد. ولهذا فإن الإنسان لا يعيش دائمًا مع ما يملك، بل قد يعيش طويلًا مع ما يؤمن أنه سيأتي.

وهنا تبدأ المفارقة: كيف يمكن لشيء لم يحدث بعد أن يصنع شيئًا فينا منذ الآن؟

ربما لأن الإنسان لا يعيش في الحاضر وحده. ففي داخله مساحة تتجه دائمًا إلى الأمام؛ إلى وعدٍ يرجوه، أو معنى يؤمن به، أو حقيقة ينتظر أن تشرق على العالم كما آمن بها في قلبه. لكن المستقبل حين يدخل القلب لا يبقى مستقبلًا خالصًا؛ يبدأ في تشكيل الحاضر. وهكذا يصبح الانتظار أكثر من حالة بين شيئين، إنه طريقة يعيش بها الإنسان علاقته بما لم يصل إليه بعد.

حين يصبح الانتظار سؤالًا

وقد يكون لهذا الانتظار وجهان متناقضان. فقد ينتظر الإنسان لأنه لا يستطيع أن يعيش إلا على أمل الوصول، فيصبح حاضره مجرد غرفة انتظار طويلة، يؤجل فيها حياته إلى أن يأتي ما يريد. وقد ينتظر لأنه يحمل في قلبه معنى أكبر من اللحظة، فيتعلم أن يعيش اليوم دون أن يخون الغد الذي يؤمن به.

وبين هذين الانتظارين مسافة واسعة؛ فليس كل من انتظر كان صابرًا، وليس كل من طال انتظاره بقي وفيًّا لما انتظره. فقد يطول الانتظار حتى يتحول الأمل إلى عادة، وتتحول العادة إلى فراغ، ويصبح الإنسان قادرًا على ترديد الكلمات التي كان يؤمن بها دون أن يبقى لها الأثر نفسه في قلبه. وقد يحدث العكس تمامًا، فيأتي الزمن الطويل لا ليطفئ المعنى، بل ليكشفه؛ لأن بعض المعاني لا تظهر قوتها حين يكون الوصول قريبًا، وإنما حين يطول الطريق ولا يعرف الإنسان متى ينتهي.

عندها يصبح الانتظار امتحانًا لا للقدرة على الصبر فقط، بل للسبب الذي يجعلنا نصبر. لماذا أنتظر؟ ماذا يعني لي ما أنتظره؟ وهل أستطيع أن أعيش اليوم دون أن أنسى ما أؤمن أنه سيأتي؟

هذه الأسئلة تجعل الانتظار شيئًا أعمق من مجرد ترقب. فالإنسان حين ينتظر، يكشف شيئًا من علاقته بالزمن، وبالأمل، وبالمعنى، وبنفسه أيضًا. ولذلك قد يكون السؤال الحقيقي ليس: كم طال الانتظار؟ بل: ماذا صنع هذا الانتظار في الإنسان؟

ما الذي يصنعه الانتظار في الإنسان؟

لعل أغرب ما في الانتظار أن الإنسان قد يبدأه وهو يظن أنه ينتظر شيئًا، ثم يكتشف بعد زمنٍ طويل أن الشيء الذي كان ينتظره لم يكن وحده هو الذي يتشكل؛ كان هو أيضًا يتشكل معه.

فالزمن لا يمر بنا كما يمر على الأشياء الجامدة. إنه يدخل فينا، ويترك أثره في رؤيتنا، وفي اختياراتنا، وفي قدرتنا على الصبر، وفي الطريقة التي نعيد بها ترتيب ما نعدّه مهمًا. وقد يجعل الانتظار الإنسان أكثر عمقًا، إذا عرف كيف يسكن المسافة بينه وبين ما ينتظر، وقد يجعله أكثر فراغًا، إذا جعل حياته كلها معلقة على لحظة الوصول.

وهنا يظهر الفرق بين من ينتظر شيئًا، ومن يؤمن بما ينتظر. فالذي ينتظر شيئًا قد يربط حياته بالوصول؛ فإذا تأخر الوصول، اضطربت حياته. أما الذي يؤمن بما ينتظر، فإنه لا يجعل المسافة بينه وبين الغاية سببًا لتعطيل حياته، بل يجعلها جزءًا من الطريق إليها.

وهذا هو الفارق بين أن ينتظر الإنسان شيئًا، وأن يؤمن بما ينتظر.

فالانتظار في هذه الحالة لا يعني أن يجلس الإنسان أمام المستقبل، وإنما أن يسمح للمستقبل الذي يؤمن به أن يعيد تشكيل حاضره. إنه أن يسأل نفسه: إذا كنت أؤمن بأن هناك معنى أرجوه، فكيف ينبغي أن أعيش اليوم؟ وإذا كنت أؤمن بأن العدل قادم، فهل أستطيع أن أكون عادلًا الآن؟ وإذا كنت أؤمن بأن الحق لا يضيع، فكيف أتعامل مع الحق حين يكون مكلفًا؟ وإذا كنت أؤمن بأن الله لا يترك عباده، فكيف أعيش لحظات التأخر والغياب؟

هنا يتحول الانتظار من حالة نفسية إلى موقف وجودي. فالزمن لا يسأل الإنسان فقط: هل تستطيع أن تصبر؟ بل يسأله سؤالًا أصعب: ما الذي يبقى منك حين لا يبقى لك إلا المعنى؟

قد لا يستطيع الإنسان أن يختصر الطريق، ولا أن يسرّع ما ينتظره، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيش المسافة. وهذه المسافة هي التي تكشف الإنسان؛ تكشف ما إذا كان ينتظر لأنه يحب الحقيقة، أم لأنه يحب الصورة التي رسمها لنفسه عن المستقبل، وتكشف ما إذا كان الأمل عنده قوة تدفعه إلى الأمام، أم وسيلة للهروب من حاضر لا يريد مواجهته.

فقد يكون الإنسان مشغولًا بالمستقبل لأنه لا يريد أن يرى نقصه في الحاضر، وقد يكون مشغولًا بالمستقبل لأنه يريد أن يجعل من الحاضر خطوة حقيقية نحوه. وبين الأمرين فرق لا يصنعه الكلام، وإنما تصنعه الحياة.

ولهذا فإن الانتظار قد يكون تربية خفية للإنسان. إنه يعلّمه أن بعض الأشياء لا تأتي حين نريد، وأن بعض الطرق لا تختصر، وأن الإنسان لا يملك دائمًا توقيت الوصول، لكنه يملك موقفه من الطريق.

وربما كان هذا أحد أسرار الانتظار الطويل؛ أنه يمنح الإنسان فرصة ليرى نفسه بعيدًا عن لحظة الحماس الأولى. ففي البداية قد يكون القلب ممتلئًا، والكلمات كثيرة، والأمل قريبًا، لكن حين يطول الزمن تتساقط الأشياء الزائدة، ويبقى السؤال عن الأصل: ماذا بقي؟ هل بقي المعنى؟ هل بقي الإيمان؟ هل بقيت الرغبة في أن يكون الإنسان أفضل؟ أم بقيت مجرد عادة الانتظار؟

وهنا يصبح الانتظار مرآة؛ لا يكشف ما ننتظره فقط، بل يكشف من نكون ونحن ننتظر.

حين يختبر الانتظار الوفاء

وهنا يأخذ الانتظار معنى آخر. فالصبر قد يعني أن يتحمل الإنسان الزمن، لكن الوفاء يعني أن يحافظ على مكانة المعنى في قلبه رغم الزمن. وقد يصبر الإنسان لأنه لا يملك خيارًا آخر، لكنه لا يكون بالضرورة وفيًّا لما يؤمن به. أما الوفاء، فهو أن يبقى للمعنى حضوره حتى حين لا يكون الوصول قريبًا، وحتى حين لا يجد الإنسان ما يذكّره به إلا يقينه.

وهذا هو الفارق بين أن يحمل الإنسان المعنى، وأن يحمله المعنى.

فالإنسان الذي يحمل معنى حقيقيًا لا يسمح للزمن أن يحدد قيمته. قد تتغير الظروف، وقد تتأخر النتائج، وقد يبدو الطريق طويلًا، لكنه لا ينسى لماذا بدأ. ولهذا فإن الانتظار يختبر الوفاء أكثر مما يختبر الصبر؛ لأن الصبر قد يتعلق بقدرة الإنسان على الاحتمال، أما الوفاء فيتعلق بقدرته على البقاء.

أن يبقى قريبًا من المعنى الذي آمن به، دون أن يرى ثماره. أن يبقى متمسكًا بما يعتقد أنه حق، حتى حين لا يبدو الحق منتصرًا. وأن يبقى قادرًا على اختيار الصواب، حتى حين لا يرى في الأفق مكافأته.

لكن الوفاء أعمق من الشعور. إنه أن يبقى للمعنى مكانه في القرار، حتى حين تخف حرارة الشعور. وهنا يصبح الانتظار مسؤولية؛ فإذا كان الإنسان ينتظر شيئًا يؤمن بأنه خير، فلا يكفي أن يتحدث عن ذلك الخير، بل عليه أن يسمح له بأن يترك أثره في سلوكه.

وإذا كان ينتظر زمنًا يكون فيه العدل حاضرًا، فعليه ألا يجعل الظلم جزءًا من شخصيته في الزمن الذي يسبقه. وإذا كان ينتظر انتصار الحق، فعليه ألا يخسر الحق في الطريق. فما قيمة أن يصل الإنسان إلى غاية يؤمن بها، إذا كان الطريق إليها قد غيّره إلى النقيض مما كان يرجوه؟

ربما لهذا لا يكون الانتظار الحقيقي تعليقًا للحياة، بل امتحانًا لها. فالإنسان لا يُسأل فقط عما ينتظر، بل عما يصنعه انتظارُه فيه. هل جعله أكثر صدقًا، وأكثر صبرًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على مواجهة نفسه؟ أم جعله أكثر ضجرًا، وأسرع إلى اليأس، وأشد تعلقًا بلحظة الوصول؟

وهنا يصبح السؤال أقرب من كل الأسئلة السابقة: ليس المهم فقط أن يبقى الإنسان قادرًا على قول: “أنا أنتظر”. الأهم أن يبقى في انتظاره شيء يستحق أن يُسمى وفاءً.

فإذا طال الزمن، بقي المعنى، وإذا تأخر الوصول، بقي الطريق، وإذا غابت الصورة عن العين، بقيت الحقيقة في القلب.

وهنا لا يعود السؤال: متى يأتي؟

بل سؤالٌ أشد قربًا من القلب: هل أنا، في هذا الانتظار، أعيش بما يليق بما أنتظر؟

ويبقى السؤال

وهكذا يبدو أن الانتظار لا يختبر قدرتنا على احتمال الزمن بقدر ما يختبر قدرتنا على أن نبقى أوفياء للمعنى الذي جعلنا ننتظر منذ البداية. فالسنوات قد تطول، والطريق قد يمتد، وما نرجوه قد يتأخر، لكن الإنسان لا يملك أن يختار طول المسافة، وإنما يملك أن يختار كيف يمضي فيها، وماذا يصنع منها، وماذا تصنع هي منه.

ولعل السؤال الذي يبقى بعد كل هذا ليس: كم بقي حتى يصل ما ننتظر؟ وإنما: من أصبحنا ونحن ننتظر؟

فإذا كان الانتظار قد أعاد الإنسان إلى نفسه، فإنه يقوده الآن إلى سؤال آخر: ما الذي ينتظره أصلًا؟ وما معنى أن يكون ما ننتظره وعدًا لا مجرد أمنية، وأن يكون للانتظار صاحبٌ يرتبط به القلب والعقيدة؟

وهنا نقترب من وجهٍ آخر للانتظار؛ وجهٍ لا يتصل بالمسافة وحدها، بل بما يجعل هذه المسافة ممتلئة بالمعنى. فحين يكون المنتظر وعدًا، يصبح للمستقبل حضورٌ في الحاضر، وحين يكون للانتظار صاحب، تتحول العلاقة به إلى مسؤولية لا تنتهي بمجرد الترقب.

وهذا ما سنقترب منه في المقالة الرابعة والعشرين من سلسلة “الصوت الذي بقي”: حين يصبح الوعد حاضرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى