أقلام

نمدح لأننا نخاف: حين يرتدي التملق رداء المجاملة

السيد جواد العبدالمحسن

في زوايا المجتمعات المعاصرة، وعلى مائدة العلاقات الإنسانية والمهنية، كثيراً ما نرتدي أقنعة الإطراء ونغدق المديح على الآخرين.

نظن للوهلة الأولى أننا نمارس فضيلة اللطف، أو أننا نوزع كلمات الود بسخاء.

لكن، لو توقفنا لحظة أمام مرآة الحقيقة وأمعنا النظر في دوافعنا الخفية، سنجد أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً ومرارة: نحن في كثير من الأحيان لا نمدح حباً في الجمال، بل نمدح لأننا نخاف!

الخوف هو المحرك الخفي للكثير من سلوكياتنا الاجتماعية.

إنه ذلك الشعور القلق الذي يتسلل إلى أعماقنا فنهرع إلى تحصينه بكلمات المديح المبالغ فيها، وكأننا نشتري بها الأمان أو نتقي بها شراً محتملاً.

والأسباب التي نخاف أن نخسرها في واقعنا اليومي كثيرة ومتشعبة، تمتد من لقمة العيش وصولاً إلى الوهم الاجتماعي.

خذ مثلاً واقعنا الوظيفي والمهني؛ فكم من موظف تجده يغدق على مديره سيلاً من كلمات الثناء والإطراء، لا لكفاءة استثنائية يراها في رئيسه، بل خوفاً على مصدر رزقه وكرسيه الذي يخشى أن يهتز.

إنه يمدح لكي يضمن بقاءه، ولكي يتقي غضب الإدارة، وليحجز له مقعداً في قائمة “المرضي عنهم”.

هنا يتحول المديح من تعبير عفوي عن الامتنان إلى أداة بقاء واسترضاء، وتفقد الكلمات وزنها الحقيقي لتصبح عملة مزيفة تُصرف في سوق المصالح.

وفي العلاقات الاجتماعية والعائلية العريضة، لا يختلف المشهد كثيراً.

فنحن نمدح أحياناً أقارب نافذين، أو أصدقاء أصحاب نفوذ، أو أشخاصاً نمتلك معهم مصالح مشتركة، خوفاً من خسارة “الظهور ” الاجتماعي أو العزلة.

نخاف أن نُصنف كخارجين عن المألوف أو كأشخاص “غير مرغوب فيهم”، فنخضع لسطوة المديح الجماعي لنمضي مع التيار.

حتى في مجالسنا اليومية، قد نثني على آراء ساذجة أو قرارات خاطئة لشخصيات ذات سطوة، فقط لأننا نخاف من تبعات المعارضة أو خسارة القبول الاجتماعي.

هذا التكلف والاسترضاء المتبادل يذكّرنا بالنموذج الذي حذر منه القرآن الكريم في السعي لرضا الناس على حساب الحقيقة والكرامة، كقوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62].

كما يمتد هذا المعنى ليطال حب الظهور والتماس الثناء بما لم يفعل الإنسان طمعاً في المكاسب الزائفة، وهو ما صورته بَدِيعاً آية آل عمران: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188].

أما على صعيد العلاقات العاطفية والشخصية، فالخوف من الفقد يولد أشكالاً هشة من المديح. حين يخشى أحد الطرفين خسارة الآخر، قد يلجأ إلى تضخيم محاسنه وإلغاء عيوبهم تماماً، محاولاً إرضاءه بكلمات معسولة مستمرة خوفاً من الهروب أو الهجران.

يصبح المديح هنا درعاً واقياً من الوحدة، وليس انعكاساً حقيقياً للتقدير.

إن خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في كونه تملقاً اجتماعياً، بل في أثره المدمر على الشخصية المجتمعية وعلى المعايير الأخلاقية.

عندما يصبح المديح مرتبطاً بالخوف والمصلحة لا بالحقيقة والتميز، نفقد القدرة على تقييم الأشياء بموضوعية، وتختفي المعايير العادلة ليحل محلها قانون البقاء للأجمل صوتاً والأكثر نفاقاً.

والأهم من ذلك، أننا ننهك أنفسنا عاطفياً ونعيش في قلق مستمر، محكومين بهاجس الحفاظ على ما نخاف خسارته.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بالجرأة على قول الحقيقة والتحرر من أسر الخوف.

فالمديح الحقيقي والصادق هو الذي ينبع من الإعجاب الحقيقي دون خوف من الخسارة ودون انتظار لمكسب.

وحين ندرك أن ما نقدره في أنفسنا ومنجزاتنا هو الأبقى، نتوقف عن تقديم الولاء والإطراء لمن لا يستحقهما، ونتعلم أن كلمة صادقة واحدة، ولو كانت بسيطة، تساوي أضعافاً مضاعفة من قصائد المديح الخائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds