أقلام

الدفاع المدني السعودي.. حيث تُصان الأرواح وتُبنى البطولة

قصي عبدالرزاق المؤمن

هناك قطاعات تعمل في الظل، حتى يأتي الخطر فيصبحون هم النور.

الدفاع المدني السعودي ليس جهازًا يظهر عند الحريق وينتهي بانطفائه، إنه منظومة شرف متكاملة، وركن ركين من أركان أمن هذا الوطن وإنسانيته.

أنا لم أقرأ عن هذا القطاع في الصحف، أنا عشت بين رجاله ثلاثين عامًا كاملة، وكنت أحد أفراده. ورغم تنقلي وظيفيًّا بين عدة أقسام مكتبية وميدانية، لمست عن قرب عظمة العمل الإداري والميداني، وكلاهما يجسد هدفًا واحدًا لا يتجزأ: حماية الإنسان.

فهناك في المكاتب رجال يعملون بصمت، خلف خرائط ومخططات وتقارير، ولكنهم عند الكوارث تراهم أول الصفوف في الميدان كفريق واحد، لأنهم مدربون قديرون لا يفرقون بين مكتب وميدان. وهناك رجال السلامة، أولئك الجنود المجهولون الذين يجوبون المواقع والمصانع والمحال التجارية والمنشآت، يتابعون أدق التفاصيل لدرء الخطر قبل وقوعه، يغلقون ثغرة قد تتسبب في كارثة، ويحافظون على سلامة الإنسان بعمل وقائي عظيم لا يراه الناس، ولكنه أساس الأمان. هم جنبًا إلى جنب إخوتهم في فرق الإطفاء والإنقاذ، منظومة واحدة، قلب واحد، رسالة واحدة.

نعم رأيت بسالة رجاله حين يكون التراجع هو المنطق، ونبلهم حين يكون العطاء دون مقابل هو العنوان. يدخلون إلى الدخان الكثيف ليخرجوا منه نفسًا، ويمدون أيديهم في قلب الركام ليصنعوا حياة جديدة. إنها شجاعة لا تصنعها التدريبات وحدها، بل تصنعها قلوب مؤمنة بأن إنقاذ روح واحدة كإنقاذ الناس جميعًا.

إن عظمة هذا القطاع تكمن في أنه لا يفرق بين كبير وصغير، ولا بين مواطن ومقيم، فالروح عنده هي القيمة الأغلى. في الفيضان، في الحريق، في الحوادث، في الكوارث، تجدهم أول من يصل وآخر من يغادر، يحملون على عاتقهم تعب الناس وخوفهم، ويعودون بصمت لا ينتظرون فيه شكرًا، يكفيهم أن يروا الأمان يعود.

وقد تشرفت خلال مسيرتي بأن أأتمر بأمر قادة كانوا نعم الأخوة ونعم الرجال، رجال يعتز بهم هذا الوطن، قادة جمعوا بين الحزم والرحمة، وبين الانضباط والإنسانية، فكانوا قدوة ومدرسة في القيادة.

واليوم، يزداد فخرنا ونحن نرى ما توليه مملكتنا الغالية بقيادتها الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد الأمين – حفظهما الله – وبتوجيهات ومتابعة سمو سيدي وزير الداخلية، وبإشراف مباشر من سعادة مدير عام الدفاع المدني، من عناية فائقة وتطوير شامل لهذا القطاع العظيم. لم يعد الأمر مجرد تطوير، بل هو تكامل في التسلسل القيادي حتى إدارة الدفاع المدني كقطاع، وتكامل شامل في شتى مجالات العمل الإنساني، من أحدث التقنيات وأنظمة الإنذار المبكر والذكاء الاصطناعي، إلى التأهيل العالي للكوادر، ليصبح الدفاع المدني أنموذجًا عالميًّا يحتذى به في حماية الأرواح والممتلكات.

إن رسالتي التي أريد أن تصل للعالم أجمع هي هذه: اعرفوا قدر هؤلاء الرجال. ارفعوا من قيمتهم في مجتمعنا، ضعوهم في المكانة التي يستحقونها. علموا أبناءكم أن البطولة الحقيقية ليست في الشاشات، بل في رجل يرتدي بزة الدفاع المدني، يقف في وجه الخطر ليحميك وأنت آمن في بيتك.

إنهم نبلاء هذا الزمن وشجعانه، وهم يستحقون منا كل الثناء وكل التقدير.

وفي الختام، أوصيكم ونفسي بالدعاء لهم، ادعوا لرجال الدفاع المدني بأن يحفظهم الله بحفظه، ويكلأهم برعايته، ويردهم إلى أهليهم سالمين غانمين. فهؤلاء الرجال لم يكن عملهم يومًا لأجل الأجر المادي وحده، بل هم قبل كل شيء طلاب لرضا الله والفوز بمرضاته، يحتسبون خطواتهم وجهدهم عند الله.

وهم أصحاب قلوب رحيمة، تدمع أعينهم لحزن الناس ومواساتهم، ولكنها في الوقت ذاته قلوب كالجبال، لا تلين ولا تهتز إذا استدعى الواجب أن تكون كالجبال، فتجدهم صلبًا لا ينكسر أمام لهب النار وهدير السيل.

ثلاثون عامًا قضيتها بينهم، وها قد مضى عامان على تقاعدي، ولا أزال أحن لذلك العمل النبيل كل يوم، خرجت متقاعدًا جسدًا، ولكن روحي بقيت هناك، شاهدة على عظمة لا توصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds