أقلام

الصوت الذي بقي (24) حين يصبح الوعد حاضرًا

أحمد الطويل

مقدمة:

إذا كان الانتظار قد أعاد الإنسان إلى نفسه، فإن الخطوة التالية هي أن ننظر إلى الشيء الذي يمنح هذا الانتظار معناه. فليس الإنسان قادرًا على أن ينتظر طويلًا لمجرد أنه ينتظر؛ لا بد أن يكون وراء انتظاره معنى، ووراء المعنى وعد، ووراء الوعد حقيقة يؤمن أنها تستحق أن يبقى القلب متعلقًا بها، حتى وإن تأخر الوصول.

فليس كل مستقبل نرجوه سواء، ولا كل غائب ننتظره سواء. قد ينتظر الإنسان نتيجةً يريدها، أو شخصًا يشتاق إليه، أو يومًا يأمل أن يكون أفضل من يومه. لكن هناك انتظارًا آخر لا يتعلق بمجرد حدث قادم، وإنما بوعد يؤمن الإنسان أن له حقيقة، حتى وإن لم يرها بعد.

وعندما يصبح المنتظر وعدًا، يتغير معنى الانتظار. فالوعد الحقيقي لا يعيش في المستقبل وحده؛ إنه يبدأ من اللحظة التي يؤمن بها القلب.

حين يسكن المستقبل في الحاضر

قد يعيش الإنسان على حلم، وقد يعيش على وعد، وبينهما فرق كبير. فالحلم قد يكون صورة يصنعها الإنسان للمستقبل، ثم يعلّق قلبه عليها. أما الوعد، حين يكون قائمًا على يقين، فإنه لا يكتفي بأن يرسم صورة لما سيأتي، بل يعيد تشكيل ما هو قائم الآن.

ولهذا فإن الإنسان الذي يؤمن بوعدٍ حقيقي لا يستطيع أن يتعامل معه كخبر مؤجل؛ فما يؤمن أنه سيأتي يترك أثره في طريقة عيشه قبل أن يأتي.

إذا آمن الإنسان بأن العدل هو نهاية الطريق، فلن يستطيع أن يجعل الظلم مبدأً لحياته. وإذا آمن بأن الحق لا بد أن يظهر، فلن يكون من السهل عليه أن يتنازل عنه كلما طال الطريق. وإذا آمن بأن الله لا يخلف وعده، فإن تأخر تحقق ما يرجوه لا يعني أن الوعد فقد معناه.

وهنا يصبح المستقبل حاضرًا بطريقة غريبة؛ ليس لأنه وصل، بل لأنه بدأ يصنعنا قبل أن يصل.

وهذا من أعمق معاني الإيمان بالغيب. فالإنسان المؤمن لا يرى كل شيء، لكنه لا يعيش كمن لا يرى شيئًا. هناك حقائق غائبة عن عينه، لكنها حاضرة في يقينه، ووعود لم تتحقق في زمنه، لكنها تستطيع أن تغيّر طريقة عيشه في زمنه.

ومن هنا يصبح الانتظار المهدوي امتدادًا طبيعيًا لهذا المعنى؛ لأن انتظار الإمام المهدي عليه السلام ليس انتظارًا لحدثٍ منفصل عن حياة المؤمن، ولا ترقبًا لزمنٍ يجيء ليحل مشكلات الإنسان دون أن يتغير الإنسان نفسه. إنه إيمان بوعدٍ إلهي، وبحقيقةٍ غيبية، وبمستقبلٍ للعدل لا ينبغي أن يبقى منفصلًا عن أخلاق من ينتظره.

فالغيبة لا تعني غياب الحقيقة، وعدم رؤية الإمام المهدي عليه السلام لا يعني أن الإيمان به مجرد فكرة بعيدة عن الحياة. إنه حاضر في العقيدة، حاضر في الوجدان، وحاضر في مسؤولية الإنسان الذي يؤمن به.

ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: متى يتحقق الوعد؟ بل: ماذا يفعل الوعد فينا قبل أن يتحقق؟

هل يجعلنا أكثر استعدادًا للعدل؟ هل يجعلنا أكثر نفورًا من الظلم؟ هل يجعلنا أكثر حرصًا على الحق؟ هل يجعلنا نعيد النظر في أنفسنا، لأننا لا ننتظر مجرد تغيير في العالم، بل نؤمن بعالمٍ ينبغي أن يكون الإنسان نفسه جديرًا به؟

فالوعد الذي لا يغيّر شيئًا في الحاضر قد يتحول في القلب إلى فكرة مؤجلة، أما الوعد الذي يدخل في تكوين الإنسان، فإنه يصبح حاضرًا قبل أن يأتي زمنه.

ومن هنا يأخذ الانتظار المهدوي معناه الخاص؛ ليس بوصفه انتظارًا لزمنٍ آخر فحسب، بل بوصفه امتحانًا للإنسان الذي يريد أن يكون جديرًا بذلك الزمن حين يأتي.

حين يكون للانتظار صاحب

هناك فرق بين أن ينتظر الإنسان زمنًا، وأن ينتظر إنسانًا. فالزمن قد يكون فكرة، أما الإنسان فله حضور آخر في القلب.

وحين يكون المنتظر هو الإمام المهدي عليه السلام، يصبح الانتظار مرتبطًا بشخصٍ يؤمن الإنسان بوجوده، وبإمامته، وبأن الله أبقاه حيًا لهذه الغاية.

وهنا تكتسب الغيبة معناها الخاص. فالإمام حاضر، وإن لم يكن حاضرًا للعين، وغياب ظهوره لا يعني غياب مقامه، ولا سقوط مسؤولية المؤمن تجاه ما يعتقده من إمامته.

لكن هذا الإيمان يطرح على الإنسان سؤالًا آخر: كيف يعيش الإنسان علاقته بإمام لا يراه؟

ربما هنا تتضح قيمة الانتظار أكثر. فالإنسان في كثير من علاقاته يحتاج إلى الحضور المباشر حتى يثبت في قلبه المعنى؛ يرى، فيطمئن، ويسمع، فيقترب، ويلتقي، فيشعر أن العلاقة حقيقية. لكن الإيمان بالغيب يعلّم الإنسان أن بعض الحقائق لا تحتاج إلى أن تقع تحت العين حتى تكون حاضرة في القلب.

وهذا لا يعني أن الغياب سهل، بل ربما كانت صعوبته جزءًا من الامتحان. فلو كان كل شيء حاضرًا أمام العين، لما بقي للسؤال نفسه ذلك العمق. أما حين يؤمن الإنسان بإمام لا يراه، ثم يظل وفيًّا لإيمانه، فإن الانتظار يتحول إلى علاقة بين اليقين والغياب.

ولهذا لا ينبغي أن يتحول انتظار الإمام إلى مجرد كلمات تتكرر في المناسبات، أو شعارات تُقال ثم تنتهي بانتهاء المجلس. إذا كان هناك إمام ننتظره، فلا بد أن يترك انتظارُه أثرًا فينا.

لا لأن الإنسان يستطيع أن يصنع زمن الظهور، فذلك أمرٌ بيد الله، وإنما لأن الإنسان يستطيع أن يصنع نفسه في الزمن الذي يسبق الظهور.

وهنا تصبح المسؤولية واضحة. فالذي ينتظر إمامًا يقوم بالعدل، ينبغي أن يتعلم العدل في نفسه، والذي ينتظر زمنًا يواجه الظلم، ينبغي ألا يكون جزءًا من ظلمٍ يقدر عليه، والذي ينتظر دولة الحق، ينبغي ألا يخسر الحق في التفاصيل الصغيرة من حياته.

والذي يؤمن بإمامٍ يريد للإنسان أن يتحرر من الظلم والانحراف، ينبغي أن يبدأ بمواجهة ما يستعبد قلبه هو.

فالانتظار لا يصنع الإمام، لكنه يصنع المنتظر.

وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها؛ فنحن لا نستطيع أن نحدد متى يأتي الغد الذي ننتظره، ولا أن نختصر السنوات التي تفصلنا عنه، ولا أن نفتح باب الغيب بأيدينا. لكننا نستطيع أن نسأل: من سأكون أنا إذا جاء ذلك اليوم؟

وهل سأكون قد عشت سنوات الانتظار بطريقة تجعلني أقرب إلى ما كنت أؤمن به، أم أن السنوات مرت عليّ دون أن تترك فيّ إلا التعب؟

فليس المطلوب أن نعرف متى يأتي، بقدر ما ينبغي أن نعرف ماذا فعل انتظاره بنا.

ويبقى السؤال

ربما بعد كل هذا، لا يعود السؤال عن الانتظار سؤالًا عن المستقبل وحده. فالانتظار يعيد الإنسان إلى نفسه، ويجعله ينظر إلى السنوات التي عاشها، لا ليحصيها، بل ليسأل عمّا فعلته به.

ليس السؤال أن نحصي السنوات التي تفصلنا عن الظهور، بل أن نسأل عن المسافة التي قطعتها أرواحنا في هذه السنوات. كم مرةً تغيرنا؟ وكم مرةً عدنا إلى الله؟ وكم مرةً عرفنا أن الانتظار ليس راحةً من المسؤولية، بل امتحانٌ لها؟ وكم مرةً ظننا أننا ننتظر، بينما كنا في الحقيقة نؤجل حياتنا؟

فالانتظار الذي يطلبه الإيمان ليس أن يضع الإنسان حياته جانبًا حتى يأتي المنتظر. إنه أن يعيش في الزمن الذي بين يديه، لكن بقلبٍ لا ينسى الزمن الذي يؤمن أنه سيأتي؛ أن يعيش الحاضر دون أن يعبد الحاضر، وأن ينظر إلى المستقبل دون أن يهرب من مسؤولية اليوم.

وأن يعرف أن الغيب ليس دعوة إلى السلبية، بل دعوة إلى الثبات حين لا تكون النتائج أمام العين.

وهكذا يصبح الانتظار امتحانًا للإنسان كله؛ في يقينه، وفي أخلاقه، وفي قدرته على أن يبقى وفيًّا للحق حين يطول الطريق، وفي قدرته على أن يجعل من الوعد طاقةً للحاضر، لا عذرًا للهروب منه.

إنه أن تعيش في زمن الغيبة دون أن تتحول الغيبة إلى غفلة، وأن تؤمن بالمستقبل دون أن تهرب من مسؤولية اليوم، وأن تحمل في قلبك إمامًا تنتظره، دون أن تجعل انتظارك مجرد كلماتٍ تُقال، بل معنىً يترك أثره في الإنسان الذي ستكونه حين يأتي اليوم الذي طال انتظاره.

وربما هنا يتغير السؤال كله.

لم يعد السؤال فقط: ماذا يعني أن تنتظر؟

بل أصبح: ماذا ينبغي أن يصنع الانتظار في الإنسان قبل أن يصل المنتظر؟

فإذا كان الانتظار قد أعاد الإنسان إلى نفسه، وإذا كان الوعد قد بدأ يصنع الحاضر قبل أن يأتي، فثمة سؤال أكبر ينتظر دوره: كيف يمكن للانتظار أن يتحول من حالة يعيشها الفرد إلى ثقافة تصنع مجتمعًا، وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بالزمن، وبالمسؤولية، وبالمستقبل؟

وهذا هو الباب الذي يمكن أن نفتحه في المقالة التالية من سلسلة “الصوت الذي بقي”: ثقافة الانتظار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds