
يوسف الطويل
رفع موظف الجوازات في مطار أمستردام رأسه نحوي غاضبًا،
وكان جواز سفري ما يزال في يده.
وقبل أن ينطق بكلمة، قلت له بسرعة:
(افتح الصفحة الأخيرة في الجواز… واقرأ ما كُتب فيها)
نظر إليّ باستغراب، وكأنه لم يفهم ما علاقة الصفحة الأخيرة بالمشكلة التي أمامه، ثم بدأ يقلب صفحات الجواز ببطء.
وقفت أراقبه، وأنا أنتظر أن يصل إلى تلك الصفحة.
ولكن الحكاية بدأت قبل ذلك بدقائق.
كنت برفقة أسرتي في مطار أمستردام، في طريق عودتنا إلى أمريكا. وكان اثنان من أبنائي مضافين إلى جواز والدتهم، وهو أمر كان معمولًا به في ذلك الوقت.
وصلنا إلى نقطة الجوازات، وقدمت الجوازات كأي مسافر يريد إكمال رحلته.
توقعت أن يكون الأمر إجراءً عاديًا لا يستغرق سوى دقائق، ولكن الموظف توقف عند جواز أم أحمد، وأخذ يتفحصه.
ثم أخبرني أن هناك مشكلة.
قال إن النظام لا يقبل وجود ثلاثة أسماء في جواز واحد، ولذلك لا يمكننا مواصلة الرحلة بهذه الطريقة.
استغربت كلامه.
كيف لا يقبل النظام الجواز الآن، وقد سافرنا به أصلًا؟
قلت له:
(أنا جئت من أمريكا، والسيستم قبله، والآن أنا راجع إلى أمريكا وتقول لي إن السيستم ما يقبل؟!)
ولكنه أصر على موقفه.
سألته:
(طيب… ما الحل؟)
كنت أتوقع منه إجراءً آخر، أو مراجعة مسؤول، أو أي حل يسمح لنا بإكمال رحلتنا.
ولكن إجابته جاءت مختصرة:
(ترجعون إلى السعودية.)
هنا تغير كل شيء.
نظرت إلى أسرتي، ورأيت الذعر على وجوههم. نحن في منتصف رحلة، بعيدون عن وطننا، وأمامنا رحلة إلى أمريكا، وفجأة يخبرنا موظف في المطار أن الرحلة انتهت هنا، وأن علينا العودة إلى السعودية.
ماذا عن الرحلة؟ ماذا عن دراستنا وبعثتنا؟ هل انتهت هنا؟ وماذا نفعل الآن؟ وكيف نعود؟
كانت أسئلة كثيرة تظهر في لحظة واحدة، بينما الموظف أمامنا يتعامل مع الأمر وكأنه انتهى بكلمتين:
(ارجعوا إلى السعودية.)
هنا غضبت.
قلت له بالإنجليزية:
ما معناه: (قل لأمك أن تفعل ذلك وتعود إلى بيتها، أما أنا فلن أعود.)
تغير وجهه.
رفع رأسه نحوي، وعرفت من نظرته أن عبارتي أغضبته.
كان جوازي لا يزال في يده، وشعرت أنه يستعد للرد.
ولكن قبل أن يقول شيئًا، باغتُّه:
(افتح الصفحة الأخيرة في الجواز!)
نظر إليّ.
فأضفت:
(واقرأ ما كُتب فيها)
لم يجادلني هذه المرة.
أخذ الجواز، وبدأ يقلب صفحاته ببطء، صفحة بعد أخرى، حتى وصل إلى الصفحة الأخيرة.
وهناك كانت رسالة باسم ملك المملكة العربية السعودية، موجهة إلى الجهات المختصة، تطلب تسهيل مرور حامل هذا الجواز وتقديم العون والمساعدة له.
قرأها.
وأنا أراقبه.
لم يقل شيئًا.
ثم أغلق الجواز، ونظر إليّ وقال بما معناه:
(حسنًا… السيستم الآن لا توجد فيه مشكلة. تستطيعون إكمال رحلتكم)
قبل دقائق كان (السيستم) لا يقبل.
والحل أن نعود إلى السعودية.
والآن… أصبح السيستم يقبل!
أخذت جوازي من يده، وأكملنا رحلتنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية!
ولكنني خرجت من ذلك الموقف بشعور لم أنسه حتى اليوم.
نظرت إلى الجواز في يدي، وإلى تلك الصفحة التي قرأها الموظف، وشعرت بفخر كبير أنني سعودي.
كنت أعرف أن جواز السفر يحمل اسمي وصورتي وجنسيتي، ولكنني في مطار أمستردام أدركت أن خلف هذا الجواز شيئًا أكبر مني.
خلفه وطن.
ومرّت سنوات طويلة، وما أزال كلما تذكرت ذلك المطار لا أتذكر الموظف، ولا غضبه، ولا حتى جدالنا حول (السيستم).
أتذكر تلك اللحظة التي شعرت فيها بالفخر أنني سعودي.
وأتذكر جملة واحدة قلتها له:
(اقرأ الصفحة الأخيرة)




