أقلام

ما الموت [٣]

يوسف الطويل

ماذا يحدث للإنسان حين يموت؟

في الحلقتين السابقتين حاولنا أن نقترب من الموت دون أن نعرّفه مباشرة.

بدأنا بالحياة؛ لأننا لا نستطيع أن نسأل: ما الموت؟ قبل أن نسأل: ما الحياة؟

ثم انتقلنا إلى الجسد والروح والنفس، وحاولنا التمييز بينها. وبعد كل ذلك وصلنا أخيرًا إلى السؤال الذي حملته هذه السلسلة في عنوانها:

ما الموت؟

ليس: متى نموت؟ ولا لماذا نموت؟ ولا من يقبض النفس؟ ولا ماذا يحدث لنا بعد الموت؟

بل سؤال يبدو أبسط من ذلك كله، وربما كان أصعب:

ما الذي يحدث للإنسان في اللحظة التي ينتقل فيها من كونه حيًا إلى كونه ميتًا؟

قبل لحظة كان إنسانًا… والآن أصبح جثمانًا

أمامنا إنسان.

قبل دقائق كان يتكلم، ويسمع، ويرى، ويتذكر، ويحب، ويخاف، ويشعر بمن حوله.

ثم مات.

ولكن ماذا اختفى؟

جسده ما يزال أمامنا. قلبه ودماغه وعيناه وأعصابه وأعضاؤه لم تختفِ فجأة. بل إن موت الجسد نفسه لا يقع في جميع خلاياه في اللحظة ذاتها؛ إذ تستمر بعض الخلايا والأنسجة مدة متفاوتة بعد توقف الدورة الدموية.

ومع ذلك حدث شيء هائل جعلنا نغير حتى الاسم الذي نطلقه عليه.

قبل قليل كنا نقول: فلان.

والآن نقول: جثمان فلان.

فما الذي فُقد؟

هل الموت هو توقف القلب؟

ظل توقف القلب والتنفس زمنًا طويلًا من أهم العلامات التي يُعرف بها الموت، ولكن تطور الطب جعل المسألة أكثر تعقيدًا.

فقد يتوقف القلب ثم يعاد تشغيله بالإنعاش، وقد يعجز الإنسان عن التنفس ويستمر تنفسه بمساعدة الأجهزة.

ولهذا أصبحت المعايير الطبية للموت أكثر دقة، ودخلت فيها مفاهيم مثل التوقف غير القابل للعكس لوظائف الدورة الدموية والتنفسية، أو التوقف الكامل والدائم لوظائف الدماغ وفق المعايير الطبية المعتمدة.

ولكن هذه المعايير، على أهميتها، تجيب أساسًا عن سؤال:

متى يستطيع الطب أن يحكم بأن الإنسان قد مات؟

أما سؤالنا فهو:

ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح ميتًا؟

فالطب يستطيع أن يصف تعطل الجسد: يتوقف القلب، ينقطع وصول الأكسجين، تتعطل وظائف الدماغ، وتبدأ الخلايا في التلف.

ولكن هل وصف كيفية تعطل الجسد هو نفسه تعريف ماهية الموت؟

الجسد منظوم، ولكن أين الإنسان؟

القلب يضخ، والرئتان تتنفسان، والدماغ يعالج المعلومات، والأعصاب تنقل الإشارات، والأعضاء تعمل في تنسيق مذهل.

لكن إذا كانت الحياة مجرد مجموع هذه الوظائف، فأين الإنسان نفسه؟

من الذي يقول: أنا؟

من الذي يتذكر طفولته؟ ومن الذي يحب ويكره ويخاف؟ ومن الذي يشعر بأنه الشخص نفسه رغم تغير جسده عبر السنين؟

هنا نعود إلى ما ناقشناه في الحلقة السابقة عن النفس.

فالقرآن، حين يجمع الموت والنوم في سياق واحد، يقول:

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

(الزمر:42)

والتعبير هنا يستحق التأمل:

الآية لا تقول: يتوفى الأجساد.

بل تقول: الأنفس.

النوم أعطانا مفتاحًا

في النوم يفقد الإنسان٧ جانبًا كبيرًا من اتصاله الواعي بالعالم، ومع ذلك لا نقول إنه مات.

والآية تجمع النوم والموت تحت مفهوم الوفاة، ثم تفرق بين الحالتين: نفس يمسكها الله لأنها قُضي عليها الموت، وأخرى يرسلها إلى أجل مسمى.

إذن الوفاة ليست دائمًا موتًا.

وهذا يعني أن الموت ليس مجرد غياب الوعي، وإلا لكان النائم ميتًا.

فالفرق الجوهري أن:

النائم يعود، أما الميت فلا يعود إلى هذه الحياة.

فماذا حدث؟

هنا نضع فرضيتنا

منذ بداية هذه السلسلة حاولنا ألا نقدم إجابة دينية جاهزة ثم نبحث عما يؤيدها، وألا نكتفي في المقابل بتعريف طبي ثم نعلن أن السؤال انتهى.

لذلك نضع أمامنا فرضية ونختبرها:

هل الموت هو وصول الجسد إلى حالة يعجز فيها عن الاستمرار وعاءً للنفس، فتفارقه النفس، وتنتهي حياة الإنسان في هذا الجسد؟

نقول: فرضية؛ لأن سؤالًا صعبًا يظهر فورًا:

أيهما يحدث أولًا؟

هل يتعطل الجسد فتفارقه النفس؟

أم تفارق النفس الجسد فيتعطل؟

أم أننا أمام حدث واحد ننظر إليه من جهتين مختلفتين؟

لو تعرض إنسان لنزيف شديد، يستطيع الطب أن يتتبع سلسلة الأحداث: ينخفض حجم الدم، يهبط الضغط، يقل وصول الأكسجين إلى الأعضاء، تتعطل الوظائف الحيوية، وقد يصل الجسد إلى مرحلة لا يستطيع بعدها الاستمرار.

لكن في أي نقطة من هذه السلسلة نقول:

هنا فارقت النفس الجسد؟

لا يوجد جهاز طبي يقول: النفس موجودة الآن… والآن غادرت.

فالطب يقيس ما يقع في الجسد، أما النفس، وفق الفرضية التي نبحثها، فليست عضوًا ماديًا حتى تُرى بالأشعة أو تظهر في تحليل الدم.

وهنا نصل إلى حد فاصل مهم:

العلم يستطيع أن يصف ما يحدث للجسد عند الموت، ولكنه بأدواته المادية لا يستطيع وحده أن يحسم سؤالًا ميتافيزيقيًا عن وجود النفس أو لحظة مفارقتها.

وفي المقابل، يخبرنا النص الديني عن النفس والوفاة، لكنه لا يقدم لنا كتابًا في وظائف القلب والدماغ.

فهل يمكن أن نقرأ المجالين معًا دون أن نجعل أحدهما بديلًا عن الآخر؟

ربما كنا نبحث عن الموت في المكان الخطأ

ربما كان الخطأ أن نسأل فقط:

أي عضو إذا توقف مات الإنسان؟

وقد يكون السؤال الأعمق:

متى يفقد الجسد قدرته على أن يكون جسدًا لإنسان حي؟

فالجسد منظومة متكاملة؛ يُجرح فيلتئم، وينكسر العظم فيجبر، ويمرض العضو فيعالج، وقد يتوقف القلب ثم يعود.

ولكن قد تصل هذه المنظومة إلى نقطة يصبح معها الخلل غير قابل للعودة.

وهنا يمكن صياغة فرضيتنا بصورة أدق:

الموت ليس مجرد تعطل عضو، وإنما وصول الجسد إلى حالة لا يستطيع معها الاستمرار حاملًا للحياة التي تمثلها النفس.

وعند هذه النقطة، وفق فرضيتنا، تفارق النفس الجسد.

وماذا عن الروح؟

كثيرًا ما نقول عن الميت: (خرجت روحه).

ولكن هل الروح والنفس شيء واحد؟

في الآية التي تتحدث عن الموت والنوم وجدنا:

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.

بينما يقول القرآن في خلق آدم:

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

(ص 72:)

هناك تسوية للجسد، ثم نفخة من الروح.

ومن هنا جاءت فرضيتنا البحثية بأن النفس هي الذات الإنسانية الحية الناشئة في هذه العلاقة بين الجسد ونفخة الروح، وليست النفس والروح بالضرورة اسمين لشيء واحد.

وإذا صح هذا التصور، فقد يكون الأدق في بحث الموت أن نسأل عن مفارقة النفس للجسد، بدل أن نفترض ابتداءً أن عبارة (خروج الروح) تفسر كل ما يحدث.

إذن… ما الموت؟

بعد ثلاث حلقات نستطيع أخيرًا أن نقترح تعريفًا أوليًا، لا باعتباره حقيقة علمية نهائية، وإنما بوصفه فرضية خرج بها هذا البحث حتى الآن:

الموت هو وصول الجسد إلى نهاية غير قابلة للرجوع في قدرته على الاستمرار وعاءً للنفس؛ فتفارقه النفس، وتنتهي بذلك حياة الإنسان في هذا الجسد.

هذا التعريف لا ينكر السبب الطبي للموت؛ فالمرض قد يقتل، والنزيف قد يقتل، والحادث قد يقتل، والإصابة البالغة للدماغ قد تنهي قدرة الجسد على الاستمرار.

ولكنه يفرق بين سبب الموت وماهية الموت.

فالمرض يجيب عن سؤال:

بماذا مات؟

أما نحن فنبحث عن جواب لسؤال آخر:

ما الذي يعنيه أنه مات؟

وربما نكون، بعد ثلاث حلقات، قد اقتربنا للمرة الأولى من جواب السؤال الذي بدأت منه السلسلة:

ما الموت؟

ولكن الجواب نفسه يفتح الباب للسؤال الأخير.

إذا كان الجسد يصل إلى نقطة لا يستطيع بعدها الاستمرار، فلماذا يصل إليها؟

لماذا يموت إنسان بمرض، وآخر بحادث، وثالث بالقتل، بينما ينجو غيرهم من أسباب قد تبدو أشد؟

وإذا كانت هذه أسباب الموت، فأين الأجل منها؟

وإذا كان الأجل مكتوبًا، فما معنى أن نحذر ونتداوى؟

وهل كان من قُتل سيموت في اللحظة نفسها لو لم يقتله قاتله؟

وهل العلاج والرياضة يمكن أن يطيلا العمر؟

وكيف نفهم القضاء والقدر وسط شبكة الأسباب هذه؟

وأين يقع ملك الموت في المشهد؟

لقد سألنا في هذه الحلقة:

ما الموت؟

وبقي لنا السؤال الأخير:

كيف نموت؟ ولماذا نموت في تلك اللحظة تحديدًا؟

وهذا هو موضوع الحلقة الرابعة والأخيرة.

يتبع….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds