حين صار الكوثر شاهدًا على التاريخ

أحمد الطويل
مقدمة:
ليس أصعب من أن يموت الإنسان إلا أن يموت المعنى الذي عاش من أجله؛ فالأجساد ترحل، أما القيم فتمتحنها الأيام: إما أن يزداد حضورها بعد غياب أصحابها، وإما أن تنطفئ برحيلهم.
ومن هنا، فإن استذكار السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ليس استعادةً لحزنٍ من الماضي فحسب، بل تأملٌ في سرّ بقاء أثرها، وفي السؤال الذي تركته للأجيال: كيف يمكن لحياةٍ قصيرة أن تتجاوز حدود الزمن، وتصبح شاهدًا على علاقة الإنسان بالحق؟
من وفرة الأشياء إلى خلود المعنى
يقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. يكشف القرآن هنا عن إنسانٍ استغرقه جمع الأشياء حتى نسي الغاية من وجوده؛ فالمشكلة ليست في الكثرة ذاتها، بل في أن تتحول إلى غاية، وأن ينشغل الإنسان بما يملك عن السؤال عمّا يستحق أن يعيش من أجله.
وفي مقابل هذه الغفلة، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. والكوثر في معناه العام هو الخير الكثير، وقد ارتبط في التفسير الإمامي بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بوصفها مظهرًا بارزًا للعطاء الإلهي، لما امتدّ من ذريتها من أئمة الهداية، وما مثّله حضورها من استمرارٍ لخط الرسالة. وليس المقصود حصر معنى الآية في تفسير واحد، بل استحضار هذا الارتباط بوصفه مدخلًا لفهم دلالة العطاء الذي يتجاوز حدود العدد.
وهنا تتجلّى المفارقة: ليست كل كثرةٍ خيرًا، وليس كل محدودٍ قليل الأثر. فقد تتسع ممتلكات الإنسان وتضيق روحه، بينما تبدأ من حياةٍ قصيرة آثارٌ تمتدّ عبر الأجيال. فالتكاثر قد يضاعف ما نملك، أما الخير الحقيقي فيضاعف ما نمنحه للحياة من معنى.
ومن هذا المنظور، لا تكمن عظمة الزهراء عليها السلام في امتداد نسلها وحده، بل في اتصال سيرتها برسالةٍ جعلت الهداية والعدل والوفاء للحق معاني تتجاوز أصحابها. لقد كانت ابنة النبي صلى الله عليه وآله، وصاحبة منزلةٍ خاصة لديه، ثم أصبح حضورها بعد رحيله جزءًا من السؤال عن مصير القيم حين تدخل ميدان التاريخ.
لكن معرفة المكانة لا تكفي وحدها لفهم دلالتها؛ فالمحبة التي لا تتجاوز الشعور تظل ناقصة الأثر. ومن هنا يبدأ السؤال: ماذا تعني محبتنا للزهراء إذا لم تتحول إلى التزامٍ بما تمثّله من حقٍّ وكرامة؟
حين يصبح الحب امتحانًا
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث المشهور: “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني”. وتكشف هذه الرواية عن خصوصية منزلة الزهراء عليها السلام عند أبيها، وعن صلةٍ لا يمكن اختزالها في رابطة النسب وحدها.
غير أن استحضار هذه المكانة لا ينبغي أن يتوقف عند حدود العاطفة؛ فالمحبة الصادقة لا تُقاس بما نعلنه فحسب، بل بما تتركه من أثرٍ في سلوكنا. وما قيمة أن نحبّ رمزًا للحق إذا تخلّينا عن الحق حين تعارض مع مصالحنا؟ وما قيمة أن نبكي المظلوم ثم نصمت أمام الظلم حين يقع في محيطنا؟
في القراءة الإمامية، ارتبطت مظلومية الزهراء عليها السلام بما جرى بعد رحيل أبيها، وبقضايا الحق وموقع أهل البيت عليهم السلام في مسار الأمة. وقد اختلفت الروايات والمواقف الإسلامية في بعض تفاصيل تلك الأحداث ودلالاتها، غير أن حضورها في الوجدان الإمامي يتجاوز استعادة الألم إلى سؤالٍ أخلاقي وتاريخي: ماذا يحدث حين تتعارض المبادئ مع موازين القوة؟
إن وقوع الحدث لا يمنحه صفة العدل، كما أن الغلبة لا تجعل صاحبها محقًّا بالضرورة. فلو كانت القوة دليلًا كافيًا على الصواب، لما احتاج الإنسان إلى ضميرٍ يراجع به أفعاله، ولا إلى رسالةٍ تميّز له بين ما يستطيع فعله وما ينبغي له أن يفعله.
ومن هنا تتجلّى دلالة موقف الزهراء عليها السلام في الوعي الإمامي؛ فالموقف من الحق لا يُقاس دائمًا بما يحققه من انتصارٍ فوري، بل بما يحفظه من حقيقةٍ لا يجوز أن تُمحى تحت ضغط الواقع. وقد لا يغيّر الاحتجاج موازين القوة في لحظته، لكنه يمنع القوة من أن تحتكر تعريف الحقيقة إلى الأبد.
وفي هذا السياق، يستحضر المسلمون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهي آية يحتل تفسيرها ومصداقها موقعًا مهمًا في البحث الإسلامي، ويربط التفسير الإمامي دلالتها بأهل الكساء، ومنهم فاطمة عليها السلام. كما يستحضرون آية المباهلة، التي تذكر ﴿نِسَاءَنَا﴾ ضمن سياق الدعوة إلى المباهلة، وتربط الروايات المشهورة في تفسيرها حضور الزهراء عليها السلام بهذه الواقعة.
إن استحضار هذه النصوص لا ينبغي أن يتحول إلى ترديدٍ منفصل عن أثرها؛ فالمكانة الدينية مسؤوليةٌ تدعونا إلى مراجعة مواقفنا. وإذا كانت القيم تظهر في المواقف الكبرى، فإن جذورها تتكوّن في الحياة اليومية؛ حيث يتعلم الإنسان كيف يكون صادقًا وعادلًا قبل أن يُطلب منه الثبات على الحق في ساعة الشدة.
البيت الذي صنع معنى الرسالة
ليس البيت تفصيلًا هامشيًا في سيرة العظماء؛ ففيه تُختبر القيم بعيدًا عن أعين الناس، وتنكشف حقيقة الإنسان في التفاصيل التي لا تصنع شهرةً ولا تمنح تصفيقًا. ومن هنا تكتسب حياة الزهراء عليها السلام مع أمير المؤمنين علي عليه السلام دلالةً تتجاوز حدود السيرة الأسرية.
ففي هذا البيت، كما تصوّره روايات أهل البيت وكتب سيرتهم، تتجلّى معاني الصبر والإيثار والوفاء والمشاركة في المسؤولية، وتربية الأبناء على الكرامة والصدق. لم تكن القيم شعاراتٍ منفصلة عن مشقة الحياة، بل معاني تُختبر في تحمّل المسؤولية، ورعاية الأسرة، ومواجهة الحاجة.
فالأسرة ليست مجرد اجتماع أشخاص تحت سقف واحد؛ إنها البيئة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف يرى الآخرين: أيرى فيهم شركاء في الكرامة، أم وسائل لتحقيق رغباته؟ وفيها يتعلم معنى العدل قبل أن يطالب به، والرحمة قبل أن ينتظرها، والوفاء قبل أن يمتحن وفاء الآخرين له.
ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الزهراء عليها السلام في مواقفها التاريخية وحدها، بل في عبادتها، وأمومتها، وعلاقتها بأمير المؤمنين عليه السلام، ودورها في تنشئة الحسن والحسين وزينب عليهم السلام. فالثبات في ساعة الشدة لا يُصنع في تلك الساعة وحدها، وإنما يتكوّن عبر اختياراتٍ يومية يتعلم فيها الإنسان أن الواجب قد يتقدم على الرغبة، وأن كرامة الآخرين ليست موضع مساومة.
ولعلّ هذه الدلالة هي ما يجعل سيرتها قريبةً من حياة الناس؛ فليس المطلوب أن نكتفي بالإعجاب بعظمة بيتها، بل أن نسأل عمّا نتعلمه منه: كيف نجعل الرحمة أساسًا لعلاقاتنا؟ وكيف نربي أبناءنا على احترام الإنسان، لا على التنافس في المظاهر؟ وكيف نحفظ للمحبة معناها حين تضغط علينا المصالح والاختلافات؟
إن المجتمع الذي ينشد العدل يحتاج إلى بيوتٍ تعلّم أبناءها احترامه، والأمة التي تريد صيانة قيمها تحتاج إلى أفرادٍ لا يتركون تلك القيم عند عتبة المنزل. وهكذا تلتقي الحياة الخاصة بالرسالة العامة، ويصبح الإيمان ممارسةً يومية لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
وحين تتجسد القيم في الحياة والموقف معًا، يصبح بقاء أثر الإنسان أكثر من مجرد ذكرى؛ يصبح معنىً يتجدد كلما احتاجت الأجيال إلى معيارٍ تراجع به اختياراتها. ومن هنا نصل إلى السؤال الذي تختصره سيرة الزهراء عليها السلام: ما الذي يمكن أن يبقى من الإنسان حين يرحل؟
ما الذي عجز الموت عن أخذه؟
إن إحياء ذكرى الزهراء عليها السلام لا يكتمل بالحزن على رحيلها، وإن كان الحزن تعبيرًا عن المحبة والوفاء، بل يكتمل حين يتحول إلى وعي، والولاء إلى التزام، واستذكار المظلومية إلى موقفٍ يرفض الظلم.
فما قيمة أن نبكي مظلوميتها إذا لم نتعلّم أن نرفض الظلم؟ وما قيمة أن نتغنّى بطهارتها إذا لم نسعَ إلى تهذيب نفوسنا؟ وما قيمة أن نعلن محبتها إذا لم تجعلنا أقرب إلى الصدق والعدل والرحمة؟
ليس المقصود اختزال مقامها في دروسٍ أخلاقية فحسب، بل إدراك أن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الاقتداء، وأن الولاء الذي يوقظ الضمير يمنح العاطفة معناها الأعمق. فالمعرفة التي لا تترك أثرًا في صاحبها تبقى ناقصة الأثر، مهما كثرت الكلمات التي تصفها.
قد يكثر الإنسان في ممتلكاته، ثم لا يبقى من كثرة ما جمعه ما يستحق الذكر؛ وقد يرحل في عمرٍ قصير، بينما يمتدّ الخير المرتبط بسيرته عبر أجيالٍ لم تعاصره. ليست العبرة أن يكثر حضور الإنسان في أعين الناس، بل أن يكثر الخير بسببه؛ وليس الخلود أن يبقى الجسد، بل أن يبقى من المعنى ما يعجز الزمن عن إطفائه.
لقد رحلت فاطمة الزهراء عليها السلام، لكن رحيلها لم يُغلق السؤال الذي تمثّله في الوجدان الإمامي: كيف نحفظ الحق حين يصبح امتحانًا؟ وكيف نصون القيم حين تكون الطريق إليها مكلفة؟ وهل نريد من التاريخ روايةً نرتاح إليها، أم نملك الشجاعة لنسمح له بأن يراجع اختياراتنا؟
إن الزهراء عليها السلام لم تبقَ لأن الموت عجز عن أخذ جسدها، بل لأن الجسد لم يكن كلّ ما تركته. بقيت بما تمثّله من صلةٍ برسالة النبوة، وبما أثارته سيرتها من أسئلةٍ عن العدل والوفاء، وبما تمنحه ذكراها للأجيال من فرصةٍ لمراجعة معنى الإيمان حين ينتقل من القول إلى الموقف.
فإذا كان التكاثر يملأ الحياة بما يزول، فإن الخير يمنحها ما يستحق البقاء. وإذا كان الزمن قد طوى عمر الزهراء، فإنه لم يستطع أن يطوي السؤال الذي تركته: ماذا بقي فينا من المعنى الذي عاشت الزهراء عليها السلام من أجله؟




