أقلام

حين يصبح الأثر حياة سيرة الشيخ محمد البقشي

طالب البقشي

إن بعض الشخصيات ترحل، لكننا نكتشف بعد رحيلها أن حضورها وتأثيرها كان أعمق من غيابها الجسدي؛ لأنها لم تكن تعيش لنفسها، بل كانت تمنح الآخرين شيئًا من علمها وضميرها وأخلاقها، فيصبح أثرها جزءًا من حياة من عرفوها، وتستمر حياتهم المعنوية في عقول الناس وضمائرهم وسلوكهم، وتظل كلماتهم ومواقفهم وأخلاقهم حاضرة بعد رحيلهم بعقود أو قرون، لا سيما العلماء والمربون؛ فلا يُقاس أثرهم بما خلّفوه من تراث علمي فحسب، بل بما زرعوه في النفوس من علم، وفي العقول من وعي، وفي الأخلاق من استقامة.

وأجمل ما يتركه العالم بعد رحيله ليس أن يظل الناس يذكرون اسمه فحسب، بل أن يستمروا في ممارسة الخير الذي تعلّموه منه، وأن يحملوا أمانته العلمية وأخلاقه في حياتهم. وهكذا، قد يغيب الجسد، لكن صاحبه يظل حاضرًا في كل فكرة أنارها، وكل طالب علّمه، وكل خُلُق جميل غرسه في إنسان.

والشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن أحمد السليمان البقشي عالم أحسائي جمع بين العلم والخط وخدمة الناس، وتُعد سيرته مثالًا لشخصية من علماء الأحساء الذين لم يقتصر أثرهم على طلب العلوم الدينية ونسخ الكتب، بل امتد إلى الجمع بين طلب العلم والتدريس والنسخ والإمامة وخدمة المجتمع، وكتابة الوثائق والوصايا، ورعاية شؤون الأيتام والقاصرين، والإسهام في استمرار التعليم الديني في الهفوف بعد وفاة أستاذه المرجع الديني الشيخ موسى أبي خمسين.

نبذة عن مولده

هو الشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن سليمان البقشي، من بيت البقشي المعروف بالوجاهة والمكانة الاجتماعية. وُلد في مدينة الهفوف سنة (1292هـ)، وعاصر مرجع الدين الشيخ محمد بوخمسين.

النشأة والأسرة

نشأ في أسرة صالحة بين أبوين كريمين، وفي بداية حياته عمل الشيخ محمد في صياغة الذهب مع أخيه الأكبر الحاج عبد الله العلي البقشي. وتكشف هذه المرحلة جانبًا من حياته قبل التفرغ لطلب العلوم الدينية، إذ بدأ مسيرته بالعمل المهني.

حياته الشخصية

تزوج زوجتين؛ الزوجة الأولى آمنة عبد الله البقشي، وبعد وفاتها تزوج بتلة أحمد آل موسى. وله من الأبناء اثنان، حسن وحسين، وبنت واحدة، آمنة.

تحصيله العلمي

اتجه الشيخ محمد البقشي إلى طلب العلوم الدينية بعد سنوات من العمل في الصياغة، وتلقى علومه الدينية في الأحساء على أعلام علمائها، وأبرزهم الشيخ موسى بن عبد الله أبو خمسين، والشيخ إبراهيم بن عبد المحسن الخرس. كما أنه كان من طلاب مدرسة الميرزا علي الحائري، وهي الحوزة التي أسسها الميرزا علي أثناء إقامته في الأحساء إلى هجرته منها سنة 1373هـ، وكان مقرها في حي الفوارس بالهفوف، حيث اتخذ أحد المنازل محلًّا للدرس، فكان ممن تخرج على يديه ثلة من العلماء، من أبرزهم الشيخ محمد البقشي، والشيخ عبد الله الوصيبعي، والشيخ أحمد أبو علي، والشيخ كاظم الصحاف، والشيخ علي بن شبيث، والعلامة الشيخ محمد بن سلمان الهاجري.

وفي حوار جرى حديثًا مع حفيده محمد حسين البقشي، يذكر أن الشيخ رحل إلى العراق ودرس في حوزة النجف برهة من الزمن، وبعدها عاد إلى الأحساء بعد أن بلغ تحصيله الدراسي مستوى السطوح العليا.

صفاته الأخلاقية

تمتع الشيخ محمد البقشي بالزهد والورع والتقوى. وذكر الباحث أحمد البقشي في مقالة له بعنوان «رسالة تعزية 4» في موقع المطيرفي، أنه يُنقل عن الشيخ صالح السلطان وصفٌ لالتزامه الديني واحتياطه في تصرفاته بما يوافق الشرع المقدس. وكذلك ذكر أنه يُنقل عن شيخ المؤرخين جواد الرمضان قوله: «لم يكن للشيخ محمد رحمه الله نظير في الاحتياط في الدين والنزوع عن الدنيا». وهذه شهادات اجتماعية ذات قيمة في رسم صورته لدى معاصريه.

أعماله وإنجازاته

التدريس في الحوزة العلمية في الهفوف

من أبرز المحطات في حياته مشاركته في استمرار نشاط الحوزة العلمية في الهفوف بعد وفاة الشيخ موسى أبي خمسين سنة 1353هـ. وذكر الشيخ محمد الحرز في مقال «دراسة الحوزات العلمية في الأحساء» أن الشيخ محمد البقشي والشيخ أحمد بن إبراهيم البوعلي تولّيا التدريس في الحوزة مدة من الزمن بعد وفاة الشيخ موسى، قبل أن تتوقف الحوزة عن الاستمرار بسبب الظروف التي مرت بها الأحساء في تلك المرحلة.

تلاميذه

وفي حوار مع الباحث في التراث الأستاذ سلمان الحجي، ذكر أن من الذين تتلمذوا على يد الشيخ محمد البقشي الشيخ عبد الوهاب الغريري والشيخ أحمد الطويل.

اهتمامه بالجانب الأدبي

ينقل حفيده محمد حسين البقشي أن الشيخ كان له اهتمام بالأدب؛ فقد كان يكتب الشعر وله مقطوعات شعرية، وفي سفره إلى العراق كان يلتقي بالشيخ أحمد الوايل في الكاظم، ويتبادل معه الشعر.

دوره الديني والاجتماعي في الأحساء

كان له دور اجتماعي يتجاوز الوظيفة الدينية بالمعنى الضيق، إذ ارتبط عمله بكتابة الوثائق والوصايا المتعلقة بالتملكات والتركات، وامتد ليشمل حفظ الحقوق، وضبط الحسابات، وتنفيذ الوصايا، وتقسيم التركات. فقد تولّى شؤون أموال ومصالح عدد من الأيتام والقاصرين وفاقدي الأهلية من أقاربه ومن سكان بعض أحياء الهفوف، وامتد دوره الاجتماعي إلى الجفر والمطيرفي والمبرز، كما أشرف على تنفيذ وصايا بعض المتوفين وما يتعلق بها من صدقات وأعمال بر.

إمامته لصلاة الجماعة

كان يقيم صلاة الجماعة في بيته وفي المجلس الحسيني الذي أوقفته الحاجة زينب بنت علي البقشي، وقد دوّن الشيخ وصية الوقفية للحاجة زينب البقشي بخط يده. وتولّى إمامة الجماعة في الجامع الكبير، المعروف بمسجد أبي خمسين، بعد انتقال الميرزا علي الحائري إلى الكويت، كما أقام الجماعة في مسجد الرفعة الشمالية على فترات.

أثره في حفظ تراث الأحساء العلمي

يُعد الشيخ محمد بن علي البقشي، رحمه الله، من أبرز وأشهر النساخين الأحسائيين وأجملهم خطًّا؛ فقد تم على يديه نسخ عشرات المخطوطات، وكانت مخطوطاته تمتاز بالالتزام بقواعد الخط وفنونه واللغة، مما جعلها محل رغبة لدى العلماء والأعيان في البلاد. وقد دوّن بخطه:

الرسالة العملية في الطهارة والصلاة: تأليف الشيخ محمد بن عبد الله آل عيثان (1260–1331هـ)، وهي تقع في 371 صفحة.

تبصرة للإخوان الخلان في بيان سورة الرحمن: تأليف الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري.

أجوبة مسائل الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي: تأليف الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري، وهي مسائل أجاب عنها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1166–1241هـ)، وتقع في 9 صفحات.

رسالة في إثبات المعاد الجسماني بالعقل: تأليف الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي، وتقع في 53 صفحة.

ديوان النور: تأليف الشيخ محمد بن الشيخ حسين الصحاف (توفي سنة 1313هـ)، ويبلغ عدد أبياته حوالي خمسمائة بيت، وكله في مدح أهل البيت ورثائهم.

القرآن الكريم: بدأ نسخها سنة 1336هـ، واسم الواقف الفقيه الشيخ موسى بن عبد الله آل أبي خمسين (1298–1353هـ)، وذلك بطلب من أستاذه الشيخ موسى أبي خمسين. ومكان الحفظ مسجد أبي خمسين، الواقع بمدينة الهفوف، في حي الرفعة. كما توجد نسخ أخرى من المصحف بخطه في مكتبة الشيخ صالح السلطان، ولدى أسرة آل بن خليفة.

كما قام الشيخ محمد البقشي بنسخ سبع رسائل علمية من المؤلفات والمخطوطات الأحسائية التي تعود إلى القرن الثالث عشر الهجري، من مصنفات الشيخ محمد بن عبد الله بن رحمة الأحسائي، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ علي نقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ محمد بن حسين بن علي، والسيد كاظم بن قاسم الرشتي. وهي مقيّدة بتملّك وحيازة ملا كاظم بن الحاج محمد صالح المطر، وعليها ختم «الحوزة العلمية بالأحساء». وتكمن أهمية هذا المجموع في احتوائه على رسائل تُعد النسخة الوحيدة لها داخل الأحساء وخارجها. كذلك نسخ الشيخ محمد، رحمه الله، عددًا من المخطوطات، منها تحفة الشيخ عبد المحسن اللويمي، ومخطوط منار العارفين للعلامة الشيخ محمد بن الشيخ حسين آل أبي خمسين، ومخطوط ديوان الدرر الفاخرة للشيخ عبد الله بن علي الوايل الأحسائي.

وتبرز أهمية هذا الجانب من نسخ المخطوطات في أن النسخ كان وسيلة أساسية لحفظ التدوينات العلمية وتداولها في البيئات العلمية قبل انتشار الطباعة. ومن خلال هذه النسخ، يمكن دراسة أنواع الكتب المتداولة في الأحساء، والموضوعات التي اعتنى بها علماؤها، وطرائق الكتابة في المخطوطات المحلية.

توفي الشيخ محمد بن علي البقشي في 15 رجب 1375هـ، بمدينة الهفوف، ودُفن في مقبرة البغلي بطرف الخدود في الأحساء، عن عمر ناهز 84 عامًا.

المصادر

مقال الأستاذ أحمد البقشي «رسالة تعزية 4 وتفاصيل حياتية» في موقع المطيرفي.

إفادة حفيده محمد حسين، حفيد الشيخ محمد البقشي.

إفادة الباحث الأستاذ سلمان الحجي.

إفادة أبي زاهد العوض.

مقال الشيخ محمد الحرز «الحوزات العلمية في الأحساء» في موقع الأحساء تراث.

مقال الشيخ محمد الحرز «نسخة القرآن الموقوفة على مسجد آل أبي خمسين» في موقع جهات.

مقال الشيخ محمد الحرز «مكتبة الشيخ كاظم المطر الأحسائي للمخطوطات والنوادر» في موقع المطيرفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى