أقلام

رشفة ثقافية مع أبي علي – الفكاهة والهزل في الشعر القديم (4-4)

أحمد رضا الزيلعي

وحدث مرة أن الخليفة علم أن أبا دُلامة خرج من عنده وشرب وسكر، فأرسل الخليفةُ من اعتقله وهو سكران، وأمر السجّان بأن يضعه في حظيرة الدجاج في السجن، فلما أفاقَ وعرف بالخبر كتب للخليفة شعرًا يقول.

أميرُ المؤمنين فَدَتك نفسي  ففيمَ حبستني وخرقتَ ساجي

أُقاد إلى السجونِ بغير ذنبٍ  كأني بعضُ عُمّال الخراجِ

فلو معهم حُبِسْتُ لهان وجدي  ولكني حُبستُ مع الدجاجِ!

فضحك الخليفة وأطلق سراحه.

خرج الخليفة المهدي وعليّ بن سليمان في رحلة صيد، فلما أُجريت الخيل وأُرسلت الكلاب، رمى المهدي سهمًا فأصاب ظبيًا، ورمى عليّ بن سليمان سهمًا فأصاب بعض كلابه فقتله، فقال أبو دلامة، مضحك الخليفة:

قد رمى المهدي ظبيًا شكَّ بالسهم فؤاده، وعليُّ بن سليمان رمى كلبًا فصاده، فهنيئًا لهما، كلُّ امرئٍ يأكل زاده.

فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه.

الشاعر أبو العيناء

وهذا الساخر يُعدّ من كبار شعراء العصر العباسي الأول، عُرِف بالفصاحة والظرافة، وتُروى عنه نوادر كثيرة. وكان من المتكسبين، ولكنه لا يتوسّل كالضعفاء والمساكين، وإنما يطلب بجرأة، وكأنه يأخذ حقًّا له.

سيرته:

هو أبو عبد الله محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان اليمامي الهاشمي (191هـ – 283هـ)، ولُقِّب بأبي العيناء. شاعر من العصر العباسي الأول، عُرِف بالفصاحة والظرافة، وتُروى عنه نوادر كثيرة، وكان ضريرًا معاصرًا للمتوكل العباسي.

قال ساخرًا من الوزير أسد بن جوهر:

تعس الزمان لقد أتى بإعجابِ

ومحا رسوم الظرف والآدابِ

وأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي

فيهم رددتهم إلى كتابي

جيلٌ من الأنعام إلا أنهم

من بينها خُلقوا بلا أذنابِ

وقال في الوزير أحمد بن الخطيب:

قال للخليفة: يا ابن عم محمدٍ

أشكل وزيرك إنه ركالُ

قد نال من أعراضنا بلسانه

ولرجاله بين الصدور مجالُ

امنعه من ركل الرجال، وإن تردْ

مالًا فعند وزيرك الأموالُ

ابن سودون المصري

من كبار الساخرين في مصر في العصر المملوكي [المماليك البرجية] (*).

نور الدين أبو الحسن علي بن سودون العلائي البشبغاوي المصري (القاهرة 810 – دمشق 868هـ)، شاعر وكاتب مصري مملوكي ساخر، برع في الكتابة باللهجة المصرية والعربية. يُعتبر من أحسن الكتّاب الساخرين الذين ظهروا في تاريخ مصر. وُلد ابن سودون في القاهرة سنة 1407م، ودرس على مشايخ وكتّاب عصره، فكانت ثقافته متنوعة ومتفوقة في كل فنون القول. اشتغل إمامًا في جامع، وشارك في معارك عسكرية، لكنه اتجه إلى كتابة القصص والأشعار والأغاني المضحكة. سافر من مصر إلى دمشق، واشتغل مخايليًّا لفن خيال الظل، الذي برع فيه ابن دانيال (*)، وتوفي في دمشق.

ونورد من أشعاره هذه القصيدة التي يقول فيها:

عجبٌ عجبٌ هذا عجبٌ، بقرٌ تمشي ولها ذنبُ

ولها في بزبزها لبنٌ يبدو للناس إذا حلبوا

من أعجب ما في مصر يُرى الكرم، يُرى فيه عنب

والنخل يُرى فيه بلحٌ أيضًا، ويُرى فيه رطب

أو سيم بها البرسيم، وكذا في الجيزة قد زُرع القصب

والمركب مع ما قد وسقت في البحر بحبل تنسحب

والناقة لا من قال لها، والعنزة ليس لها قنب

لا بد لها من سببٍ حذر، فزر ماذا السبب

ومن مفارقاته قال:

إذا ما الفتى في الناس بالعقل قد سَما

تيقن أن الأرض من فوقها السما

وأن السماء من تحتها الأرض لم تزل

وبينهما أشياء إن ظهرت تُرى

وكم عجب عندي بمصر وغيرها

فمصر بها نيل على الطين قد جرى

وفي نيلها من نام في الليل بلَّه

وليست تبل الشمس من نام في الضحى

بها الفجر قبل الشمس يظهر دائمًا

وبها الظهر قبل العصر قيل بلا مِرا

وفي الشام أقوام إذا ما رأيتهم

ترى ظهر كلٍّ منهم وهو من وراء

بها البدر حال الغيم يخفي ضياءه،

بها الشمس حال الصحو يبدو لها ضياء

وتسخن فيها الناس في الصيف دائمًا

ويبرد فيها الماء في زمن الشتا.

وفي الصين صيني إذا ما طرقته

يطن كصيني طرقت، سواء سواء.

متفرقات:

كان أبو حيان التوحيدي لا يرى مِنّةً عليه لأحد، وإذا دعاه أحدهم إلى طعام قابله على إحسانه مستشهدًا بشعر المتنبي بقوله:

أَهوِنْ بِطولِ الثَواءِ وَالتَلَفِ

وَالسِجنِ وَالقَيدِ يا أَبا دُلَفِ

غَيرَ اِختِيارٍ قَبِلتُ بِرَّكَ بي

وَالجوعُ يُرضي الأُسودَ بِالجِيَفِ

كُنْ أَيُّها السِجنُ كَيفَ شِئتَ فَقَدْ

وَطَّنتُ لِلمَوتِ نَفسَ مُعتَرِفِ

لَوْ كانَ سُكنايَ فيكَ مَنقَصَةً

لَمْ يَكُنِ الدُرُّ ساكِنَ الصَدَفِ

فإذا عاتبه على كفران النعمة، أنشد شعرًا ليزيد المهلبي قائلًا:

ما كنتَ إلا كلحمِ ميتٍ

دعا إلى أكلهِ اضطرارُ

قال البهاء زهير يداعب صديقًا له:

أرحني منك حتى لا أرى منظرك الوعرا

فقد صرت أرى بعدك عني الراحة الكبرى

فما تنفع في الدنيا ولا تنفع في الأخرى

ورآه مرة على بغلة، فقال له:

لك يا صديقي بغلة ليست تساوي خردلة

تمشي فتحسبها العيون على الطريق مشكلة

وتخالها مدبرةً إذا ما أقبلت مستعجلةً

أحمد بن محمد الإفريقي (المعروف بأبي الحسن المتيم).

عاش في القرن الرابع للهجرة، وهو أحد الأدباء الشعراء، له من التصانيف كتاب «الشعراء الندماء»، و«كتاب الانتصار المنبي عن فضل المتنبي»، وغير ذلك، وله ديوان شعر.

من شعره الذي يدعو إلى الابتسام، ما اشترط به على الله سبحانه وتعالى بأنه سيصلي إذا وسّع الله عليه في رزقه…!

تلومُ على ترك الصلاة حليلتي … فقلتُ: اغربي عن ناظري أنتِ طالقُ

فواللهِ لا صلّيتُ لله مفلسًا … يصلّي له الشيخُ الجليلُ وفائقُ

وتاشٌ وبكتاش وكنتاش بعده … ونصر بن ملك، والشيوخ البطارقُ

وصاحب جيش المشرقين الذي له … سراديبُ مالٍ حثوها لي شائقُ

ولا عجبٌ إن كان نوحٌ مصلّيًا … لأن له قسرًا تدين المشارقُ

لماذا أصلي؟ أين مالي ومنزلي؟ … وأين خيولي والحلى والمناطقُ؟

وأين عبيدي كالبدور وجوههم؟ … وأي جواري الحسان العواتقُ؟

أصلّي ولا فترٌ من الأرض يحتوي … عليه يميني؟ إنني لمنافقُ

تركت صلاتي للذين ذكرتهم … فمن عاب فعلي فهو أحمق مائقُ

بلى، إن عليَّ وسّع الله لم أزلْ … أصلي له ما لاح في الجو بارقُ

وإن صلاة السيئ الحال كلها … مخارق ليست تحتضن حقائقُ

اللواساني والضيوف الثقلاء

أبو القاسم الحسين بن الحسن بن واسان بن محمد اللواساني الدمشقي (؟ – 394هـ/1003م) هو شاعر عربي عاش في العصر العباسي.

له قصيدة طويلة تبلغ أبياتها 195 بيتًا في الضيوف الثقلاء الذين نزلوا داره، قال فيهم:

من لعين تجود بالهملانِ

ولقلبٍ مدلّهٍ حيرانِ

يا خليليَّ أقصرا عن ملامي

وارثيا لي من نكبتي وارحماني

والقصيدة طويلة، نذكر منها:

ومن وصفه لضيوفه قال:

ضرب البوق في دمشق ونادوا

لشقائي في سائر البلدانِ

النفير النفير بالخيل والرجْ

ل إلى فقر ذا الفتى الواساني

جمعوا لي الجموع من خيل جيلان

وفرغانة إلى ديلمانِ

ومن الروم والصقالب والترْ

ك وخلقًا من بلغر واللانِ

ومن الهند والطماطم والبرْ

بر والكيلجوح والبيلقانِ

لم يبقوا ممن عددت من الآفاق

من مسلم ولا نصراني

والبوادي من الحجاز إلى نجدٍ

معديُّها مع القحطاني

كل ضرب فمن طوال ومن حدْ

ب قصار والحول والعورانِ

وشيوخ مثل الفراخ وشبّان

رحاب الأشداق والمصرانِ

إلى قوله:

لست أنسى مصيبتي ويوم جاءوا

ني وقد غص منهم الواديانِ

وردوا ليلة الخميس علينا

في خميس ملء الربا والمحاني

متلئبٍّ كالسيل لا يلتقي منْ

ه لفرط انتشاره الطرفانِ

شزروني بأعين تقدح النيران

خوصٍ إلى العدو زواني

ويختم قصيدته التي بلغت 195 بيتًا بالقوله:

هائم الفكر ساهر الليل باكي ال

عين واهي القوى ضعيف الجنانِ

الخاتمة:

إن أكثر الشعر العربي فكاهةً وسخريةً ظهر في العصر العباسي، كما رأينا، وكان يرتكز على خرق المحظورات الثلاثة: الجنس والدين والسياسة. اللافت للنظر أن كتب التراث العربي قد حفلت ـ أكثر ما حفلت ـ بالشعر القائم على تناول المحظور الجنسي، فيما عُرف باسم شعر الخلاعة والمجون، ونبغ فيه بشار بن برد على سبيل المثال. وقد ظهر من القدماء من يبرر ذلك تبريرًا منطقيًّا وواقعيًّا، كما يراه البعض، يقول ابن قتيبة (ت 276هـ):

“وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة، وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مر بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تضحك منه أو له، فاعرف المذهب فيه وما أردنا به… وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو وصف فاحشة، فلا يحملنك الخشوع أو التدين على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيبة”.

وهو ما يؤيده فيه الحصري القيرواني والثعالبي والنويري وغيرهم كثير.

والحمد لله.

الهوامش

إعداد يوسف ناشي.

15 مايو 2025م.

17 (القعدة) 1446هـ

قشاجم

الشاعر العاطفي الرقيق، وتطلق عليه بعض المصادر شاعر الولاء والعقيدة، عمل طباخًا لسيف الدولة بن حمدان.

اسمه: أبو الفتح محمد بن محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك الرملي (حوالي 292هـ – 360هـ)، المعروف بلقبه كُشاجم أو قشاجم (بضم الكاف وفتحها)، نسبته إلى الرملة بفلسطين، شاعر وأديب مسلم شيعي، من كتّاب الإنشاء، وهو من أصل هندي (فارسي الأصل). تنقل بين دمشق وحلب والقدس وبغداد ومصر وحمص. واستقر أخيرًا في حلب بسورية، فكان من شعراء عبد الله، والد سيف الدولة بن حمدان، ثم ابنه سيف الدولة أمير حلب. له ديوان شعر ومصنفات أخرى، كأدب النديم والمصايد والمطارد والرسائل وخصائص الطرب والطبيخ، وهي حرفته.

الجاحظ

أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري، المعروف بالجاحظ (بسبب جحوظ عينيه ووجود نتوء واضحة في حدقتيه، ولذلك لُقّب أيضًا بـ«الحدقي»، وهو لقب أقل ذيوعًا وشهرة من لقب «الجاحظ»)، (159–255هـ)، أديب وعالم لغوي ومن كبار أئمة الأدب في العصر العباسي (اعتنق مذهب الاعتزال)، وُلد في البصرة وتوفي فيها. وفي رسالة الجاحظ التي اشتهرت عنه، مدح فيها نفسه حيث قال: «أنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس وعصبة». له مؤلفات كثيرة ومتنوعة، منها: كتاب البخلاء، وكتاب نوادر الحسن، والمزاح والجد، والطفيليين، والعرجان والبرصان، والسودان والبيضان، ومن أشهر كتبه البيان والتبيين وكتاب الحيوان…

الخطيب البغدادي

أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي (24 جمادى الآخرة 392هـ = 10 مايو 1002م – 463هـ = 1071م)، مؤرخ عربي، أشهر مؤلفاته كتاب تاريخ بغداد…

الحصري القيرواني

أبو إسحاق علي بن عبد الغني الفهري الحصري الضرير أبو الحسن (420هـ – 488هـ / 1029 – 1095م)، وُلد في حي الفهريين بمدينة القيروان.

عبد الملك الثعالبي

من أئمة اللغة والأدب، من أهل نيسابور. كان فرّاءً يخيط جلود الثعالب، فنُسب إلى صناعته. واشتغل بالأدب والتاريخ فنبغ، وصنّف الكتب الكثيرة الممتعة، أشهرها يتيمة الدهر. وُلد سنة 350هـ – 961م، وتوفي سنة 429هـ – 1038م.

الأخفش

أشهر من لُقّب بالأخفش ثلاثة من علماء النحو واللغة.

الأخفش الصغير: علي بن سليمان، عالم بالنحو جمع بين المدرستين البصرية والكوفية، وُلد عام 235هـ، وتوفي عام 315هـ.

الأخفش الأوسط: هو سعيد بن مسعدة، من علماء النحو واللغة، سكن البصرة، وتوفي عام 215هـ. تتلمذ على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي ثم سيبويه، زاد بحر «الخبب» الذي سُمّي أيضًا «المتدارك» في علم العروض، وهو أول من دوّن علم الصرف، وكان الأخفش هو الطريق إلى كتاب سيبويه، ولما مات سيبويه قُرئ الكتاب على الأخفش.

الأخفش الكبير: هو عبد الحميد بن عبد المجيد، وُلد بهجر في البحرين، وهو نحوي عربي سكن البصرة، ويُعد أول من كتب تفسير الشعر بين السطور. توفي عام 177هـ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى