حب من طرف واحد .. يا دكتور

كمال الدوخي
افتتحنا منصة خاصة لاستقبال مشاركة الكتّاب في الصحيفة، ومن سوء الحظ أن المقالات في فترة التجربة من افتتاح المنصة، أصبحت بين يدي كي يتمكن المحررون من آلية عمل المنصة، وهكذا أُصبت بدعوة مظلوم في ليلة قدر، بلاء لا يشبهه بلاء.
كنا نعرف مستوى الكاتب من نصه، لكننا الآن نقرأ مقالات متخمة بأدوات الذكاء الاصطناعي، منسقة، “منحونة، منملئة” (أي صحيحة النحو والإملاء)، والمشكلة عندما نسأل هذا الذكاء تبت يداه، هل هذا المقال من صنع يديك؟! يتبرأ براءة الذئب من دم جوزيف.
عشرات المقالات تتساقط على رأس إدارة التحرير خلال أقل من عامين في انفجار ليس بركانياً، ولا سكانياً، بل فجأة خرج من تحت كل بلاطة كاتب يريد القرب من بلاط الصحافة برأيه.
لا أخفيكم، لم أكن غافلاً عما يعمل “الكاتبون”، فكون أننا معشر الصحفيين، نعيش بين السطور والأحرف، سرعان ما انكشف سبب هذا النبوغ المفاجئ لشخص بالأمس لا يحسن كتابة سطر مسطور.
كنا نشتكي من الأخطاء المطبعية والنحوية، ونزيد موظفين لتحرير هذه الخطيئة التي يرسلها بعض الكتّاب.
أما الآن فالنحو سليم، والإملاء عظيم، لكنه نص كتبه شيطان رجيم، خلال ١٣ ثانية، وكل دعائي وأنا أراجع المقالات قبل إرسالها للنشر، اللهم إن كان هذا مقال ذكاء اصطناعي فأبطله.
وهكذا وإذ بي أكتشف أن نصف ما يصل من المقالات بالذكاء الاصطناعي؛ فأدوات الكشف التي استحدثناها في المنصة لم تكن تعمل بعد، لكن مجرد قراءة بسيطة أوصلتني لهذه النتيجة. فاللعبة لعبتنا والفن فننا.
فلكل كاتب بصمة وعندما تتغير البصمة، وتصبح بصمة أصبحنا ندركها جميعاً أنها تخص سماحة العلامة “الـai”، يفقد الكاتب احترامه لدينا، وأي احترام لمزور نسب لنفسه مقالاً لم يكتب منه إلا فكرته في سطر وتوالت عليه الأسطر بفعل فاعل.
ما الفرق بين مزور شهادة الدكتوراه، ومزور المقالات؟! سؤال “يا متعلمين يا بتوع الشات جي بي تي”، أما آن لكم التوقف قبل أن تلزمنا وزارة الإعلام أن نكتب أعلى مقالاتكم “محتوى مكتوب بالذكاء الاصطناعي”.
فالتطبيقات الجديدة لكشف النصوص “الملطوشة” من الذكاء الاصطناعي تطورت كثيراً، وكما أصبحت منصة الفيس بوك والانستغرام تتعرف على المحتوى المصنوع بالـai، وتضع عليه إشارة بذلك، قريباً ستصبح تطبيقات “الوورد بريس”، التي تسيطر على غالبية الصحف الإلكترونية قادرة على التعرف وستضع إشارة الذكاء الاصطناعي، عندها ستقولون ستر علينا كمال وفضحنا “الوورد بريس” أعاذنا الله من فضائحه.
دكتور أو مهندس يا جماعة وكاتب يكتب قبل أن نسمع بالذكاء الاصطناعي وإذ به، يصبح كاتبا يومياً، بمقالات بمثابة معلقات لطولها الممل، ولكن لمَ لا نطول؟! فما من تعب، فكاتبها الذكاء الاصطناعي أعلى الله مقامه.
المضحك أنهم لا يقرؤون ما يرسلون بحرص بعدما أفاض عليهم الـai بنصه، فالأخطاء بالمفاهيم واقع حال، فكم من خطأ سترته، وكم من فادح من القول أقلته، وكم من مقالٍ جميلٍ لستَ أهلاً له لكني نشرته.
ولم أنشره لشيء إلا خجلاً، كيف أقول له ما هكذا الظن بك ولا المعروف عن قلمك، وأنت تنسب لنفسك ما ليس لك.
للكاتب في كيفية التنقل بين الفقرات، وتراكيب الربط المكررة، وطريقة الاقتباس وإيقاع الجمل، هذا كله علامات تميز الكاتب، وقد تكون فضيحة وليست مجرد سمة أو بصمة للكاتب.
ولا يخفى على عاقل أنها مخالفة نظامية، تعرض الكاتب للمسائلة القانونية، وسقوط حق الأصالة الموجب بنظام حقوق المؤلف الصادر عام ١٤٤٧ هجري.
فيا معشر الكتاب المزورين، لا تبيعوا (الماي بحارة السقايين)، فأنتم تحبون أن تصبحوا كتّاب، لكنه “حب من طرف واحد”.





