بشائر المجتمع

وفاء بو خمسين بين واحتين

رباب حسين النمر : الأحساء 

استضافت مؤسسة (حكايا) للنشر والتوزيع، تحت مظلة جسر الثقافة ضمن فعاليات الشريك الأدبي، استضافت الكاتبة وفاء علي بو خمسين، مساء الخميس الماضي بمكتب أصل التميز بالهفوف بإدارة سارة بوخمسين، في جلسة حوارية بعنوان (رحلة الانتماء الثقافي) لمناقشة باكورة كتبها (بين واحتين) الذي تناول وصف رحلة مغتربة بين السعي لطلب الرزق، وشعور الانتماء. الأمسية سارة بو خمسين.

افتتحت الأمسية الحوارية مديرتها سارة بو خمسين بتعريف الجمهور بضيفة الأمسية وذكرت شيئًا من سيرتها الذاتية، فقالت:

“وفاء حاصلة على بكالريوس لغة عربية، وهي من مؤسسات نادي هجر للخطابة توستماسترز، وكانت عضوة في النادي الأدبي بالأحساء، ولها عدة مؤلفات بعضها بالتعاون مع زوجها الكاتب إبراهيم بو خمسين، ويعد كتاب (بين واحتين باكورة مؤلفاتها)”.

ثم انتقل الحديث إلى الضيفة وفاء التي هنأت الضيفات في مقدمتها بالليالي الرمضانية الشريفة، وهنأت الوطن الحبيب بذكرى التأسيس للحكومة الرشيدة، وشكرت القائمين على منتدى جسر الثقافة للاستضافة وإتاحة فرصة الحديث.

ارتكز حديث بو خمسين على عدة محاور ضمن حوارها مع مديرة الأمسية:

ظروف تأليف (بين واحتين) وتعريف موجز له وبيان أهميته:

قالت بو خمسين :”كتاب بين واحتين هو الإصدار الأول، جاء نتيجة الانتقال لمناطق بعيدة في مدينة نجران، ولم أكن قد كتبت أي شيء يذكر قبل هذا الكتاب فلم تكن ثمة خواطر ولا وريقات، فقد كان هو البداية نتيجة تجربة الانتقال للعمل معلمة في مدينة نجران. وبعد انتهاء التجربة ونقل مقر العمل والعودة إلى مدينتي الأحساء واستقرت أموري في المدرسة التي انتقلت إليها، وبعد استقرار أموري في منزلي بين زوجي وأبنائي بدأت أكتب، فكان كتاب بين واحتين، ثم بدأت في كتابة المقالات التي تنوعت موضوعاتها بين أدب الرحلات، وعن واقع الحياة، وبعض الموضوعات الاجتماعية، وكنت أنشرها في مواقع التواصل الاجتماعي”.

وأضافت: “يعد كتاب بين واحتين كتاب انتماء حيث أن مسقط رأسي هو الأحساء، وقد تجذرت في ذاكرتي عيون الماء وبساتين النخيل والأرض حتى كوّنتها. كنت أريد التحدث عن نجران وطبيعتها وتجربتي فيها، ولكنني لم أستطع إغفال انتمائي إلى الأحساء والكتابة. كنت ابنة واحة الأحساء وتجارب الطفولة التي مر بها أبناء الأحساء في تلك الحقبة متجذرة في روحي، مثل عيون الماء والذكريات الخاصة بالأطفال، والألعاب المميزة والفريج، ولا يمكن إغفال هذه الحقبة”

سيرة ذاتية مبكرة

“صدر كتابي قبل ثلاثة عشر عامًا، ويعد كتابي من أوائل الكتب النسائية التي صدرت في السيرة الذاتية، فيستحيل في ذلك الوقت أن توجد امرأة تتكلم عن بيتها وأطفالها وزواجها، ولذلك أعد من المبتدئات القليلات اللواتي خضن هذا الموضوع في الكتابة، وكان هذا الأمر يتطلب مني شجاعة وإقدامًا، وفي ذلك الوقت قبل زمن الانفتاح انتقد بعض المتلقين هذا التوجه والتحدث عن أمور خاصة برأيهن، وتناول المشاعر مع الزوج والعيال، لأن كل هذه الأمور كانت مرصودة بالكتاب.”

سبب التسمية

“بدأت الكتاب بذكر سبب التسمية (بين واحتين) واحة الأحساء وواحة نجران التي تقع بين الجبال القاحلة، وتحيط بها صحراء الربع الخالي، والأحساء تحيط بها صحراء الدهناء، فهنا واحة وهناك واحة. كان والدي علي بو خمسين رحمه الله ووالد زوجي مثقفين يدمنان القراءة، وكانا يخبرانني أن عيون الماء في الأحساء لم تتكون فقط من مطر الأحساء، بل هناك أمطار تسقط في المنطقة الغربية وتجري على شكل أنهار تصب في عيون الأحساء حتى تكونت. وقد تكونت لديّ صلة بالمكان بشكل عميق لدرجة التعلق الشديد بالمكان الذي سحرني، ولذلك ربطت بين الواحتين الأحساء ونجران.”

ارتباط الأحساء بالمدن الغربية وعيون الماء

“من مسميات نجران رتاج ومعناه جمع الماء، وقد كتبت عن الأحساء في بداية الكتاب ورصدت عدد العيون، وذكرت الحكايات المتعلقة بها، وكانت هناك تفاصيل عن السباحة في عيون الماء، والرحلة الأسبوعية لعيون الماء حيث كانت أمي تصحبنا معها إلى إحدى عيون الماء كل أسبوع، ولكل عين خصائص، من ناحية الملوحة والحلاوة. فلم تكن هناك دورة مياه نستحم بها في المنزل”

ذاكرة التمر

كنا نخزن التمر في الجصة، ثم نقوم بنقش التمر بأصابعنا الصغيرة، وكنا نبادل بالتمر ما نحتاجه من سلع، كان ذلك عندما كنا نعيش في حي الفوارس. وقد رصدت هذه الظواهر في كتابي بين واحتين، جاء بعدي كتاب مثل عبد الله البطيان وكتبوا عن الظواهر الشعبية، وكذلك فوزي صادق بتفصيل أكثر.

ذاكرة الدمام

كتبت عن فترة الدمام شيئًا قليلًا، لأن الأحساء كانت هي أصل التنشئة، ثم انتقلنا إلى الدمام، وكانت والدتي متمسكة كثيرًا بالأحساء، ولكن بحكم عمل والدي انتقلنا إلى الدمام، وهناك وجدت بيئة مختلفة وهي بيئة البحر وهناك عشنا معه ذكريات دافئة، ولم أرصد هذه الفترة إلا بشكل سريع. وقد سردت ذكريات والدي رحمه الله مع البحر في مجموعة قصصية أخرى، ثم انتقلت للحديث عن نجران.

مشوار الدراسة والعمل

“كانت ميولي علمية، واختصاصي أحياء ودرست في كليه العلوم بالدمام عامين، ثم تزوجت، وبعدها توقفتِ إحدى عشرة سنة، منهمكة في الحياة الجديدة وتربية الأبناء، وعندما استقرت أموري انتقلتِ إلى بيت مستقل، قررتِ حينها العودة للدراسة، بتشجيع من الزوج ودعمني دعمًا كبيرًا، وفضل كبير، كان زوجي إبراهيم بو خمسين يمتلك مكتبة وهو شغوف بالقراءة، وكذلك أبي ووالد زوجي فكان عالمي محاطًا بالكتب. ولذلك كنت أستغل أوقات الفراغ في قراءة الكتب، ولكن لم يكن متاحًا أمامي إكمال الدراسة في الاختصاصات العلمية، لأن دراستي انتساب، ولم يكن متاحًا أمامي إلا اللغة العربية أو اللغة الإنجليزية، وكان الأقرب إلى والأكثر سهولة هو اللغة العربية، فدخلت قسم اللغة العربية، وهذه الدراسة منتحتني مخزونًا ثقافيًّا، وكذلك ساعدني تعلم علوم اللغة العربية على ممارسة الكتابة. لما كنت أدرس أحياء كانت تقديراتي كلها امتياز، ولكن لما تخرجتِ من قسم اللغة العربية كانت تقديري جيد، فكيف صار هذا الاختلاف في التقدير بسبب اختلاف المرحلة كان. لا بد أن أكمل انتساب في اللغة العربية، ولم أرد التوقف، وشجعني زوجي على مواصلة الدراسة، وهو يعتبر نفسه أنه السبب في جلوسي بالبيت بعد الزواج، ولذلك أراد تعويضي وشجعني على التسجيل انتساب، ووعدني أن يساعدني في المذاكرة وطباعة اللوازم، ويساندني، فسجلت، وأكملت المشوار الدراسي. ولأنني كنت أدرس منتسبة حصلت على تقدير جيد، وفي مرحلة التوظيف فإن الأولوية للمنتظمات والممتازات، ولذلك فإن التوظيف المتاح أمامي في المناطق البعيدة، ولذلك تعينت في نجران، وهناك بدأت مرحلة جديدة.بدأت مرحلة جديدة مع إحدى صديقاتي التي تخرجت معي، وقد وعدنا زوجانا بالنقل من نجران بعد عام واحد من التعيين، وقد أكد على موافقته والده بأن يتحمل المسؤولية حيث سأترك البيت والأطفال وألتحق بالوظيفة، وبدأنا مشوار العمل، ركبنا الحافلة من الأحساء إلى نجران وكان الطريق طويلًا وشاقًّا، ويمر في عدة صحاري. وبعد التوظيف أصبحنا نركب الطائرة من نجران، وقبلها ذهبنا بالحافلة عدة مرات.

مرحلة نجران والغربة هي التي ألهمتني أن أكتب هذا الكتاب.

اختلافات بين الحياة في الأحساء والحياة في نجران  

       أثناء فترة عملي بنجران لم يدر بخلدي أن أكتب أو أرصد مذكرات، بل كان كل تفكيري منصبًّا على أطفالي الذين تركتهم بالأحساء، وأنتظر بفارغ الصبر موعد نزولنا إلى الأحساء حتى ألتقي بأطفالي، وكانت ابنتي الكبرى لا تزال صغيرة السن في المرحلة المتوسطة، وكانت ترعى إخوتها مع أبيها وجدها وجدتها. استغلت المعلمات الوقت وتخففهن من مسؤوليات رعاية المنزل وحصلن على دورات في الحاسب وسواه، ولكن قلبي كان مشغولًا بالأطفال فلم أسجل في أي دورة. وبعد أن انتقل مقر عملي إلى الأحساء بدأت أفكر في الكتابة ورصد تجربتي، وإبعاد تراكمات الغربة عن قلبي وتفريغها عن طريق الكتابة، ورصد التجارب والأحداث التي مررت بها، فكتبت ثلاث ورقات،فشاهد أخي الورقات الثلاث واستاء فسألني عن الذكريات والأحداث، وحثني على مواصلة الكتابة والاستغراق فيها، وهكذا بدأت أسترجع الذكريات حيث كنت دقيقة الملاحظة.

وهناك تغيرات حدثت في مدينة نجران أثناء السنوات الثمانية التي قضيتها هناك، كل شيء تغير حتى البنايات تغيرت فقد أصبحت تبنى بنايات خاصة لسكن المعلمات نظرًا لكثرة عددهن، فبدأ بناء فلل خاصة لسكنهن، وكل غرفتين لهما دورة مياه خاصة، وللكفيل من زوجته جناح خاص بحيث يستطيع الدخول والخروج بشكل مستقل، وبدأت تفتح محلات تجارية وكثرت المطاعم، ولم يكن هناك إقبال على المطاعم قبل ذلك تبعًا لعادات وتقاليد أهل المدينة الذين يفضلون الطعام المنزلي، وكانوا يخبزون في منازلهم، ومع تدفق المعلمات إلى نجران أحدثن نقلة اقتصادية واجتماعية كبيرة، وقبل ذلك لم تكن المرأة تخرج من دارها، وكانت الفتاة تكتب طلبات المدرسة ويحضرها لها والدها من القرطاسية، ولم تكن الفتاة تذهب إلى السوق ولا تقوم باختيار ملابسها. كنا نحن المعلمات نخرج إلى السوق في مجموعات ولم يعتد أهل مدينة نجران على رؤية النساء في السوق فيصابون بصدمة، وكذلك كانت الطائرة تمتلئ بالنساء المعلمات وكان هذا المنظر بالنسبة لهن غريب جدًا، وقد رصدت كل ذلك مع المقارنة بين الوضع قبل وبعد. كنا نخرج في مجموعات، الأخوات اللواتي يصحبنك في رحلات الحافلة والطائرة، وتلتقين بهن في المطار، فينصدم أهل نجران من مشاهدتنا، فركاب الطائرة معظمهم من النساء المعلمات، وقد وضعت هذه المقارنات، كل الرحلات من نجران بالطائرة تقف الطائرة في مطار الرياض وهناك نلتقي ببعض الأخوات في ساعات الانتظار فنتجاذب معهن أطراف الحديث. وهكذا عبرتني كثير من الشخصيات والأحداث والأمزجة وخلفيات ثقافية مختلفة، ونظرة للأمور مختلفة، ونظرة للحياة مختلفة. وكذلك المعلمات اللواتي ألتقي بهن في المدرسة بعضهن قادمات من سكاكا أو مكة أو جدة، وكل كان يتكلم عن منطقته، الزميلة التي من سكاكا أخبرتنا ببرودة سكاكا. وكيف يخزنون ورق العنب.

ظروف المعلمات الحياتية والاقتصادية

كانت إحدى المعلمات تعمل وكأن زوجها يعمل سائق توصيل براتب بسيط جدًّا، وكانت تساعده في الإنفاق، وكان المقابل تضحيات الاغتراب والبعد عن الأسرة. وهناك عوائل محتاجة. وعني كانت لدي رغبة في مزاولة التدريس وكان الزوج مشجعًا وداعمًا.

روتين يومي

تنهض المعلمات من غفوتهن اليومية عند صلاة المغرب، حيث يعدن للبيت بعد ساعات طويلة من العمل ويتناولن وجبة خفيفة من التمر واللبن ثم ينمن، وبعد الاستيقاظ يتوضأن ويصعدن إلى سطح الدار لأداء الصلاة، واستنشاق نسائم الهواء اللطيفة، حيث كانت الأجواء في المنطقة الجنوبية ساحرة وتتساقط في الصيف الأمطار الموسمية، ولذلك كانت المعلمات يصعدن لسطح الدار. بعد ذلك يقسم العمل على المعلمات، كل معلمتين يتولين الطبخ والتنظيف يومًا، فتنزل المعلمات لتناول طعام العشاء، وبعد العشاء تتفرغ المعلمات لشؤونهن الخاصة، فبعضهن يقمن بتحضير دروسهن، وبعضهن يتجاذبن أطراف الحديث مع تناول الشاي. وفي هذا الجو تبدأ المقارنات بين مختلف العادات والسلوكيات واللهجات،

كانت تقطن السكن معلمات من الهفوف والمبرز ومختلف قرى الأحساء والدمام، فكانت تقوم بينهن مقارنات في اللهجات والتسميات والعادات والسلوك وفي الأطعمة، وبعد الصلاة يتوجهن بالدعاء إلى الله ويطلبن منه تعالى أن ينقلهن إلى مدنهن الأصلية ويعدن سالمات. وفي أحد الأيام صعدت إلى السطح ونظرت إلى السماء الصافية المليئة بالنجوم الساطعة، ما أحلى النظر إلى السماء ونجومها تلمع، فتذكرت قولًا لأبي فراس الحمداني: هَل تَعطِفانِ عَلى العَليلِ

لا بِالأَسيرِ وَلا القَتيلِ

باتَت تَقَلُّبُهُ الأَكُف

سَحابَةَ اللَيلِ الطَويلِ.

يَرعى النُجومَ السائِرا

تِ مِنَ الطُلوعِ إِلى الأُفولِ ..

نعم نحن مثلك يا أبا فراس ولكننا في سجن كبير داخل هذا البيت وداخل هذه المدينة. وأنا غافلة في تأملاتي وإذا بالساعة التاسعة ليلًا مرت الطائرات القادمة من الرياض إلى نجران.(عندما تعبر الطائرات تأخذ معها قلوبنا للديار وللعيال) نزلت دمعة من عيني عند رؤيتها، فذكرتني بغربتي واشتياقي لأهلي. أيها القمر المنير.

معلمات من كل مكان

كان العدد الأكبر من المعلمات من المنطقة الشرقية فقد بلغن خمس معلمات، ومعلمة واحدة من جدة، وواحدة من مكة، وواحدة من سكاكا. وفي السنوات الأخيرة قل عدد المعلمات من المنطقة الشرقية إلى معلمتين فقط، فقد تغيرت الحياة وبدأت الفتيات يتوظفن في مجالات أخرى غير التعليم.

تطورات مع توافد المعلمات إلى نجران

عندما بدأ عدد المعلمات يزداد بدأ الكفلاء يأخذون عددًا أكبر من المعلمات، وهنا برز الاحتياج لمكان أكبر، وهذا ما دعانا ننتقل إلى فيلا كبيرة تتكون من دورين، وفيها غرف مجهزة، وكل شيء فيها مرتبًا، والسكن آمنًا، والكفلاء مشهود لهم بالأمانة، وكانوا يحضرون شيوخًا يحاضرون في المواسم الدينية، ويشددون على ضرورة مراعاة الأخلاق، لأن المعلمات لوحدهن في مجتمع آخر ويحتككن بفئات أخرى فلا بد من المحافظة على التثقيف الديني والأخلاقي، وكل النقاط التي تكلمنا عنها لها أثر كبير على الحياة اليومية، وكان كثير من المعلمات لم يتزوجن بعد والكفيل هو مسؤول عنهن بالكامل وعن سلامتهن، وأهاليهن يشعرن بالاطمئنان فهي في كفالة شخص كفؤ يحافظ على سلامتها في الذهاب والجيئة بين المطارات والطرق السريعة، وكل ذلك له دور.

نظرة المجتمع للمعلمة المتزوجة المغتربة

المرأة المسؤولة عن بيت وأطفال، كيف تتخلى عن البيت والأطفال وتسافر بعيدًا عنهم للتعليم، هي تلك نظرة المجتمع لها، والأمر يشكل صعوبة ولا يخلو من الانتقادات، ولكن في وضعي فإن زوجي وأهله مساندون وداعمون، ولا أنسى فضل والدة زوجي التي كانت تحثني على إكمال المشوار رغم أبداء رغبتي في العودة بسبب هذه الظروف المتعبة، ولكنها تحثني على إكمال الطريق الذي بدأته، فمضت الفترة.

نزهات الإجازة الأسبوعية

كنا نخرج إلى الأماكن القريبة من نجران في نزهات عطلة نهاية الأسبوع، وكان الكفيل في يأخذنا إلى أبها التي تبعد أربع ساعات عن نجران، وذلك لكسر الرتابة وتغيير الجو، وكنا نسافر بالحافلة. كان الطريق(طريق الخميس) جدًا جميل بمظاهرة الطبيعية واخضراره، وألوان صخوره المتبدلة، وسيوله المتخلفة بعد سقوط الأمطار، وشلالاته المدهشة. ومناظر يعجز الإنسان عن وصف جمالها وتنوعها. وكذلك كنا نمر بظهران الجنوب التي تقع بين الجبال الوعرة وهي تابعة لمنطقة عسير، ونمر على عدة مدن كسراة عبيدة وخميس مشيط، ثم أبها. وتوجد في ذلك الطريق منتزهات طبيعية مثل منتزه هدادة المهيأ للزائرين وتوجد فيه كهوف ومناظر طبيعية يصعب وصفها، كنا ننزل إلى المنتزهات ونتناول هناك وجبة الغداء، كنا نخرج يومي الخميس والجمعة ونجلس على جانبي الطريق للغداء والتمتع بمناظر الطبيعة، وفي وقت نزول المطر كنا نجازف ونخرج لمشاهدة الشلالات ومصائد المياه والبحيرات، وهذا كان يحدث في السنوات الأولى من التعيين، أما بعد تراكمات الغربة ومرور السنوات، فم يعد الخروج إلى المنتزهات مجديًا في كسر الرتابة، ولم تكن لديهن رغبة خروج إلا رحلات العودة لأهاليهن، وما عادت تلك النزهات لها أثر في الترفيه عنهن، وكلما مرت السنوات زادت تراكمات الغربة، عند الذهاب إلى أبها يحجز الكفيل فندقًا للبيات هناك ليلتين، فالذهاب يستلزم التسجيل والدفع، وكان يأخذنا إلى المنتزهات والحدائق، وقد ذهبت في هذه الرحلة مرتين تقريبًا. يبدأ دوام المعلمات قبل عودة الطالبات بأسبوعين، فيبدأ دوامي وأطفالي في إجازة، فأخذت مرة معي أبي وأطفالي للتنزه في أبها، ومرة زوجي مع أطفالي، وهكذا أضمن بقاءهم معي أسبوعين.

عقد مقارنة بين نجران والأحساء

تتشابه العادات والتقاليد والالتزام، والشرف الذي يجعل نظرة أهالي نجران للمعلمات مرتابة ومتساءلة: لماذا أتيتن إلى هنا من مكان بعيد، فنخبرهم بأننا بنات عوائل معروفة شريفة والذي أتى بنا إلى هنا ظروف الحياة والعمل، وقد سببت لنا هذه النظرة صدمة، وكنا نلومهم عليها. ونخبرهن بأن بنات نجران يعملن بالمنطقة الشرقية ولا يعاب عليها ذلك، ونحن نتبع رزقنا هنا، كثير من العوائل النجرانية تمتلك بيوتًا بالمنطقة الشرقية ولا يرغبون بالعودة إلى نجران، وفي الإجازات والعطل الصيفية يحضرن أمهاتهن للمكوث معهن بالشرقية، والأم تحضر الزواجات في الإجازة.من مظاهر الأعراس المساعبة رقصة جنوبية معروفة في الأعراس تشارك فيها النساء من جميع الأعمار بحيث يقفن صفين متقابلين.

وبعد الكلام

وهكذا عادت وفاء من رحلة حديث شائق استغرق من عمرها ثماني سنوات بحلوها ومرها وتجاربها، عادت لتكتب وتوثق وتغوص في عالم التأليف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى