
هاني الحجي
تُقدّم مجموعة “اليأس يشرب 7up” للقاص جعفر عمران، الصادرة عن دار ريادة للنشر والتوزيع تفاصيل الحياة اليومية، لتغوص في عمق التجربة الإنسانية المعاصرة وما يحيط بها من تحولات وضغوطات متسارعة. وتكشف هذه النصوص عن هموم داخلية تعيشها الشخصيات، وتنعكس بوضوح على علاقاتها ومواقفها.
يحمل العنوان دلالة لافتة تجمع بين (اليأس) بوصفه شعورًا مثقلًا بالإحباط و(7up) بوصفه رمزًا لمتعة وترويقة عابرة. ومن خلال هذا التداخل يطرح الكاتب تصورًا للإنسان المعاصر الذي قد يتعايش مع يأسه، أو يخفف وطأته عبر أوهام بسيطة تشبه تلك المتعة المؤقتة التي يمنحها مشروب غازي.
يعكس الغلاف هذه الفكرة بصريًا، حيث تم تجسيد اليأس في صورة كائن يشرب في إشارة إلى محاولة ترويضه أو التكيف معه. كما يبرز التباين بين الحروف العربية (اليأس يشرب) و(7up )باللاتينية، في إشارة إلى تداخل القيم التقليدية مع مظاهر الحداثة الاستهلاكية. يهيمن اللون الرمادي على مساحة الغلاف بما يحمله من دلالات القلق والانتظار، فيما تظهر شخصيتان نحيفتان في الأسفل، في تصوير لهشاشة الإنسان أمام ثقل الواقع المحبط.
يأتي الإهداء إلى عبدالله السفر محمّلًا بروح إنسانية تعكس علاقة تقدير ودعم في مسيرة الكاتب، حيث يشير إلى حضوره المؤثر في تجربته الأدبية.
لا تعتمد قصص المجموعة على الحكاية التقليدية بقدر ما تنفتح على التأمل في الداخل الإنساني. فالسرد في المجموعة يميل إلى كشف هشاشة الشخصيات في القصص التي تبدو مثقلة من الداخل بقدر ما تتأثر بعالمها الخارجي. فالقصص لا تُظهر اليأس كحالة فردية عابرة، بل كجزء من سياق حياتي أوسع يتسلل إلى التفاصيل اليومية ويؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته والآخرين.
تتجسد في قصة (القميص)هذه الفكرة في لحظة يستخدم فيها البطل قميصه القديم المحمّل بالذكريات لسد تسرب في أنبوب ماء في صورة تختزل معنى التنازل القهري عن أشياء عزيزة تحت ضغط الواقع. أما في قصة (توضيب الهوى)، فتُقدَّم العلاقة الزوجية بلغة ميكانيكية، حيث يُتعامل مع القلب كقطعة قابلة للفك والتركيب في تصوير يعكس برودة العلاقات حين تفقد بعدها الإنساني.
تبرز قوة المجموعة في التقاط التفاصيل الصغيرة، مثل (نظرة عابرة أو صمت ثقيل…..)، وتحويلها إلى لحظات دلالية مكثفة وكأن النصوص تشير إلى أن جوهر التجربة الإنسانية لا تكمن في الأحداث الكبرى، بل في تلك اللحظات الهامشية التي تمر غالبًا دون انتباه، ففي قصة (جمرة الأصدقاء) تتحول لقطة سيارة تختفي في ضوء شارع خافت إلى مشهد مشحون بإحساس الفقد، مما يعكس نهاية مفاجئة وصادمة. كما تترك نصوص أخرى، مثل (جبل أمريكا) و(الشاشة) مساحات مفتوحة للتأويل، ما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.
رغم حضور اليأس بوصفه نغمة عامة في المجموعة، إلا أن النصوص لا تخلو من ومضات جمالية ولحظات صفاء، سواء على مستوى اللغة أو الصورة، مما أوجد توازنًا منح العمل طابعه الخاص. فاليأس في القصص لا يُقدَّم كحالة نهائية، بل كواقع يمكن النظر إليه بوعي مختلف.
كما تتجلى هذه الروح في قصص مثل (يا حبة يا سمرا) و(الشمالي)، حيث يحضر الصدق الشعوري بعيدًا عن المبالغة.
في الختام -أرى- أن مجموعة (اليأس يشرب 7up) لا تُقرأ بوصفها مجموعة قصصية فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية تضع القارئ في مواجهة ذاته، وتثير أسئلة مفتوحة حول التفاصيل اليومية للإنسان والتي تشكّل وعيه بمحيطه الخارجي. تقرأ كقصص تترك أثرها بهدوء، وتستمر في الذاكرة بوصفها تجربة تُعاش أكثر مما تُقرأ. قراءة: هاني الحجي.





