أقلام

دروب الزلق

أمير الصالح

مدخل

مسلسل “درب الزلق” قطعة عمل درامي فني جميل وهادف، ولامس وما يزال يلامس قلوب ومشاعر غالبية أبناء الخليج. لكون المسلسل يعكس صورة ولوج عدد منهم في عوالم ودروب عدة بعد تدفق ثروات النفط وطفرات اقتصادية تنموية صُبت في جيوب قطاع عريض من سكان الخليج. وركز المسلسل على نقاط منها “يُتم” بطل المسلسل وسوء علاقة البطل حسين بخاله المُتسلط ” قحطة”، ومع هبوط ثروة مالية مفاجئة بسبب نزع ملكية بيت أهل البطل ” بن عاقول” أدى إلى خوض بطل المسلسل لدراما ومغامرات تجارية غير محمودة العواقب. وأدى كل ذلك لإفلاسه في نهاية المطاف بعد خوضه لتجارب عدة صُيغت بقوالب كوميدية سلسة وجميلة وهادفة وفذة. وصاغ كاتب سيناريو المسلسل صور عدة لسلوكيات بعض البشر بأحداث درامية مختلفة قبل وبعد الطفرات المالية؛ فمنهم بعد نزول ثروة مالية عليه غامر بولوج مختلف أصناف عالم التجارة، ومنهم من تعلق بالزواج المتعدد حتى خارج الحدود، ومنهم من تخبط في خوض تجارب عدة مشاريع، ومنهم من توسع في تجارته، ومنهم من وسع على أبنائه في بيته وأكله وسفره، ومنهم من أعرض عن ذلك كله بحجج واهية متنوعة وأضحى أسير ذكرياته ومنفصل عن واقعه ومستقبله.

إن هذا المقال يتعرض لموضوع أهمية الحوار داخل الأسرة.

دور الأسرة

رواد حقول التربية الحديثة يصنفون الحوار الأسري على أنه مفتاح الأمان النفسي للأفراد داخل الأسرة لاحتواءهم وتمتين العلاقة بينهم وإذكاء روح الانتماء فيما بينهم . فأضحى ملموسًا أن الأسرة التي يسودها الحوار الهادئ والتواصل الفعال تُنشئ أفرادًا أكثر رصانة وطمأنينةً وثقةً بأنفسهم وطموح وتفاؤل، وأن القاعدة القرآنية سورة آل عمران، آية 159، صفحة 71

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) يجب أن توضع نصب العين.

بالمجمل الإنسان يحتاج إلى من يعيره سمعه وفهمه واهتمامه وتفاعله ويحتويه لكي يشعر بالاحتواء. يجب أن توفر كل تلكم الأجواء داخل البيت الاسري الواحد، وأن يجد الأبناء داخل البيت مساحة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف أو وجل أو تحسس أو تقريع أو جفاء أو تهكم أو عدم اهتمام أو قسوة لكي ينمو لديهم الشعور بالانتماء والاحتضان والأمان النفسي والاستقرار والحنان والتعاطف.

فالحوار الأسري ليس ترف فكري أو دلال ماصخ أو مجرد تبادل للكلام المملؤة بالمجاملات أو تراشق الاتهامات بوجهات النظر لتسجيل مواقف أو جعلها ساحة عناد ومناكفات، بل هو في أصله جسر للمحبة والتفاهم والاحتواء والانتماء، ووسيلة لتشخيص العقبات ولعلاج المشكلات وتقوية الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة. ولنتذكر إن الكلمة المنفرة قد تحدث شقاق وقطع رحم؛ كما أن الكلمة الطيبة داخل المنزل قد تصنع نفسًا مطمئنة وقلبًا سعيدًا وروابط قوية وتفاهمات متينة.

إذا كنت أبًا / أمًّا مؤصلًا / مؤصلة للحوار النافع داخل بيتك فإنك ستجني الثمار التالية وأكثر:

• تعزيز الثقة والمحبة بين أفراد الأسرة.

• تقوية العلاقة بين الآباء والأبناء.

• تقليل الخلافات وسوء الفهم حتى بعد رحيلك.

• تنمية الاحترام وحسن الاستماع والتنازل بين الأعضاء.

• إشعار كل فرد بقيمته داخل البيت وتعميق عطاء الحماية لبعضهم البعض.

أدوات فعالة في التواصل داخل البيت الواحد:

“من حسن خلقه ولانت كلمته كثر محبوه وأعوانه وأتباعه”، الإمام علي (ع).

“مَن لانَت كلمتُه وَجَبَت محبّتُه،”أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)

“قولوا للناسِ حُسنًا،”الإمام الصادق (عليه السلام).

تعليق

في زمن الانشغال وكثرة الأجهزة، أصبح الحوار الأسري حاجة رئيسة وليس ترف لبناء بيتٍ متماسك دافئ، فربما كلمة طيبةً وإصغاء جاد وفن احتواء تغيّر نفسية إنسان بالكامل لتجعل منه شخصًا معطاءً أو مبادرًا أو متفائل أو صانع للمعروف أو مدافع عن حقوق أهل الخير أو باذل للخير. فقديمًا قال الأجداد “من لاحظت عنزتها جابت له توم ؛ ومن أهملت عنزتها راحت بعيدة تهوم “.

ختامًا

جفاف الاتصال الأسري ولاسيما في المدن الكبرى، حيث عروض الترفية والإغراء المتنوعة معضلة عصرية للأب والأم الحريصين على تربية الأبناء. وزاد الطين بلة تكاثر عدد حاملي أجهزة الاتصال الذكي كالجوال واللاب توب وانتشار استخدام تطبيقات الذكاء الصناعي وإسفافات محتوى الكثير من تطبيقات التواصل الاجتماعي الرقمي والسوشل ميديا. فأصبح عدد كبير من الناس يلجأ إلى الذكاء الصناعي للاستشارة والحديث والتسكع وأخذ عدد كبير من الناس يعقد صداقات مختلفة التوجهات والنطاقات دون حسيب ورقيب من اهله. والكثير يتابع مقاطع فيديو ضررها أكثر من نفعها. فهذا خط يصنع المتطرف وهذا محتوى ينمي الفاسد وهذا محتوى يغذي المنحرف بجرعات زائدة.

أضحى لزامًا أن يتفنن الأب وتتفنن الأم في كسب واكتساب قلوب وعقول أبنائهم عبر الإصغاء الذكي والحوار الراشد والاحترام المتبادل لحفظ الابناء من دروب الزلق المتكاثرة في هذا الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى