أقلام

بناتنا أمانة تُهدر وحقوق تُستباح

أحمد الخرمدي

تدخل الفتاة بيت الزوجية محملةً بأحلام وردية وثقة مطلقة، معتقدة أنها مقبلة على حياة يسودها الاحترام والمودة والسكينة. ولكن في بعض الحالات – التي لا تمثل ظاهرة عامة ولله الحمد – تستيقظ هذه الزوجة الشابة على واقع مرير، تجد فيه نفسها ضحية لقسوة زوج أساء الأمانة وتجرّد من مسؤولياته، لتبدأ فصول من التضييق والإساءة، قد تصل أحيانًا إلى الاستيلاء على ممتلكاتها الخاصة أو سلب حقوقها المادية في وضح النهار، في مشهد يتنافى تمامًا مع تعاليم ديننا الحنيف وقيمنا الإنسانية الرفيعة.

ويزداد الألم مرارة حين لا يقف الظلم عند حدود الزوج فحسب، بل يمتد ليجد غطاءً وتبريرًا من أفراد أسرته، فبدلًا من أن يكون رب الأسرة «والد الزوج» أو بقية أفرادها صوت الحكمة والعدل، وعونًا على الإصلاح ورد الحقوق، يتحولون إلى طرف في معادلة الظلم، منطلقين من عصبية عائلية وانحياز أعمى لرابطة الدم.

لقد أرسى الإسلام مبدأ العدل وجعله فوق كل اعتبار، محذرًا من التعدي على حقوق الآخرين وممتلكاتهم، فالسكوت عن الظلم مشاركة فيه، وتبرير الخطأ إعانة عليه، ونصرة الظالم ليست من البر ولا من الوفاء للأبناء.

وتتفاقم بعض هذه المشكلات نتيجة غياب الوعي الكافي بمتطلبات الحياة الزوجية والتغيرات الطبيعية التي تطرأ عليها. فالكثير من الأزواج يغفلون عن تأثير الظروف النفسية والصحية على سلوك الزوجة، كفترة الحمل وما يصاحبها من تغيرات هرمونية ومزاجية تدفعها أحيانًا للنفور أو الإرهاق، وبدلًا من تفهم هذه الحالة المؤقتة واحتوائها بالصبر، يسيء الزوج التفسير، ليدخل الطرفان في دائرة الشك والجفاء، مما يكشف عن ضعف في ثقافة الحوار والتفاهم المشترك.

إن هذه التجاوزات، وإن كانت محدودة، لا تقتصر أضرارها على ”البنت الضحية“ وحدها، بل تترك جراحاً غائرة في النفوس، وتزرع الشك بين العائلات، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وزيادة القضايا المنظورة أمام المحاكم، وتعود جذور هذا الخلل إلى ضعف الوازع الأخلاقي لدى البعض، وتدخل أطراف خارجية تؤجج النزاع بدلًا من احتوائه، وتغليب الطمع المادي على القيم الإنسانية.

ولحماية ”بناتنا“ وضمان استقرار أسرنا، تبرز الحاجة الماسة إلى وقفة مجتمعية جادة ترتكز على خطوات استباقية وعلاجية؛ يأتي في مقدمتها جعل ”الدورات التأهيلية“ للمقبلين على الزواج إلزامية، لتعريف الشاب والفتاة بالحقوق والواجبات وكيفية إدارة الأزمات، كما ينبغي توثيق الممتلكات والمصوغات والهدايا ذات القيمة الكبيرة لقطع دابر النزاع مستقبلًا، وعند وقوع أي اعتداء، يجب تفعيل دور العقلاء في الإصلاح المبكر، وإن تعذر ذلك، فلا بد من اللجوء السريع للجهات القضائية المختصة لضمان إعادة الحقوق، فكرامة المرأة وحقوقها المادية والمعنوية كفلها الشرع والنظام، والتساهل في هذه القضايا يشجع على تكرارها.

ختامًا، يجب التأكيد على أن هذه التجاوزات تظل حالات شاذة لا يُقاس عليها، فمجتمعنا بخير، وشبابنا يتمتعون بتربية صالحة وأخلاق عالية، ومواقف الأسر السعودية مشرفة في ترابطها وتلاحمها في أصعب الظروف، والمأمول دائماً أن يبقى العدل فوق كل مصلحة، ليكون عش الزوجية، كما أراده الله، سكناً وملاذًا آمنًا للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى