أقلام

لكلِّ قلبٍ لغتُه

عماد آل عبيدان

ثمَّة دموع تخرج من العين، وثمَّة دموع لا تجد إليها سبيلًا.

وقد يبدو المشهد واحدًا لمن ينظر من بعيد إلا أن ما يجري داخل الإنسان لا يخضع للمظاهر. فالبكاء ليس قالبًا واحدًا كما أن الحب ليس طريقًا واحدًا والحزن أيضًا لا يسكن قلبين بالطريقة نفسها.

ولهذا ظللت أتأمل في أمرٍ يتكرر كثيرًا. فلماذا نقبل أن يختلف العاشقون في التعبير عن الحب ثم نستغرب أن يختلف المفجوعون في التعبير عن الفقد؟

عرف الأدب الغزل العذري كما عرف الغزل المنفتح ولم ير أحد في أحدهما انتقاصًا من الآخر. فما دام المنبع صادقًا فإن اختلاف الطباع والنفوس يمنح الحب أكثر من لغة وأكثر من صورة.

والفقد ليس سوى الحب بعدما يغيب صاحبه عن العين ويبقى أثره في القلب. وكلما اتسعت مساحة المحبة اتسعت مساحة الفراغ بعد الرحيل.

ومن هنا يسلك كل قلب طريقه الخاص في حمل الفقد.

فمن الناس من يبدو ثابتًا بينما تتشقق أعماقه بعيدًا عن الأعين. ومنهم من تفيض عيناه ويكثر حديثه عن الراحل وكأن استعادة اسمه جرعة دفء تخفف قسوة الغياب.

أيُّهما أصدق؟

السؤال ليس في موضعه.

فالصدق لا تكشفه الدموع ولا يخفيه التماسك وإنما يبوح به الوفاء الذي يبقى بعد الرحيل.

وقد يبتسم إنسان وفي داخله من الانكسار ما لو وُزِّع على مدينة لأثقلها. وقد ينهار آخر أمام الناس ثم يستعيد تماسكه. فالمشاعر لا تنتظم على نسق واحد.

وأقسى ما يُرتكب في حق المفجوع أن يُطالَب بالحزن على الصورة التي يريدها الناس.

فليس كل من قلَّ بكاؤه قليل المحبة ولا كل من أغزر الدموع أشد وفاء.

فالنفس البشرية لا تستأذن أحدًا حين تتألم فلها لسانها الذي لا يشبه سواه.

ولهذا ترى أمًّا لا تكاد تذكر ولدها خشية أن ينهار ما بقي فيها. وترى أخرى لا يطيب لها مجلس إلا إذا ذكرته واستعادت مواقفه ثم تغادر بعينين أثقلهما الدمع.

كلتاهما موجوعة.

غير أن كل قلب يعرف أين يضع وجعه وكيف يحمله.

ولو تأملت مجلس عزاء واحدًا لرأيت عشرات المراثي مع أن الراحل واحد. هذا يقرأ القرآن. وذاك يكثر الدعاء. وآخر يروي المواقف. ورابع يكتفي بالنظر إلى صورة.

المصاب واحد…

أما القلوب فلا تُخلق على نسخة واحدة.

ومن أكثر ما يرهق المفجوع أن يُطالَب بالصبر وكأن الصبر يعني التخلي عن إنسانيته.

والحق أن الصبر لا يطفئ اللوعة وإنما يحفظها من أن تتحول إلى اعتراض على قضاء الله. والاحتساب يمنح الدموع وجهتها. والرضا لا ينتزع الشوق وإنما يعين القلب على حمله.

ولهذا اجتمع في المؤمن أمران يبدوان متناقضين وهما في الحقيقة وجهان لقلب واحد.

عين دامعة…

وقلب مطمئن إلى حكمة الله.

فالدمعة لا تنفي الإيمان كما أن الرضا لا يلغي الحنين.

وكما لم يجعل الله وجهين متطابقين فإنه لم يجعل قلبين يتشابهان في الحب ولا في الحنين ولا في الفقد.

فالاختلاف ليس نقصًا وإنما من تمام الخِلقة.

ولو شاء الله أن تتشابه القلوب في شعورها لتشابهت في تعبيرها. ولكنه أراد لكل روح بصمتها ولكل محبة ملامحها ولكل فجيعة أثرها.

ولهذا لا يختلف الناس في مقدار المحبة بقدر ما يختلفون في طريقة الوفاء.

فهذا وفيٌّ بدمعته.

وذاك وفيٌّ بدعائه.

وثالث وفيٌّ بعمل صالح.

ورابعٌ يحمل وفاءه في قلبه فلا يراه أحد.

ولهذا لا ينبغي أن نفتش عن مقدار الحب في عدد الدموع ولا عن مقدار الصبر في هدوء الملامح.

فالله وحده يعلم أين تنتهي اللوعة وأين يبدأ الاحتساب وأين تختبئ الكسور التي لم تبلغها العيون.

وحين ندرك ذلك نصبح أكثر رفقًا بأصحاب المصائب وأقل استعجالًا في إطلاق الأحكام.

يكفي أن يبقى القلب وفيًّا.

فكل حب صادق يترك أثرًا بعد الغياب. وكل فقد صادق ينسج لغته الخاصة.

وليست الدموع سوى ترجمانٍ واحد للحزن…

أما الحزن فله من اللغات ما بعدد القلوب.

رحمك الله يا سيد عقيل…

لقد وحَّد رحيلك المحبة في قلوبٍ كثيرة ولم يوحِّد طرائق الوفاء.

فكل قلب رثاك بلغته.

ورب القلوب وحده يعلم ما لم تستطع العيون أن تبوح به.

ورحم الله المؤمنين والمؤمنات وجبر كسور الفاقدين وربط على قلوبهم بالصبر والسلوان بلطفه ورحمته. رحم الله السيد عقيل الخضراوي، فما تزال القلوب الفاقدة تتحدث بلغاتها المختلفة ولكلِّ قلبٍ لغتُه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds