
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الثامنة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، نتأمل فيها كيف علّمتنا نهضة الإمام الحسين عليه السلام أن الثبات على الحق لا يعني فقدان أخلاق الحوار، وأن الاختلاف لا يبرر الظلم، ولا يجيز الإساءة، ولا يسقط قيم الرحمة والحكمة.
مقدمة؛
إذا كانت كربلاء قد ربّت الإنسان على البصيرة، ثم علّمته الثبات، ثم حمّلته مسؤولية إصلاح مجتمعه، فإن سؤالًا آخر يفرض نفسه في واقعنا اليوم: كيف يحمل المؤمن الحق إذا وجد نفسه بين من يخالفه؟
فالاختلاف سنةٌ جارية في حياة البشر، وقد أخبر الله تعالى أنه باقٍ ما بقيت الدنيا. ولكن المشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في الطريقة التي يُدار بها.
كم من حقٍ أُسيء إليه بسبب سوء خُلُق صاحبه، وكم من كلمةٍ صادقةٍ ضاع أثرها لأن أسلوبها كان قاسيًا، وكم من إنسانٍ نفر من الدين لا لأنه رأى خللًا في تعاليمه، بل لأنه رأى من ينتسب إليه يفتقد أخلاقه.
ولهذا لم تكن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام مدرسةً لتعليم الشجاعة وحدها، ولا مدرسةً للصبر والتضحية فقط، وإنما كانت أيضًا مدرسةً في أخلاق الخصومة، وأدب الحوار، واحترام الإنسان، حتى مع من وقف في الجهة الأخرى.
فالحق الذي يدعو إلى الظلم ليس حقًا، والانتصار الذي يهدم الأخلاق ليس انتصارًا، والغيرة على الدين لا تعني أن يفقد الإنسان عدله أو رحمته أو حكمته.
ومن هنا يحتاج كل محبٍ للإمام الحسين عليه السلام أن يسأل نفسه: هل أحمل الحق كما أراده الحسين، أم أحمله كما تمليه انفعالاتي؟ وهل إذا اختلفت مع غيري بقيت أخلاقي شاهدةً للحسين، أم غابت مع أول خلاف؟
وهذه وقفةٌ مع الحسين حين يعلّمنا أخلاق الاختلاف.
الاختلاف سنة والأخلاق فريضة
قد يتصور بعض الناس أن وجود الاختلاف دليلٌ على فشل المجتمعات، أو أن وحدة الأمة لا تتحقق إلا إذا اتفق الناس في كل شيء. لكن القرآن الكريم يعرض صورةً مختلفة؛ فهو يقرر أن الاختلاف جزءٌ من طبيعة الحياة البشرية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
فالاختلاف في الفهم، والاجتهاد، والآراء، وحتى في المعتقد، سنةٌ جارية بإرادة الله تعالى، ولم يكن يومًا هو المشكلة الحقيقية. وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى ظلم، أو كراهية، أو تجريح، أو اعتداء على كرامة الإنسان.
ولهذا لم يجعل الإسلام معيار التقوى في طريقة التعامل مع الموافق فقط، بل أوجب العدل حتى مع المخالف، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
إنها قاعدةٌ عظيمة؛ فالعداوة لا ترفع عن الإنسان مسؤولية العدل، والخلاف لا يسقط عنه واجب الإنصاف، والغضب لا يبيح له أن يتجاوز حدود الأخلاق.
ومن يتأمل سيرة الإمام الحسين عليه السلام يجد أنه جسّد هذا المبدأ في أشد لحظات الصراع. فقد كان يعرف ظلم خصومه، ويعلم أنهم يسيرون إلى قتاله، ومع ذلك لم يتخلَّ عن أخلاق الرسالة، ولم يجعل الخصومة سببًا للخروج عن العدل أو الرحمة.
وهنا تتجلى عظمة مدرسة كربلاء؛ فهي لا تعلّم المؤمن كيف ينتصر على خصمه، بل كيف يبقى وفيًّا لأخلاقه وهو يواجه خصمه. فالانتصار الحقيقي ليس أن يغلب الإنسان غيره، وإنما أن يحافظ على مبادئه في أصعب المواقف.
ولهذا فإن أتباع الإمام الحسين عليه السلام مطالبون بأن يميزوا دائمًا بين الثبات على الحق وبين سوء التعامل مع المخالف. فمن الممكن أن يكون الإنسان شديد التمسك بعقيدته، وفي الوقت نفسه واسع الصدر، منصفًا، رحيمًا، لا تدفعه الخلافات إلى الظلم أو الإساءة.
وهكذا يتبين أن كربلاء لم تأتِ لتلغي الاختلاف بين الناس، وإنما جاءت لتعلّمهم كيف يختلفون وهم متمسكون بالحق، ومحافظون على الأخلاق التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله.
حتى مع خصومه بقي الحسين رحمةً
حين يشتد الصراع، ويقترب الإنسان من ساحة المواجهة، يكون أول ما يتعرض للاختبار هو أخلاقه. فكثيرون يستطيعون التحلي بالرحمة في أوقات السلم، ولكن القليل منهم يحافظ عليها حين يقف أمام من يريد إيذاءه.
وفي كربلاء تجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها. فالإمام الحسين عليه السلام لم يكن يواجه قومًا يختلفون معه في الرأي فحسب، بل كان يواجه جيشًا خرج لمنعه من حقه، ثم لحصاره، ثم لقتاله وقتل أهل بيته وأصحابه. ومع ذلك بقي وفيًّا لأخلاق الرسالة حتى اللحظة الأخيرة.
ومن أروع الشواهد على ذلك موقفه مع جيش الحر بن يزيد الرياحي. فقد وصلوا إلى الصحراء وقد أنهكهم العطش، وكانوا في طريقهم لاعتراض الإمام. ومع ذلك أمر أصحابه أن يسقوهم الماء، وأن يسقوا حتى خيولهم.
إن هذا الموقف لا يفسَّر بمنطق السياسة، ولا بمنطق الحرب، وإنما بمنطق الرسالة. فالإمام الحسين عليه السلام لم يرَ في أولئك الرجال عدوًا مجردًا، بل رأى فيهم بشرًا لا يجوز أن يُتركوا للعطش، مهما كان موقفهم منه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظل الإمام يخاطبهم بالحجة، ويذكرهم بالله، ويفتح أمامهم باب الرجوع إلى الحق. فلم يكن همه أن يغلبهم، وإنما أن يهديهم. ولذلك بقي يدعوهم حتى في الساعات الأخيرة، لأن غايته كانت إنقاذ الإنسان قبل الانتصار عليه.
وهذا هو الفارق بين من يحمل قضيةً لنفسه، ومن يحمل رسالةً لله. فصاحب القضية قد يفرح بإسقاط خصمه، أما صاحب الرسالة فيفرح إذا عاد خصمه إلى الحق.
ولعل قصة الحر بن يزيد الرياحي هي أعظم شاهد على ذلك. فلو أن الإمام الحسين عليه السلام أغلق أبواب الرحمة منذ البداية، لما وجد الحر طريقًا إلى التوبة. لكن أخلاق الحسين عليه السلام بقيت مفتوحة حتى آخر لحظة، فكانت سببًا في أن يتحول قائدٌ في جيش خصومه إلى واحدٍ من أعظم شهداء كربلاء.
وهكذا تعلّمنا كربلاء أن المؤمن لا يختزل الناس في مواقفهم الآنية، ولا يحكم على القلوب بأنها أغلقت إلى الأبد. فقد يكون اللين الصادق، والكلمة الحكيمة، والموقف الرحيم، بداية هدايةٍ يكتب الله بها تغيير إنسان، كما غيّر الحر في لحظة صدقٍ خلدها التاريخ.
الثبات على الحق لا يعني القسوة على الناس
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يظن الإنسان أن قوة الإيمان تعني الغلظة في التعامل، أو أن الدفاع عن الحق يبرر التجريح، أو أن مخالفة الآخرين تستلزم إسقاطهم واحتقارهم.
ولكن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام تقدم صورةً مختلفة تمامًا.
فالحسين عليه السلام كان أوضح الناس موقفًا، وأشدهم ثباتًا، ومع ذلك لم يكن فظًا، ولا متكبرًا، ولا مستعجلًا في تخوين الناس أو الحكم عليهم. فقد بقي يفرق بين رفض الباطل، وبين ظلم من وقع فيه.
وهذا هو الميزان الذي يحتاجه المؤمن في كل زمان؛ أن يكون ثابتًا على مبادئه، من غير أن يفقد عدله، أو يظلم مخالفه، أو يسمح للخلاف أن يفسد أخلاقه.
وقد بيّن القرآن أن اللين ليس ضعفًا، بل خُلُقٌ تصنع به الرسالات أثرها، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
فالعداوة لا ترفع عن الإنسان واجب العدل، والخلاف لا يبرر الظلم، والتمسك بالحق لا يبيح التخلي عن الأخلاق.
ولهذا فإن أتباع الإمام الحسين عليه السلام مطالبون بأن يحملوا هذا الميزان في كل حواراتهم وعلاقاتهم. فإذا اختلفوا مع أحد، ناقشوه بالحجة، وإذا ردوا على خطأ، ردوه بالإنصاف، وإذا دافعوا عن عقيدتهم، دافعوا عنها بصدقٍ ووقار، لا بسبابٍ أو إساءة.
إن الناس قد يختلفون في الأفكار، لكنهم يراقبون الأخلاق. وربما كان خلق المؤمن سببًا في فتح قلبٍ مغلق، بينما قد تغلقه كلمةٌ قاسية، وإن كانت قيلت دفاعًا عن الحق.
وهنا يظهر أثر كربلاء الحقيقي؛ فهي لم تعلمنا كيف ننتصر في الجدل، بل كيف نبقى أهلًا للحق ونحن نختلف. فالانتصار الحقيقي ليس أن تُسكت خصمك، وإنما أن تحفظ دينك، وأخلاقك، وكرامتك في أثناء الحوار.
وبذلك يصبح المؤمن صورةً صادقةً لمدرسة الإمام الحسين عليه السلام؛ ثابتًا في مبدئه، رحيمًا في أسلوبه، عادلًا في حكمه، حتى مع من يخالفه.
حين يرى الناس الحسين في أخلاقنا
ليست الغاية أن يعرف الناس تفاصيل كربلاء فحسب، بل أن يروا آثارها فيمن ينتسب إليها. فالمحبة الحقيقية لا تقف عند حدود العاطفة، وإنما تتحول إلى سلوكٍ يترجم ما آمن به الإنسان.
وحين يلتقي الناس بمؤمنٍ صادق، رحيم، أمين، عفيف اللسان، واسع الصدر، عادلٍ مع الموافق والمخالف، فإنهم يرون صورةً من المدرسة التي تربّى فيها، حتى لو لم يتحدث كثيرًا عن الإمام الحسين عليه السلام.
وهذا هو الامتداد الحقيقي لكربلاء؛ أن تبقى قيمها حيةً في الناس، لا أن تبقى حبيسة المجالس والكتب. فكل خلقٍ حسنٍ يشيع بين الناس هو امتدادٌ لذلك المشروع الذي ضحّى الإمام الحسين عليه السلام من أجل بقائه، وكل موقفٍ ينتصر فيه الإنسان للحق من غير ظلم، وللرحمة من غير ضعف، وللعدل من غير محاباة، هو صورةٌ من صور الوفاء لتلك النهضة الخالدة.
وقد لا يملك المؤمن أن يغيّر العالم كله، لكنه يستطيع أن يجعل من نفسه نافذةً يطل الناس منها على أخلاق أهل البيت عليهم السلام. وربما كان هذا الأثر الهادئ أبلغ في الهداية من كثيرٍ من الكلمات؛ لأن النفوس كثيرًا ما تقتنع بما تراه قبل أن تقتنع بما تسمعه.
وهكذا لا تكون كربلاء ذكرىً نسترجعها، بل واقعًا نصنعه. ولا يكون الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في حياتنا بمجرد البكاء عليه، بل بأن يصبح حضوره ظاهرًا في قراراتنا، وأخلاقنا، وتعاملنا مع الناس. وعندئذٍ تتحول المحبة إلى رسالة، والولاء إلى مسؤولية، ويصبح كل واحدٍ منا شاهدًا على أن الحسين عليه السلام ما زال يصنع الإنسان الذي أراده الله لهذه الأمة.
ويبقى السؤال
لم تكن كربلاء مدرسةً لتعليم الشجاعة وحدها، ولا للصبر والثبات فحسب، بل كانت مدرسةً للأخلاق التي لا تتغير حتى في أشد لحظات الابتلاء.
فقد علّمنا الإمام الحسين عليه السلام أن الإنسان يستطيع أن يكون ثابتًا على الحق من غير قسوة، وأن يكون صريحًا من غير إساءة، وأن يدافع عن عقيدته من غير أن يفقد عدله أو رحمته. وهنا تتجلى عظمة الرسالة؛ لأن الأخلاق لا تظهر حين يوافقنا الناس، وإنما تظهر حين يختلفون معنا.
ولهذا فإن أتباع الإمام الحسين عليه السلام لا يحملون كربلاء في شعائرهم فقط، بل يحملونها في طريقة حديثهم، وفي أسلوب حوارهم، وفي إنصافهم للمخالف، وفي قدرتهم على أن يجمعوا بين قوة المبدأ وجمال الخلق.
وحين يرى الناس هذا النموذج، يدركون أن كربلاء لم تكن حدثًا انتهى في يوم عاشوراء، وإنما مشروعًا مستمرًا لبناء الإنسان الذي يعكس نور الإسلام.
غير أن رسالة الإمام الحسين عليه السلام لا تقف عند إصلاح الفرد، ولا عند بناء المجتمع، ولا حتى عند أخلاق الاختلاف؛ فهناك مسؤوليةٌ أكبر، وهي أن تبقى هذه القيم حيّةً عبر الأجيال، فلا تنقطع الرسالة برحيل أصحابها، بل تنتقل إلى الأبناء، لتبقى كربلاء حاضرةً في كل عصر.
وهنا يبرز سؤالٌ جديد يفتح لنا المحطة الأخيرة من هذه السلسلة: كيف نحفظ كربلاء في الأجيال القادمة؟ وكيف نصنع أبناءً لا يرثون حبَّ الحسين عليه السلام فحسب، بل يرثون وعيه، وأخلاقه، ورسالته؟
ذلك ما سنتأمله في المقالة التالية بإذن الله.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل أخلاقنا شاهدًا على محبتنا لمحمدٍ وآل محمد، ولا تجعل للحسين عليه السلام علينا حجةً يوم نلقاك، إنك سميعٌ مجيب.





