أقلام

الجهل المركب

 أحمد الخرمدي

الجهل بشكل عام يمثل تهديدًا للحياة، ولاستقرار المجتمعات الإنسانية، وهو خلل يصيب الروح ويقتل كل معرفة وفضيلة عند الإنسان.

إن النفس البشرية مهددة، تمرض كما يمرض الجسد، وتغرق في أوهام خطيرة، فإذا لم تدارك سوف تحتاج إلى الدواء، و أحيانًا إلى العلاج الشديد، قد تتطلب عملية جراحية بإستئصال ما هو فاسد من أفكار متعصبة، وهي ما تسمى بعملية التطيهر، للسلوك ولتلك الإنفعالات الجسدية المريضة.

إن الانحراف الأخلاقي لدى بعض البشر يأتي بغياب الممارسات المعرفية السليمة، وعندما تحل مكانها الرغبات السلوكية المنحرفة غير السوية، البعيدة عن الوقائع المشروعة والقائمة على أسس وحياء، ومبادئ أخلاقية ومعرفية ذات إدراك ونضج معرفي، وتنفيد مستدام سلوكي وعملي، فيها القوة والمناعة، مما تهئ اللحظة التي تمنع أي مرض بالجهل والتقهقر، وبتدارك جهل أكثر خطورة يسمى بالجهل المركب.

الجهل المركب وكما جاء في التعريف، هو أخطر انواع الجهل، ووصفه ومعناه هذا المثال، هناك جاهل، وجاهل بجهله، وفوقها واثق بنفسه، لديه اليقين الخاطئ وعنده معلومات خاطئة، ولكنه مقتنع مائة بالمائة، أنها صحيحة، شخص جاهل لا يقبل النقاش لأنه يفهم كل شيء، يجادل بغير علم، ويفتي ويحكم دون أساس، وإن أقرب مثال على ذلك ما قد جاء من الواقع، شخص قرأ عنوان مقال طبي واحد، وصار شخص يعطي علاجات، هو يعرف، ولا يعرف أنه لا يعرف، ويتصرف على أنه طبيب.

سمي مركبًا، كما جاء كذلك، بالتوضيح الأكثر دقة، لأنه مركب جهلين فوق بعضهما البعص، جهل بالموضوع نفسه، وجهل بأنه جاهل به.

مثال في الدين والإفتاء، واحد سمع خطبة أو قرأ آية وحفظها، وصار يحرم ويحلل على مزاجه في القروبات، يقول ” الدين واضح” وهو لم يدرس فقهًا ولا أصولًا، هذا هو جهل مركب، لأنه يفتي بغير علم ويظن أنه على حق، فالأمثلة كثيرة، في التربية، والاستثمار، والطب والصحة وغيرها الكثير.

وفي إضاءة جميلة على كتاب الرُّشُد الاجتماعي” رؤية قرآنية” لسماحة الشيخ العلامة حسن بن موسى الصفار، الإصدار – الطبعة الثانية – الذي شمل في صفحاته العديد من الفصول والمحتويات الغنية بنودها، في التدبر القرآني الكريم، ومبادئ التعايش الإنساني، وثقافة الرشد الإجتماعي والعلاقات الاجتماعية.

ففي الصفحة ( ٧٣ ) من الكتاب تحت عنوان حرية الرآي وتقدم المجتمع، وضح سماحته – حفظه الله – بأن التقدم والتخلف في المجتمعات ليس عفويًّا، أو يأتي بالصدفة، أو حسن وسؤ الحظ، وإنما هناك وضع يعيشه المجتمع، ينتج تخلفاً أو تقدماً، موضحًا سماحته، أنه بالإمكان التنبؤ بمستقبل أي مجتمع، من خلال دراسة ما يعيشه من عقليات وسلوكيات يتطبع بها أفراده، فإذا كانت هذه العقليات والسلوكيات منتجة للنهوض، فإن مجتمعها مرشح للتقدم، بينما لو كانت منتجة للجمود والتحجر، فإن المجتمع الخاضع لها سيعيش حالة من التخلف، مما يضاف إلى ما قد سلط عليه الضوء بموضوعنا هذا، المعنى الآتي: بإن الجهل يولد التخلف أو قد يكون العكس الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds