
د. حجي الزويد
ليست العظمة في كثرة ما يكتب الإنسان، وإنما في نوعية ما يتركه للأجيال من آثار علمية تبقى بعد رحيله. فكم من مؤلفات كُتبت في أشهر ثم غابت عن الذاكرة، وكم من مشروع علمي استغرق عقودًا من الزمن، فأصبح مرجعًا خالدًا لا يستغني عنه الباحثون.
تُقاس الأمم بما تُنتجه من معرفة، ويُقاس العلماء بما يتركونه من آثار علمية باقية. فالعلم الحقيقي لا يولد في لحظة، ولا يُصنع في سنوات قليلة، وإنما هو ثمرة عمرٍ طويل من القراءة، والبحث، والتحقيق، والمراجعة، والصبر على مشقة التأليف.
موسوعة «عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن:
ومن أروع النماذج التي تجسد هذا المعنى موسوعة «عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن» التي ألّفها آية الله الشيخ محمد مهدي الخرسان، والتي تعد بحق كتاب العمر؛ إذ قضى في إعدادها أكثر من سبعين عامًا من البحث، والتحقيق، والمراجعة، والتدقيق، حتى خرجت في واحد وعشرين مجلدًا، لتصبح واحدة من أضخم الدراسات الموسوعية التي تناولت شخصية عبدالله بن عباس وتراثه.
ولو تأملنا هذا الرقم لوجدنا أنه يتجاوز مجرد كونه مدة زمنية؛ فهو يمثل حياةً كاملة سخّرها صاحبها لخدمة المعرفة، حتى أصبح هذا المشروع شاهدًا على أن الإرادة العلمية قادرة على تحويل العمر كله إلى رسالة.
لماذا عبدالله بن عباس؟
لم يكن اختيار عبدالله بن عباس اختيارًا عابرًا؛ فهو من أبرز الشخصيات العلمية في تاريخ الإسلام، وقد عُرف بلقب حبر الأمة وترجمان القرآن لما امتلكه من سعة العلم، وعمق الفهم، ودقة التفسير.
وقد تتلمذ على رسول الله ﷺ، ونهل من علوم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأصبح مرجعًا لكبار التابعين في تفسير القرآن، والفقه، واللغة، والحديث، حتى أصبحت آراؤه التفسيرية من أهم المصادر التي اعتمد عليها المفسرون عبر القرون.
ومن هنا فإن دراسة شخصية بهذا الحجم ليست دراسة لسيرة رجل واحد، بل هي دراسة لمرحلة كاملة من مراحل تشكل العلوم الإسلامية.
مدرسة في الصبر العلمي:
إن أعظم ما يتعلمه الباحث من هذا المشروع ليس المعلومات التي يحتويها فحسب، بل الدرس الأخلاقي الذي يقدمه.
فالشيخ محمد مهدي الخرسان لم يكن يسابق الزمن، ولم يبحث عن الشهرة السريعة، بل كان يؤمن أن الأعمال الكبيرة تحتاج إلى نفس طويل، وأن البناء العلمي الحقيقي يقوم على التدرج، والصبر، والمثابرة.
ولهذا فإن هذه الموسوعة تعلم الأجيال أن الإنجازات العظيمة لا تُولد من الاندفاع المؤقت، وإنما من الاستمرار اليومي، ولو كان التقدم بطيئًا.
فكل صفحة من صفحات الموسوعة هي ثمرة ساعات طويلة من القراءة، وكل فصل منها يقف خلفه جهد ربما استغرق شهورًا، وربما سنوات.
سبعون عامًا عمرٌ كامل في خدمة مشروع واحد:
إن سبعين عامًا ليست مدة زمنية عابرة، بل هي حياة علمية كاملة.
فقد بدأ الشيخ محمد مهدي الخرسان مشروعه في وقت مبكر، وكانت فكرته الأولى أن يخرج الكتاب في أربعة مجلدات فقط. وعندما اكتمل هذا العمل الأول، كتب له في سنة 1374هـ تقريظان علميان، أحدهما من العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني، والآخر من المرجع الديني السيد عبدالهادي الشيرازي، وكان ذلك إيذانًا بقرب طباعة الموسوعة في صورتها الأولى.
ولكن المؤلف لم يقتنع بأن المشروع قد بلغ غايته، بل رأى أن شخصية بحجم عبدالله بن عباس تستحق دراسة أوسع وأعمق، وأن كثيرًا من المصادر لم تُستثمر بعد، وأن كثيرًا من الروايات تحتاج إلى تمحيص، وكثيرًا من الشبهات تحتاج إلى مناقشة علمية.
وهكذا اتخذ قرارًا استثنائيًا؛ فلم يطبع العمل بصورته الأولى، بل عاد إلى البحث من جديد، واستمر يضيف ويحقق ويصحح ويوثق حتى تحولت المجلدات الأربعة إلى موسوعة ضخمة في واحد وعشرين مجلدًا، استغرق إنجازها أكثر من سبعين عامًا.
إنه مثال نادر لعالم لم يستعجل النشر، بل قدّم اكتمال الفكرة على سرعة الإنجاز، وجودة العمل على الرغبة في الظهور.
قيمة التحقيق العلمي:
من أهم ما يميز هذا المشروع اعتماده على التحقيق العلمي، وهو عمل قد لا يلتفت إليه القارئ العادي، لكنه يمثل أساسًا في الدراسات الأكاديمية.
فالتحقيق لا يعني مجرد نقل النصوص، بل يشمل:
مقارنة الروايات المختلفة.
مراجعة المخطوطات.
توثيق الأقوال.
عزو النصوص إلى مصادرها الأصلية.
بيان الاختلافات بين النسخ.
مناقشة الآراء والترجيح بينها وفق الأدلة.
وهذا اللون من العمل يحتاج إلى دقة وأمانة وصبر، ولذلك لا يستطيع القيام به إلا من تمرس بالبحث سنوات طويلة.
مشروع علمي تجاوز حدود البلدان واللغات:
لم يكتفِ الشيخ الخرسان بالرجوع إلى المصادر العربية، بل سعى إلى جمع كل ما كُتب عن عبدالله بن عباس بمختلف اللغات.
فراجع الكتب العربية والفارسية والتركية والأردية، وتتبع المقالات والرسائل الجامعية، وبحث في المخطوطات النادرة المنتشرة في المكتبات الإسلامية.
وعندما زار مدينة مشهد سنة 1432هـ، تعرّف المسؤولون في العتبة الرضوية على مشروعه العلمي، فأبدوا تعاونًا كبيرًا معه، ووضعوا بين يديه ما يحتاج إليه من مخطوطات، وقاموا بتصوير عدد كبير منها، بل كلّفوا بعض المختصين بتصوير مخطوطات أخرى من المكتبات الرئيسة خدمة لهذا المشروع العلمي.
وهذا يعكس حقيقة مهمة، وهي أن المشاريع العلمية الكبرى تستقطب احترام المؤسسات العلمية، لأنها ليست جهودًا شخصية عابرة، وإنما أعمال تخدم تراث الأمة بأكملها.
الموسوعةأكثر من مجرد كتاب:
الموسوعة ليست تجميعًا للنصوص، بل هي عمل علمي متكامل يقوم على التحقيق، والنقد، والتوثيق، والمقارنة، والتحليل.
فالعمل الموسوعي يتطلب من مؤلفه أن يعود إلى مئات المصادر، وأن يوازن بين الروايات المختلفة، وأن يميز الصحيح من الضعيف، وأن يضع كل نص في سياقه التاريخي والعلمي.
ولهذا فإن الموسوعات الكبرى تمثل قممًا في الإنتاج العلمي، لأنها تختصر على الباحثين سنوات طويلة من البحث، وتقدم لهم المادة العلمية بصورة منظمة وموثقة.
ومن هنا تبرز قيمة هذا الإنجاز؛ إذ لم يكن الهدف مجرد جمع ما قيل عن ابن عباس، بل إعادة بناء تراثه العلمي وفق منهج بحثي دقيق، يجمع بين الأمانة العلمية وسعة الاطلاع.
موسوعة شاملة لكل ما يتعلق بابن عباس:
لم يترك المؤلف جانبًا من حياة عبدالله بن عباس إلا تناوله بالبحث.
فقد تناول:
نسبه وولادته ونشأته.
حياته في عهد النبي ﷺ.
مواقفه بعد وفاة النبي.
علاقته بالخلفاء.
دوره في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
علاقته بالإمام الحسن (عليه السلام).
حياته في العصر الأموي حتى وفاته سنة 68هـ.
أساتذته وتلاميذه.
منهجه في تفسير القرآن.
مروياته الحديثية.
آراؤه الفقهية.
مكانته العلمية.
آثاره المنسوبة إليه.
الشبهات المثارة حوله والرد عليها.
حتى أصبحت الموسوعة بحق دائرة معارف متكاملة عن شخصية عبدالله بن عباس.
بناء الموسوعة:
قسم الشيخ الخرسان موسوعته إلى أربع حلقات رئيسة، لكل منها موضوعها المستقل، فجاء البناء العلمي في غاية الدقة والتنظيم.
أولًا: ابن عباس… التاريخ والسيرة
وتقع هذه الحلقة في خمسة مجلدات.
وقد تناول فيها المؤلف السيرة التاريخية الكاملة لابن عباس منذ ولادته في زمن النبي ﷺ وحتى وفاته سنة 68هـ.
كما ناقش جميع الإشكالات التاريخية، وصحح كثيرًا من الأخطاء التي وردت في الكتب السابقة، وقارن بين الروايات المختلفة، معتمدًا المنهج النقدي في تحليل الأخبار.
ثانيًا: الدراسة والعطاء العلمي
وتقع كذلك في خمسة مجلدات.
وفيها درس المؤلف شخصية ابن عباس العلمية، فبحث في أساتذته، ومن أخذ عنهم العلم، ومنهج تعلمه، ثم تناول طريقته في تفسير القرآن، ورواية الحديث، واستنباط الأحكام، وأثره في نشأة العلوم الإسلامية.
كما استعرض ما كتبه العلماء عنه عبر القرون، مبينًا مكانته في التراث الإسلامي.
ثالثًا: آثار ابن عباس
أما الحلقة الثالثة فقد خُصصت لتراث ابن عباس العلمي.
ومع أن عبدالله بن عباس لم يترك كتابًا ألّفه بنفسه، فإن تلامذته نقلوا علمه، وجمعوا أقواله في كتب مستقلة.
وقد تتبع الشيخ الخرسان جميع المؤلفات المنسوبة إليه، فجمع ثمانية عشر مؤلفًا نُسبت إلى ابن عباس، ثم قام بدراستها دراسة نقدية، فصحح نسبة بعضها، وناقش نسبة بعضها الآخر، وبيّن ما أُلحق باسمه دون دليل علمي.
وهذا يمثل عملًا توثيقيًا بالغ الأهمية في تحقيق التراث.
رابعًا: ابن عباس في الميزان بين الجرح والتعديل
وتُعد هذه الحلقة من أهم أجزاء الموسوعة، وهي أكبر رد علمي على الشبهات التي أثيرت حول شخصية عبدالله بن عباس.
ومن أشهر هذه الشبهات ما قيل إنه أخذ أموال البصرة عندما كان واليًا عليها في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وقد ناقش الشيخ الخرسان هذه القضية مناقشة تاريخية دقيقة، فتتبع الروايات بحسب تسلسلها الزمني، وقارن بين مصادر أهل السنة ومصادر الشيعة، وحلل أسانيدها، ثم ناقش الرسائل المتبادلة بين الإمام علي (عليه السلام) وابن عباس، وانتهى إلى أن هذه الرواية لا تثبت تاريخيًا.
كما استدل على ذلك ببقاء ابن عباس مع الإمام علي (عليه السلام) حتى استشهاده، ومشاركته في تغسيله وتكفينه، ثم مبايعته للإمام الحسن (عليه السلام)، ودعوته الناس إلى بيعته، وتوليه ولاية البصرة من قبل الإمام الحسن، وهو ما يتنافى مع الادعاءات التي حاولت النيل من أمانته أو ولائه.
وهكذا تحولت هذه الحلقة إلى نموذج رصين في دراسة الروايات التاريخية ونقدها، بعيدًا عن التعصب أو التسليم غير المدروس.
عشرة أعوام من المراجعة قبل الطباعة:
ولم تنته رحلة الموسوعة بانتهاء تأليفها؛ إذ خضعت بعد ذلك لمراجعة علمية دقيقة استمرت عشر سنوات داخل مركز الأبحاث العقائدية.
فقد بدأت طباعة الحلقة الأولى سنة 1428هـ، واستمرت أعمال المراجعة والتصحيح حتى سنة 1438هـ، وكان المركز يدوّن ملاحظاته ويرسلها إلى المؤلف، فيجيب عنها ويصحح ما يراه مناسبًا، حتى خرجت الموسوعة في أفضل صورة علمية ممكنة.
وهذا يدل على أن العمل الموسوعي لا يقوم على جهد فردي فحسب، بل يحتاج إلى التعاون بين المؤلف والمؤسسات العلمية المتخصصة، لضمان أعلى درجات الدقة والتوثيق.
العلماء يبنون الحضارات:
لقد اعتادت الأمم أن تخلد القادة السياسيين والعسكريين، لكن الحضارات في حقيقتها لا تقوم إلا بالعلماء الذين يصنعون المعرفة، ويحفظون التراث، وينقلونه إلى الأجيال.
ولذلك فإن المشروعات الموسوعية الكبرى تمثل ثروة حضارية، لأنها تحفظ ذاكرة الأمة، وتوفر للباحثين مادة علمية موثقة، وتمنع ضياع كثير من التراث.
ومن هذا المنطلق، فإن موسوعة «عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن» ليست ملكًا لمؤلفها وحده، بل هي رصيد علمي للأمة الإسلامية كلها.
رسالة للأجيال:
إن هذه الموسوعة تقدم رسالة مهمة لكل طالب علم، وهي أن المعرفة لا تُنال بالعجلة، ولا بالاعتماد على المختصرات وحدها.
فالعلم يحتاج إلى:
قراءة واسعة.
وصبر طويل.
وتواضع أمام الحقيقة.
واحترام للمصادر.
واستعداد دائم للمراجعة والتصحيح.
وكل مشروع علمي كبير يبدأ بخطوة صغيرة، ثم ينمو عامًا بعد عام حتى يصبح أثرًا خالدًا.
إن هذه الموسوعة تعلم الباحثين أن الإنجازات الكبرى لا تصنعها السرعة، بل يصنعها الصبر.
وتعلمهم أن الباحث الحقيقي لا يكتب ليكثر مؤلفاته، وإنما يكتب ليقدم عملاً يبقى مرجعًا للأجيال.
كما تؤكد أن خدمة التراث الإسلامي لا تتحقق إلا بالتحقيق العلمي، وجمع المصادر، واحترام النصوص، والتثبت من الروايات، والابتعاد عن الأحكام المتعجلة.
إن موسوعة «عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن» ليست مجرد واحد وعشرين مجلدًا، بل هي قصة عالم أفنى أكثر من سبعين عامًا من عمره في خدمة شخصية علمية واحدة، حتى جمع كل ما يتعلق بها من كتب، ومخطوطات، وروايات، ودراسات، ثم أعاد صياغتها في عمل موسوعي فريد.
وهي شاهد حي على أن العمر إذا اقترن بالإخلاص، والصبر، والأمانة العلمية، تحول إلى إرث خالد، وأن الباحث الذي يجعل العلم رسالته لا يقاس بعدد السنين التي عاشها، بل بما تركه من أثر يبقى منارة للباحثين وطلاب المعرفة عبر الأجيال.






