
أمير الصالح
مقدمة
الأبوة والأمومة الصادقة رسالة عظيمة، وجزاء حسن أدائها الجنة بإذن الله. فالموضوع أكبر من أب بيلوجي أو أم بيلوجية. الموضوع أداء أمانة وغرس سلوكيات محمودة في صفوف الأبناء، كذلك زرع مفاهيم كرامة راسخة وإيمان بالله عميق وصنع قدوات مُلهمة والإرشاد لاتباع من أوجب من الله اتباعهم (النبي محمد وآل محمد).
حوار
كان وما يزال أبي (حفظه الله وأسبل عليه وعلى والدتي ثياب الصحة والعافية ودوام السعادة) يكرر على مسامعي ومسامع إخوتي وبعض القرابة جُمل قصيرة ذات دلالات عميقة. تلك الجُمل ترسم طريق حياة كريمة قوامها الكرامة ونهايتها المجد وسبلها الانضباط وسماؤها الإيمان بالله والتوكل عليه وسياجها ضبط تحصيل العلوم وخطوطها المثابرة ومواقف استراحتها الرحمة والعناية والتفكير وعلامات الطريق فيها هدى النبي محمد (ص) وآل بيته الكرام. ومن جملة ما كان يقول أبي لنا:
١- كد كد العبد تصبح حرًّا ( الدلالة: الكرامة+ الاستقلال+ حفظ ماء الوجه/ الاجتهاد في العمل/ اكتساب الخبرة المهنية والأكاديمية بأقصى جهد وأسرع وقت لاحراز التميز)
٢-أسلخ لحم بدني لاُطعم أبنائي (الدلالة: التضحية والبذل والشهامة والعزوة والاستبسال)
٣-من اهتم بعنزته أتت له بتوم ومن أهملها ذهبت تهوم (الدلالة: الرعاية والملاحظة والمتابعة والاهتمام).
٤-أجعل من يراك يترحم على من رباك ( الدلالة: وجوب الانضباط في الألفاظ والسلوك والالتزام بالقيم حيثما حل الإنسان أو ارتحل).
٥-احفظ ماء وجهك عن الوضعاء ( الابتعاد عن الأنذال وأهل الرياء وصون الكرامة)
٦- ترك الحاجة أحسن من طلبها من غير أهلها ( العز والكرامة وحفظ ماء الوجه أوجب من بلوغ أمور دنيوية مستنزفة)
٧-جود بنفسك لصيانة كرامتك ( الدلالة: الكرامة فوق أي اعتبار)
٨-قصر على نفسك من أجل حفظ أبنائك ( الدالة: تحمل المسؤولية والذود عن الأبناء بكل قوة).
٩-إن ولائم الرجال دين يجب رده (الدلالة: من ملأ الناس صحنه بالخيرات، يجب عليه رد الجميل)
١٠-مصاحبة الرجال الأشراف مصاهرة
١١-معرفة الأجاويد كنز لا يعرف قيمته إلا الأجواد ممن هم مثله
١٢- منادمة السفهاء والمبتذلين ندامة فالإنسان قرين جلسائه (الدلالة: الابتعاد عن أي مشبوه في سلوكه لأن من يماشيه ستلصق له التهمة نفسها؛ ضرورة حسن انتقاء الأصدقاء)
١٤- الغني البطران كالفاسق المبتذل حتمًا سيرمي جلساءه يومًا ما
١٥- إن الأثرياء الفساق إذا حبوك واجتهدوا عَدوك من سائر الخدم
(الدلالة: التحذير من تقلب الأمور ويذهب حينذاك فيها الإنسان الإمعة)
١٦- معاشرة الناس بالأخلاق الفاضلة تصنع اسمك وتترك رسمك
١٧- أحبك نعم أحبك بل مليون مرة أحبك، ولكن أحب نفسي أكثر من حبي لك (الدلالة: إنقاذ النفس من الهلاك أولى باتباع من نحبهم حتى لو كانوا أبناءنا)
١٨- الذي لا يعدك مكسب لا تعده خسارة (الدلالة: الزهد فيمن يبخسك حقك، وترك صديق المصالح واعتماد مبدأ المعاملة بالمثل واكتشاف مرحلة عدم التقدير ممن يتظاهر بصداقته/ مؤاخاته لك)
١٩-من تركك في عرض البحر وحيدًا، لا تخبره إذا وصلت سالمًا (الدلالة: من سعى لتضليلك أو لإغراقك أو التنصل عنك في الشدائد، إنه ليس شخصًا جديرًا أن تخبره بقصص نجاحك)
٢٠-كثر الدق يفكً اللحام ( للتنويه بأهمية الإصرار في غرس السلوك الحسن إيقاظ الأبناء لصلاة الفجر أو تذكيرهم لحضور مجالس العائلة أو التذكير بضرورة الإقلاع عن عادات السهر أو التسكع)
٢١-اكسب صديقًا صدوقًا في كل مدينة خير لك من أن تبني بيتًا في كل حارة( للدلالة على أهمية الصداقة وصيانتها مع الأوفياء في كل مكان وأنها تتجاوز قيمة امتلاك عقار في كل مدينة أو حارة)
٢٢-مد رجولك على قد لحافك ( الدلالة: حسن إدارة الموارد المالية وعدم اقتفاء أو تقليد الأثرياء فيما يلبسون أو يركبون من سيارات أو يحيون احتفالات أفراحهم أو يسافرون في إجازاتهم)
وإن كان هذا فيض من غيض، إلا أنني أكتفي بذلك القدر. فهناك أقوال هي أمثال شعبية دارجة يذكرنا والدي بها؛ ودلالاتها عميقة، مثل: انفخ يا شريم قال ما في برطم/ بغاها طرب صارت نشب / يامن اشترى من حلاله علة / اللي يبي الدح ما يقول أح / كل غرفة لها أجرة / كل شارب له مقص/ الخيل من خيالها / جنت على نفسها براقش… إلخ
فهم المعاني والدلالات
كبرت وكبرت معاني تلكم الأقوال والجُمل في قلبي وعقلي لأني استوعبت جزئيًا قوالب الكلم ودلالات الألفاظ، وتلمست عن قرب معانيها وتوظيفاتها وتكلفة التمسك ببعضها ومكاسب تطبيقها في الحياة الدنيا قبل الآخرة. فهمت بعض تلكم الدروس المصبوبة بقوالب كلمات عن لسان تجارب أبي/ أمي. فشكرًا من القلب لأبي ولأمي وجزاهم الله خير الجزاء وأنزل الله في أبدانهم الصحة وفي قلوبهم سعة الإيمان وألبسهم الله ثياب العافية ومزيدًا من التقوى ومزيدًا من نور البصيرة والبصر، فلقد أدوا الرسالة وبلغوا الأمانة بحسن التربية لنا وجميل الصنع فينا. وها أنذا وامثالي نحاول جاهدين أن نحذو حذوهم لعلنا نوفق في أداء الأمانة فنحسن تربية أبنائنا ونزرع السلوكيات الطيبة في محيطنا من الأبناء والأقارب والأصدقاء والمجتمع وأبناء الوطن وسكان المعمورة.
ختامًا
الكثير من الناس ولا سيما الشباب من ذوي الفتوة جهلوا أو يجهلون أو يبخسون أو يستخفون أو يزهدون بكلمات وحكم وتجارب أقرب المحبين لهم (والديهم) لأنها تأتي لهم على طبق من فضة ومجانًا ودون جهد منهم؛ ولكن عند فهم دلالات تلكم الحكم واستيعاب متانتها وعمقها يشعر الإنسان المفتون بشبابه أو أمواله أو شهادته أو وظيفته بأنه صرف وقتًا ومالًا كثيرًا لفهم حقيقة واحدة أو حقيقتين وغابت عنه حقائق كثر. أبوا هذه الامة هما النبي محمد (ص) والإمام علي (ع) بليا بلاءً عظيمًا لنصح الإنسانية جمعاء؛ ولكن الغالبية زهد والبعض استخف وآخرون ناكفوا وبخسوا كلامهم وجواهر نصائحهم وبليغ حِكمهم. ونرى كما ترون تخبطًا كثيرًا من أبناء آدم في بقاع الأرض في إدارة شؤونهم. وأنصح نفسي ومن أحب الاسترشاد بكتاب الله ووصايا النبي وحِكم آل محمد (ص) أن يبادر في إدراك مضامين الكلمات الرصينة والأقوال البليغة قبل الخسران وفوات الأوان وبروز الحسرة ووقوع الندامة.
نحن وإياكم طلاب في مدرسة الحياة وزوار لهذة الدنيا ونسترشد الطريق الصواب بناء على المعلومات الأكثر صحة والأصدق والأدق ولكل أمة هادٍ.





