أقلام

مَدُّ القلوب

عماد آل عبيدان

تتجه الأيدي إلى شُبّاك الضريح في مشهد يربك العين من كثرة الحركة ويأخذ القلب من كثرة الشوق بيد تمتد وكتف يقترب ووجه يتقدم وعين تتعلق بالمكان وأجساد تتزاحم في مساحة ضيقة كأنها خلية نحل بحركة متصلة وكل واحد يعرف غايته.

غير أن العين ترى الأجساد أما المعنى الأعمق فيبدأ قبل ذلك كله، فالقلب غالبًا يصل إلى المكان قبل صاحبه.

تتقدم الأجساد بما يسمح به الزحام والشوق لا يعرف تلك الحدود. قد ترى إنسانًا واقفًا بعيدًا وتشعر أن روحه عند الموضع الذي يرجو الوصول إليه. وقد ترى آخر بلغ الشباك ومد يده ثم بقي لحظات كأن الطريق الطويل كله اختصرته تلك اللمسة.

ماذا يريد من يمد يده؟

لا توجد إجابة واحدة فكل يد تحمل قصة لا يعرفها صاحب اليد المجاورة. هذا جاء وفي قلبه دعاء وذاك يحمل وجعًا وثالث يبحث عن طمأنينة ورابع جاء وفاء لذكرى وآخر جاء لقضاء حاجة وربما جاء طفل لا يعرف من المشهد سوى أنه رأى أمه تفعل ذلك فأراد أن يفعل مثلها. وبعد أعوام قد تتحول تلك الحركة الصغيرة إلى صورة مستقرة في ذاكرته فكلما تذكرها عاد إليها شعوره وازداد يقينه بما حمله ذلك الموضع في قلبه.

فالإنسان لا يدخل الأماكن العزيزة بجسده وحده فيدخل إليها بولائه واعتقاده وأمنياته وحاجته ويحمل إليها ما عجز عن قوله للآخرين فيبثه هناك بينه وبين حبيبه. ولهذا قد يقف شخصان في المكان نفسه ثم يعود كل واحد منهما بحكاية مختلفة وربما باللحظة ذاتها التي عاشها الآخر غير أن وقعها في داخله مختلف.

أحدهما يرى زحامًا والآخر يرى يقينًا وعمرًا من الولاء والانتماء اجتمع في لحظة.

المكان أيضًا يحمل ذاكرة من مروا به. تتراكم حوله الزيارات والانتظارات والدموع والرجاءات فيكبر في الوجدان حتى يغدو عند محبيه أكثر من مساحة تحيطها الجدران. يصير له موضع خاص في أيامهم وتصبح العودة إليه شبيهة بالعودة إلى مألوف يسكن القلب منذ زمن الفطرة.

ولهذا يأخذ الازدحام هنا معنى آخر. قد تضيق المسافة بين الأكتاف وتتداخل الخطوات وتتقارب الوجوه والأجساد ومع ذلك يشعر المرء براحة لا يجدها في ازدحامات الحياة الأخر.. لأن الذين حوله يتحركون نحو معنى وطريق واحد. القريب منه وإن كان غريبًا عنه في الحكاية والبلد إذ يحمل شيئًا يفهمه في تلك اللحظة دون حاجة إلى شرح.

وهنا تظهر حاجة إنسانية عميقة إلى أن يشعر أنه ليس وحده.

يمضي كثيرون في حياتهم حاملين ما لا يراه أحد فلكل وجه قصة ولكل قلب حمله الخاص ثم يجد الإنسان نفسه في مكان كهذا وسط وجوه لا يعرفها فيدرك أن البشر مهما اختلفت تفاصيلهم يلتقون في حاجتهم إلى الأمان والرجاء والمعنى والولاء.

قد ترى رجلًا يغالب دمعة وآخر يطيل النظر وثالثًا بتمعنه وطفلًا يتلفت بدهشة.. وأنت لا تحتاج إلى معرفة قصصهم حتى تفهم المشهد ويكفي أن تراهم مجتمعين لتدرك أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى مكان يضع فيه شيئًا من حمله.

فماذا يعود به الزائر إلى بيته؟

هنا يبدأ الأثر الحقيقي.

قد يعود أكثر طمأنينة أو أقدر على احتمال يومه أو أكثر قربًا من نفسه. وربما لا يلاحظ شيئًا في اللحظة نفسها ثم يظهر الأثر بعد أيام في موقف صغير .. ربما رحمة تجاه شخص .. عفو عن خطأ.. صبر على أمر متعب.. رغبة في إصلاح علاقة أفسدتها الأيام أو قضاء حاجة ضاقت بصاحبها.

هناك يعرف الإنسان مقدار ما بقي في داخله من تلك اللحظة.

وأتوقف كثيرًا عند الغبار.

غبار الطريق الذي يعلق بالثياب والأحذية واليدين.. شيء عابر لا قيمة مادية له غير أن غبار الزائرين يحمل معنى آخر لمن عاش التجربة. قد يعود معه إلى بيته وتبقى معه ذكراه فقد جاء من طريق حمل صاحبه إلى موضع أحبه وربط جسده بأرض وطئتها خطوات الشوق.

غبار عابر وأثر لا يعبر.

لهذا أفهم تلك الأيدي الممتدة طويلًا وأفهم من يحاول الوصول خطوة إضافية ومن ينتظر دوره حتى يصل ومن يرفع يده كأنه يخشى أن تفوته لحظة طال إليها شوقه. وأفهم كذلك من يقف بعيدًا يراقب المشهد ويحاول أن يعرف سر هذا التعلق.

فالمسألة في جوهرها مسافة بين الإنسان ونفسه.

قد يقطع المرء طريقًا طويلًا ليصل إلى موضع عزيز ثم يكتشف في داخله أنه كان يبحث عن خطوة أخرى تقوده إلى شيء فقده من نفسه وسط انشغالات الحياة.

لهذا يبدو المشهد أكبر من الأيدي التي نراها.

القلب يمتد قبل اليد والشوق يسبق الخطوة والروح تحاول الاقتراب بما يتجاوز قدرة الجسد. وقد تمر على بعض الزائرين لحظة يشعرون فيها أن غطاء خفيفًا انزاح عن أعينهم فرأوا المكان بقلبهم على نحو مختلف فتلك لحظة لا تحتاج إلى شرح طويل فبعض الأشياء نعيشها أكثر مما نرويها.

تعود بعدها إلى بيتك وتعود الأشياء إلى أماكنها وتستأنف الحياة تفاصيلها المعتادة ويبقى معك شيء صغير بحسّه كبير بمعناه ووقعه في النفس.. لمسة، نظرة، دمعة، دعاء، أو غبار عالق من الزوّار.

تعود من مكان أخذت إليه جسدك وأنت تشعر أن شيئًا في داخلك قد تغيّر.

هناك.. وسط تلك الأيدي المتزاحمة لا يتحرك الناس نحو الشباك وحده فكل إنسان يحاول الوصول إلى شيء يسكن قلبه.

وكل يد تمتد إلى هناك يحملها قلب سبقها وولاء من فاضل طين الإنسان إلى النور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds