
هاشم السمين
صلةٌ وتعارف… لا استعلاءٌ وتفاخر
الجزء الأول
حين يتحول النسب من هويةٍ إلى عصبية
منذ أن عرف الإنسان نفسه، عرف أسرته وعشيرته وقومه، وحمل معه أسماء الآباء والأجداد، وحفظ أنساب العائلات والقبائل، واعتز بما ورثه من تاريخٍ ومآثر.
ولذلك فليس غريبًا أن يحظى النسب بمكانة في المجتمعات الإنسانية، وليس من الصحيح أن يُنظر إلى معرفة الأنساب باعتبارها أمرًا مذمومًا في ذاته.
المشكلة تبدأ حين يتحول النسب من وسيلة للتعارف إلى وسيلة للتفاضل، ومن رابطة للرحمة إلى رابطة للعصبية، ومن اعتزاز بالأصل إلى استعلاء على الآخرين.
وهنا يأتي التصحيح الإسلامي للمفهوم.
النسب للتعارف لا للتفاضل
يضع القرآن الكريم قاعدة بالغة الدلالة في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالآية لم تقل: لتتفاخروا، ولا ليستعلي بعضكم على بعض، وإنما قالت:
﴿لِتَعَارَفُوا﴾.
إن وجود الشعوب والقبائل والعائلات جزء من التنوع الإنساني، لكنه ليس سلمًا للسيادة الاجتماعية، ولا ميزانًا للكرامة الإنسانية.
قد أعرف نسبك لأعرف كيف أصل إليك، وكيف أصل رحمك، وكيف أحفظ حقك، وكيف أفهم تاريخك؛ لا لكي أضعك في مرتبة أدنى مني.
حين تصبح العصبية أعمى من الحقيقة
الخطر يبدأ عندما يصبح الانتماء أقوى من العقل، ويصبح القريب على حق لمجرد أنه قريب، ويصبح المخالف مخطئًا لمجرد أنه خارج الدائرة.
وهذه هي العقلية التي حاربها الإسلام.
فالعصبية ليست أن تحب قومك، ولا أن تفرح بمآثر أهلك، وإنما أن تنصر جماعتك في الحق والباطل، وتغضب لها ولو ظلمت، وتراها أفضل من غيرها ولو كانت الحقيقة في الجانب الآخر.
وقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام في تعريف العصبية المذمومة:
«العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرًا من خيار قوم آخرين».
وهذه عبارة تختصر المشكلة كلها.
فأن تحب قومك أمر، وأن ترى قومك أفضل من جميع الناس لمجرد أنهم قومك أمر آخر.
الإسلام لا يلغي الانتماء… بل يهذبه
لم يأت الإسلام ليقتلع الإنسان من جذوره، ولا ليجعله بلا أهل ولا عشيرة ولا تاريخ.
بل أبقى على صلة الرحم، وأكد حق الوالدين والأقارب، ودعا إلى الإحسان إلى الأهل والعشيرة، وجعل الروابط الاجتماعية بابًا من أبواب الرحمة والتكافل.
لكن الإسلام نقل الانتماء من العصبية إلى المسؤولية.
فالعائلة ليست حصنًا ضد الآخرين، وإنما يمكن أن تكون مساحة للرحمة.
والقبيلة ليست راية فوق رايات الناس، وإنما يمكن أن تكون شبكة للتكافل والتعاون.
والنسب ليس شهادة تفوق، وإنما وسيلة للتعارف وصلة الأرحام وحفظ التاريخ.
بين الاعتزاز والتفاخر
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين كثيرًا ما يختلطان:
الاعتزاز بالنسب، والتفاخر بالنسب.
فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يخجل من أسرته، ولا أن يتبرأ من آبائه وأجداده، ولا أن يمحو ذاكرته العائلية.
بل إننا نجد في سيرة النبي وأهل البيت عليهم السلام اعتزازًا واضحًا بالنسب، دون أن يتحول ذلك إلى احتقار للآخرين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«أنا الذي سمتني أمي حيدرة».
وقال الإمام الحسين عليه السلام:
«أنا الحسين بن علي، آليت أن لا أنثني».
وقال الإمام زين العابدين عليه السلام:
«أنا علي بن الحسين بن علي».
فالاعتزاز بالأصل ليس هو المشكلة.
المشكلة أن يتحول هذا الاعتزاز إلى رسالة تقول للآخر:
أنا أفضل منك لأن نسبي أفضل من نسبك.
الأول اعتزاز، والثاني استعلاء.
الأول يحفظ الهوية، والثاني يصنع العصبية.
الأول يعرّف الإنسان بأصله، والثاني يجعل الأصل معيارًا للحكم على الإنسان.
الميزان الذي لا يتغير
ولهذا أعاد القرآن وضع الميزان في موضعه الصحيح:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالنسب قد يخبرك من أين جئت، لكنه لا يخبرك بالضرورة من أنت.
ما يرفع الإنسان في ميزان الله هو إيمانه وتقواه وعمله وخلقه.
وقد يكون الإنسان من بيت مشهور، لكنه لا يحمل من مجد آبائه إلا الاسم.
وقد يكون من أسرة لا يعرفها الناس، لكنه عند الله أرفع وأكرم.
ولهذا لا ينبغي أن يشعر الإنسان بالدونية لأن نسبه غير مشهور، كما لا ينبغي أن يشعر غيره بالتفوق لأن نسبه مشهور.
فليس للإنسان أن يحتقر نفسه لنسبه، ولا أن يحتقر غيره بسبب نسبه.
وهنا تتضح الرؤية الإسلامية:
نعرف أنسابنا، ونحفظ أصولنا، ونصل أرحامنا، ونعتز بما في تاريخ آبائنا من خير؛ لكننا لا نجعل النسب ميزانًا للكرامة، ولا ذريعة للازدراء، ولا جسرًا إلى العصبية.





