
علي المفتاح
في السادس والعشرين من أغسطس 2026، اجتمع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ورئيسي مجلسي النواب والشيوخ، ورئيس الوزراء، ووزير الأوقاف، وقيادات الدولة والقوات المسلحة، في احتفال رسمي بذكرى المولد النبوي الشريف. بدأ الاحتفال بتلاوة القرآن الكريم، وتخللته كلمات دينية وأفلام عن سيرة النبي ﷺ، وإنشاد ديني، وتكريم عدد من العلماء والشخصيات. ولم يكن المشهد مجرد مراسم بروتوكولية؛ ففي كلمته دعا السيسي إلى أن تكون ذكرى المولد نقطة تحول تظهر فيها أخلاق النبي في أخلاق أتباعه، مؤكدًا أن الرحمة كانت من غايات رسالته.
المشهد المصري ليس استثناءً
في ماليزيا، يُدرج مولد النبي ضمن العطلات الرسمية، وتُنظم الحكومة عبر إدارة التنمية الإسلامية «جاكيم» احتفالًا وطنيًا يحضره الملك ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين. وفي عام 2025 أقيم الاحتفال الوطني في مركز ماليزيا للمعارض الزراعية، بحضور الملك السلطان إبراهيم والملكة ورئيس الوزراء أنور إبراهيم.
وفي إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، أدرجت الحكومة المولد ضمن العطلات الوطنية لعام 2025، وحددت الخامس من سبتمبر موعدًا للمناسبة.
أما في سلطنة عُمان، فالمناسبة ليست مجرد فعالية دينية؛ إذ أعلنت الحكومة يوم المولد إجازة رسمية لموظفي الجهاز الإداري للدولة والعاملين في القطاع الخاص، ورفعت وزارة العمل تهانيها إلى السلطان هيثم بن طارق والشعب العُماني وجميع المسلمين.
وفي باكستان، اتخذ الرئيس آصف علي زرداري في مناسبة المولد عام 2025 قرارًا بالعفو الخاص عن 180 يومًا من مدة عقوبة بعض السجناء المستحقين، بعدما وافق على زيادة العفو المقترح من الحكومة من 100 يوم إلى 180 يومًا، في قرار ربطته الرئاسة بمعاني الرحمة والمناسبة.
وفي بروناي، يأخذ الاحتفاء صورة مختلفة؛ فالمولد مناسبة وطنية واسعة تشارك فيها المؤسسات الحكومية والقوات المسلحة، ويشارك السلطان حسن بلقيه في المسيرات والفعاليات التي تقام بهذه المناسبة.
وتتكرر صور الاحتفاء، وإن اختلفت تفاصيلها، في دول إسلامية عديدة أخرى؛ من بنغلاديش وباكستان إلى المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسودان وموريتانيا والسنغال ونيجيريا والنيجر وساحل العاج، ومن الأردن والإمارات والبحرين والكويت والعراق إلى دول جنوب وجنوب شرق آسيا.
بين دولة تجعل المناسبة عطلة رسمية، وأخرى يقود فيها الملك مسيرة شعبية، وثالثة يجتمع فيها الرئيس مع كبار العلماء، ورابعة تربط المناسبة بالعفو عن السجناء، تتشكل صورة واسعة لمناسبة تجاوز حضورها حدود المجالس الخاصة لتصبح جزءًا من الحياة العامة في بلدان كثيرة.
ولكن ماذا عن السؤال الذي يتكرر كل عام: أليس الاحتفال بالمولد بدعة؟
الإجابة المنصفة تبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: نعم، هناك علماء يرون أن تخصيص يوم للمولد لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ولذلك لا يرون مشروعية الاحتفال به. وهذا رأي فقهي معروف لا ينبغي تجاهله.
ولكن في المقابل، هناك علماء ومؤسسات إسلامية معتبرة ترى مشروعية إحياء هذه الذكرى، ومن بينها دار الإفتاء المصرية، التي تستند إلى أن الاجتماع لقراءة القرآن والسيرة والصلاة على النبي والذكر والدعاء وإطعام الطعام أعمال مشروعة في أصلها، ولا تصبح محرمة لمجرد اجتماعها في ذكرى المولد.
واللافت أن أصل النقاش نفسه يرتبط بحديث صحيح في صحيح مسلم؛ فقد سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذلك يوم وُلدت فيه».
النبي ﷺ لم يقم احتفالًا سنويًا بالمولد بالصورة التي نعرفها اليوم، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. ولكنه ذكر يوم مولده وربطه بعبادة هي الصيام. ومن هنا بنى العلماء الذين أجازوا إحياء المولد استدلالهم على أن تذكر نعمة مولده ﷺ والتعبير عن الفرح به وشكر الله عليه يمكن أن يكون من خلال أعمال مشروعة، كقراءة سيرته والصلاة عليه والصدقة وإطعام الطعام، ما دامت المناسبة لا تتضمن محرمًا.
ولهذا فإن اختزال المسألة في جملة «المولد بدعة» لا يعكس حجم الخلاف الفقهي فيها.
الأدق أن نقول: المسلمون اختلفوا في حكم تخصيص هذه الذكرى، لا في محبة النبي ﷺ ولا في وجوب الاقتداء به.
فالذي لا يرى مشروعية الاحتفال يستطيع أن يتركه دون أن يطعن في نيات المحتفلين، والذي يحيي المولد يستطيع أن يجعله مناسبة للقرآن والسيرة والصلاة على النبي والصدقة وصلة الرحم، بعيدًا عن الإسراف والمخالفات.
وهنا ربما يكون المعنى الأجمل للمولد.
فالنبي الذي جاء «رحمة للعالمين» لا ينبغي أن تتحول ذكرى مولده إلى سبب للخصومة بين المسلمين، بل إلى فرصة لاستحضار الرحمة في تعاملنا مع بعضنا، ومع أهلنا وجيراننا وضعفائنا ومجتمعنا.
ولهذا لم يكن أجمل ما قيل في احتفال مصر هذا العام مجرد الاحتفاء بالذكرى، بل الدعوة إلى أن يرى العالم أخلاق النبي في أخلاق أتباعه.
فإذا كان مولده ﷺ قد أشرق على العالم رحمة، فالأجدر أن يكون إحياؤنا لذكراه رحمة أيضًا؛ رحمة في الكلمة، ورحمة في الاختلاف، ورحمة في التعامل، ورحمة تمتد من يوم المولد إلى بقية أيام العام.
تلك هي الذكرى التي تستحق أن تبقى.





