
دلال الطريفي : الأحساء
منذ الصغر، وجدت فجر الحول شغفها في عالم الأعمال، بالتوازي مع مسيرتها الأكاديمية التي قادتها إلى دراسة العلاج التنفسي بجامعة الملك سعود والحصول على مرتبة الشرف.
بدأت أولى تجاربها الريادية قبل نحو 10 سنوات بمشروع للهدايا وتنسيق الورود، وخاضت بعدها أكثر من 10 تجارب متنوعة، قبل أن تجد نفسها في مشروعها الحالي.
في هذا الحوار، تستعرض فجر رحلتها بين المجال الصحي وريادة الأعمال، وأبرز ما تعلمته من تجاربها، وتكشف سر الاستمرارية، وتقدم نصائحها لكل من يمتلك فكرة أو شغفًا ويبحث عن الخطوة الأولى.
1. فجر، عرفينا بنفسكِ وبمسيرتكِ بين اختصاص العلاج التنفسي وريادة الأعمال؟
أنا فجر الحول، مختصة علاج تنفسي، وشغفي بريادة الأعمال بدأ معي منذ الصغر.
أشعر أن العلاج التنفسي وريادة الأعمال شكّلا شخصيتي بطريقة مميزة جدًا.
حيث أن العلاج التنفسي علّمني الجانب الإنساني؛ وعلّمني التعامل مع الناس، والمرض، والظروف الصعبة، وأهمية أن تكون حاضرًا للآخرين في أصعب لحظاتهم.
وفي المقابل، ريادة الأعمال علّمتني الواقعية، واتخاذ القرارات، وتحمل المسؤولية، ومواجهة التحديات.
ورغم أن المجالين يبدوان مختلفين تمامًا، إلا أنني أرى أن وجودهما معًا في حياتي كان مزيجًا جميلًا؛ جانب يذكّرني دائمًا بإنسانيتي، وجانب يذكّرني بواقعية الحياة وما تتطلبه رحلة رائد الأعمال.
2. حصلتِ على مرتبة الشرف من جامعة الملك سعود، فكيف بدأت علاقتكِ بعالم الأعمال؟
علاقتي بعالم الأعمال، إذا أردت أن أكون صادقة، بدأت قبل أن أعرف أن ما أفعله يُسمّى ريادة أعمال.
منذ صغري كنت أحب البيع والشراء، والمقايضة، والادخار، وكنت دائمًا أستمتع بفكرة أن آخذ شيئًا بسيطًا وأحوّله إلى قيمة أكبر.
ومع الوقت، بدأ هذا الفضول يتحول إلى اهتمام حقيقي بعالم المشاريع وكيف تُبنى الأفكار وتتحول إلى أعمال.
وخلال فترة الجامعة، ورغم انشغالي بدراسة العلاج التنفسي، كنت دائمًا أبحث عن فرص أتعلم فيها أكثر عن ريادة الأعمال، وأعتقد أن أكثر ما يميز تجربتي هو أنني لم أتعامل مع ريادة الأعمال كشيء منفصل عن اختصاصي، بل كنت أرى أن كل تجربة أعيشها تضيف لي شيئًا، وهذا ساعدني مع الوقت على بناء شخصية تجمع بين التفكير العملي، وحب التعلم، والقدرة على فهم احتياجات الناس.
3. ذكرتِ أن أول مشروع لكِ كان قبل نحو 10 سنوات.. كيف كانت البداية؟
كانت البداية بمشروع هدايا وتنسيق ورد
كنت وقتها في المرحلة المتوسطة، أدرس وفي نفس الوقت أستقبل الطلبات، وأجهز الهدايا، وأنسقها، وأوصلها للعملاء.
كانت تجربة بسيطة، ولكنها كانت ماتعة جدًا بالنسبة لي، والأجمل أنني كنت أتعلم من كل طلب ومن كل عميل.
بعدها بدأت أجرب أنموذج الـ Pop-up Business؛ أطلق مشروعًا لفترة محددة، في موسم أو مناسبة معينة، ثم أنتقل إلى فكرة أخرى.
ومن التجارب التي لا أنساها مشروع الطباعة على التيشيرتات في اليوم الوطني.
المشروع استمر ثلاثة أيام فقط، ولكن خلال هذه الفترة تجاوز عدد الطلبات 100 طلب، وكانت الأرباح بالنسبة لي وقتها مبهرة جدًا.
بعدها انتقلت من فكرة إلى أخرى؛ صممت شعارات، وصممت دعوات إلكترونية، وأجّرت ستاندات للتصوير، وجربت أفكارًا مختلفة.
ومع كل تجربة كنت أتعلم شيئًا جديدًا.
وفي النهاية وصلت إلى مشروعي الحالي، عربة الورد، وأشعر أنها جمعت الكثير من الأشياء التي تعلمتها من مشاريعي السابقة؛ من التصميم والتنسيق إلى التعامل مع العملاء وإدارة التفاصيل.
4. خضتِ تجربة أكثر من 10 مشاريع، ما أبرز درس تعلمتِه من هذه الرحلة؟
أكبر درس تعلمته هو الاستمرارية.
والمفارقة أن غالبية مشاريعي السابقة لم تفشل، ولم أخسر فيها، ولكنني أنا من لم أستمر فيها.
كنت أحيانًا أترك المشروع بسبب الدراسة، وأحيانًا بسبب الفضول ورغبتي في تجربة فكرة جديدة.
وكلما بدأت شيئًا، تحمست لفكرة أخرى وتركت الأولى.
ولكن الفرق في مشروعي الحالي أنني قررت أن أتمسك به وأستمر، حتى في الأوقات التي أشعر فيها بالملل أو تأتيني رغبة في البدء بشيء جديد.
وهنا فهمت معنى كلام والدي الذي كان داعم لي في كل خطوة اخطوها كان دائمًا يقول لي: “فجر، الاستمرار والتطوير أهم عاملين في نجاح أي مشروع.”
واليوم أصبحت أؤمن أن الفكرة الجيدة قد تبدأ المشروع، ولكن الاستمرارية والتطوير هما ما يصنعان نجاحه.
5. ما الذي وجدتهِ في مشروعكِ الحالي ولم تجديه في مشاريعكِ السابقة؟
أعتقد أن أهم شيء وجدته من الناحيه الشخصيه هو الوعي.
أنا اليوم أكثر وعيًا من فجر التي بدأت أول مشاريعها قبل سنوات؛ أصبحت أكثر وعيًا في التعامل مع العملاء، وفي مواجهة المشكلات، وفي اتخاذ القرارات، وفي معرفة متى أتمسك بالشيء ومتى أغيّره، والأهم في تحقيق التوازن.
ومن ناحية العمل أنا بطبيعتي أعشق الورد، ولذلك أشعر أنني اعمل على مشروع أحبه فعلًا ومستمتعه به.
ومن أجمل ما كسبته من هذه الرحلة ايضاً ليس فقط الخبرة أو النجاح في العمل، وإنما شعور عائلتي بالفخر بي. أمي تحديدًا كانت دائمًا حاضرة بدعواتها ودعمها، وأحيانًا كانت دعواتها أكبر سبب يدفعني للإًستمرار عندما أشعر بالتعب أو التردد و ابي في تشجيعه الدائم لي.
6. كيف استطعتِ التوفيق بين اختصاصكِ الصحي وشغفكِ بريادة الأعمال؟
بصراحة، لم يكن الأمر سهلًا.
خلال سنوات الدراسة لم أكن فعّالة في مشروع معين، لأنني كنت أعرف أن تخصصي يحتاج مني تركيزًا كبيرًا، لكنني في نفس الوقت لم أبتعد عن ريادة الأعمال؛ بل كنت أغذي هذا الجانب فيني بالتعلم.
أخذت دورات في إدارة الأعمال وريادة الأعمال من جهات مثل مسك ومنشآت وريادة، وكنت أقرأ كتبًا في مجال الأعمال، وأحرص على حضور المؤتمرات والفعاليات المرتبطة بريادة الأعمال داخل الجامعة وخارجها.
وخلال مسيرتي الجامعية، ألقيت أيضًا محاضرتين عن ريادة الأعمال، وشاركت لمدة سنتين في مؤتمر ريادة الأعمال بجامعة الملك سعود و شاركت ب افكاري في هاكثونات في الرياض والأحساء، حتى عندما لم أكن أمارس ريادة الأعمال كمشروع، كنت أمارسها كـ تعلم واستعداد.
وكنت مؤمنة أنني عندما أنتهي من دراستي، سيكون لدي شيء آخر أستطيع أن أبني عليه.
7. ما أبرز تحدٍ واجهكِ في رحلتكِ كرائدة أعمال، وكيف تجاوزتِه؟
أكثر ما أواجهه اليوم هو التحديات اليومية مثل الالتزام بالوقت، والتعامل مع المشكلات المفاجئة، والقدرة على إيجاد حل سريع دون أن يؤثر ذلك على جودة العمل.
وفي البداية، كنت أتعامل مع المشكلة وكأنها شيء يجب أن يختفي، ولكن مع الوقت فهمت أن المشكلات جزء طبيعي جدًا من حياة رائد الأعمال.
فبدلًا من أن أنتظر أن تختفي المشكلات، أصبحت أركز على أن لا تحدث وإن حدثت أتعلم كيف أتعامل معها بشكل أفضل في كل مرة.
وأعتقد أن هذا بحد ذاته جزء من النضج في ريادة الأعمال.
8. برأيكِ، ما الذي يمنع الكثيرين من اتخاذ الخطوة الأولى نحو مشاريعهم؟
أعتقد أن أكثر ما يمنع الناس هو التردد وانتظار الوقت المناسب… حتى أنا وقعت في هذا الشيء.
كنت أقول: “سأبدأ بعد التخرج”، وكأن هناك لحظة مثالية سيصبح فيها كل شيء جاهزًا.
البداية هي أصعب محطة، لأنك لا تعرف ماذا سيحدث بعدها.
لكن بمجرد أن تبدأ، تبدأ الصورة بالوضوح؛ تكتب، وتبحث، وتجرب، وتخطئ، وتتعلم، ثم تستمر.
وكم فكرة تحمسنا لها ثم تركناها؟
الفرق ليس دائمًا في الشخص الذي لديه أفضل فكرة، بل في الشخص الذي بدأ واستمر.
9. لو جاءكِ شخص لديه فكرة مشروع ولكنه لا يعرف من أين يبدأ، ما أول نصيحة تقدمينها له؟
أقول له: اكتب… لا تكتفِ بأن تبقى الفكرة في رأسك، بل اكتب فكرتك، رتبها، ادرسها، تخيلها، وارسمها حتى لو احتجت لذلك.
اكتب: من هم عملاؤك؟ ماذا تحتاج؟ ما الذي ينقصك؟ وما الخطوات التي يجب أن تقوم بها؟
ثم حوّل الفكرة إلى خطوات صغيرة.
لا تفكر: “كيف سأبني المشروع كاملًا؟”
فكر: “ماذا سأفعل اليوم؟ وماذا سأفعل غدًا؟”
لأن المشروع لا ينتقل من فكرة إلى واقع بمجرد الحماس؛ بل ينتقل عندما تحوّل الفكرة إلى خطوات وتبدأ بتنفيذها.
10. بعد 10 سنوات من التجارب، ماذا كنتِ تتمنين أن تعرفيه منذ البداية؟
كنت أتمنى أن أفهم منذ البداية أن الاستمرارية والتطوير أهم من الحماس.
في بداياتي كنت أتحمس للفكرة، وأبدأ بسرعة، ثم إذا ظهرت لي فكرة جديدة أنجذب لها وأترك المشروع الذي بدأت فيه. لكن اليوم فهمت أن المشروع لا يحتاج منك أن تكون متحمسًا له كل يوم، بقدر ما يحتاج منك أن تكون ملتزمًا به وتعرف كيف تطوره.
ومع الاستمرار بدأت أفهم أهمية مراقبة احتياج السوق. بعد حضوري لعدد من المناسبات، أصبحت أركز أكثر على الأشياء التي يحتاجها العميل فعلًا، وما الذي يمكن أن أضيفه للمشروع ليكون أكثر تكاملًا ويقدم قيمة أكبر.
ومن هنا بدأت أطور مشروعي وأضيف خدمات جديدة، مثل الطباعة بالليزر وشاشة الاستقبال، بدل أن أبقى على فكرة عربة الورد فقط.
وهنا فهمت أن التطوير لا يعني أن أغيّر فكرتي كل مرة، بل أن أتمسك بفكرتي وأطورها بناءً على احتياج السوق.
وهذا بالضبط ما كان يقوله لي والدي منذ البداية: “استمري وطوري.”
واليوم أؤمن أن الفكرة قد تكون بداية المشروع، لكن الاستمرارية والتطوير وفهم احتياج السوق هي ما يصنع نجاحه واستمراره.
11. ما رسالتكِ لكل شخص لديه حلم أو فكرة لكنه ما يزال مترددًا في اتخاذ الخطوة الأولى؟
رسالتي له بسيطة:
لا تنتظر الوقت المناسب، لأن الوقت المناسب لن يأتي.. ابدأ اليوم.
وأؤمن أن أي موهبة أو شغف عند الإنسان ممكن يتحول إلى قيمة، وممكن يتحول إلى مصدر دخل أيضًا.
تحب الورد؟ افتح مشروع ورد.
تحب التنسيق؟ ابدأ مشروع تنسيقات.
تحب القهوة؟ جرّب مشروع قهوة.
تحب الكتابة؟ اكتب كتابًا.
ليس شرطًا أن تبدأ بشيء كبير، ولا أن تكون كل الظروف مثالية.
ابدأ بالشيء الذي تحبه، وبالإمكانات الموجودة لديك، وتعلم وطوّر نفسك ومشروعك مع الوقت.
وبالنسبة لي، تحويل شغفك إلى مشروع هو أحد أهم الأشياء التي تجعلك تستمر؛ لأنك عندما تعمل في شيء تحبه، تستمتع وأنت تبنيه، حتى عندما تواجه التحديات.
وفي النهاية، قد تبدأ الفكرة كهواية أو شغف بسيط، ولكن مع الاستمرار والتطوير، ممكن تتحول إلى مشروع حقيقي وشيء أكبر بكثير مما كنت تتخيل.
وفي ختام هذا الحوار، تتقدم صحيفة بشائر بخالص الشكر والتقدير للضيفة فجر خالد الحول على مشاركتها المُلهمة، وما قدمته من تجارب ونصائح ثرية في مسيرتها بين تخصصها الصحي وريادة الأعمال.
مع تمنياتنا لها بمزيد من النجاح والتوفيق، وأن تواصل شغفها وطموحها، وتحول أفكارها إلى مشاريع وإنجازات مُلهمة في قادم الأيام.






