أقلام

خرابيش مريض72… بين لقائين

عبدالكريم آل نمر

أحيانًا…

لا نعرف أن السؤال الذي نلقيه عابرًا على شخصٍ ما قد يكون مفتاحًا لحكايةٍ طويلة.

التقيته بعد غياب دام أعوامًا، في مجلس عزاء قبل شهرين في حسينية السنان بالقطيف.

صافحته.

وكان نصف وجهه مختبئًا خلف كمامة بيضاء.

فقلت له ضاحكًا: هل عادت كورونا؟

فقال: “يا ليتها”

لم أضحك فبعض الكلمات.

تأتي وهي تحمل خلفها ما لا تستطيع أن تقوله.

ثم قال:

ما مررت به كان أشد عليّ من كورونا.

ثم أكمل:

أتريد الحكاية قبل الكمامة أم بعدها؟

قلت له مازحًا:

“الاثنين”

قال:

الاثنان لا تكفيهما وقفةٌ خاطفة هنا.

فقلتُ له:

“هذا خبرٌ جيد… إذن نتلاقى قريبًا، ونتسامر ونتذكر تلك الأيام الخوالي”

ابتسم، وكأنّ سؤالي فتح باباً كان يتمنى ألّا يُفتح، ثم قال:

“قبل لبس الكمامة… قصص وحكايات لا تكفيها خرابيشك… خرابيش مريض”

بدأت الرحلة من القطيف الى الدمام، وامتدت إلى الرياض، مرورًا بمصر والأردن، ثم كانت الرحلة الأصعب إلى الهند… وانتهت حيث بدأت في القطيف.

وفي كل مدينة وبلدة هناك عشرات الحكايات. سأحكي لك بعضها عندما نلتقي قريبًا، كما تواعدنا.

ثم أضاف:

“قصص غرف غسيل الدم لمرضى الفشل الكلوي… هناك في غرف الانتظار عشرات القصص، مرضى، ومآسٍ، وحكايات مع هذا المرض، ومعاناة لا يشعر بها إلا من عاشها”

ثم أخبرني أن سبب لبسه للكمامة هو أنه أجرى زراعة كلية قبل شهر.

وكان الطبيب قد أوصاه أن يلبس الكمامة في كل مرة يخرج فيها من منزله، وألا يذهب إلا إلى المناسبات الضرورية جدًا، وأن تستمر معه الكمامة مدة لا تقل عن ستة أشهر.

استمعتُ إليه

وافترقنا على وعدٍ بلقاء قريب.

وفي الطريق… كان في قلبي شيءٌ من الأسى، وشيءٌ من العتاب.

كيف لصديقٍ عزيزٍ عليّ أن يمر بكل ما مرّ به طوال هذه السنوات الخمس… ولا أعلم عنه شيئًا؟

هل لأنّه من بلدةٍ، وأنا من بلدةٍ أخرى؟ ذلك عذرٌ غير مقبول.

أم لأنّ الدنيا شغلتنا… حتى أنستنا أعزّ الناس إلينا؟

أم لأنّ وسائل التواصل الاجتماعي، التي قرّبت إلينا البعيد… أصبحت تشغلنا بما لا قيمة له، وتُبعدنا عن طعم الحياة الحقيقي؟

حقيقةً… لا أعلم.

لكنني أعلم شيئًا واحدًا.

أن التقصير كان منّا.

لم أكن أعرف يومها أنني لم أسمع سوى مقدمة الحكاية.

ولم أكن أعلم أن الكمامة التي تغطي نصف وجهه… تخفي حكاية أخرى.

مرّ شهران.

شهران فقط، لا أكثر، كانا كافيين ليتبدل المشهد، ويبقى السؤال معلّقًا كغيمةٍ لا تمطر.

التقيته هذا الأسبوع في حفلة زواج، بين الأضواء والضجيج.

جاء يصافحني ويبارك لي، ووجهه هذه المرة مكشوفٌ بالكامل، كأنّ الكمامة لم تكن يومًا جزءًا منه.

نظرتُ إليه، ثم قلت ضاحكًا:

أين الكمامة؟ هل ذهبت كورونا؟

ابتسم وقال:

“يا ليتها”

توقفتُ عند الكلمة ثم قلت:

ما زلت تقولها؟

فضحك وقال:” لأن ما حصل لي كان أشد من كورونا وسوالفها.

قلت: وماذا حصل؟

فقال:

“منذ ثلاثة أشهر زُرعت لي كلية”

ثم أضاف:

” الطبيب أوصاني أن أحتاط كثيرًا في هذه الأشهر الأولى، وألا أخرج إلا للضرورة، والكمامة لازم تظل على وجهي ستة أشهر على الأقل”

حمايةً لجسدٍ ما زال يتعلم كيف يقبل ضيفًا جديدًا بين أعضائه.

نظرتُ إليه.

ثلاثة أشهر فقط مضت منذ الزراعة، وها هو يقف بلا كمامة، في حسينية مزدحمة بالأنفاس والعطور والمصافحات.

سألته عن السبب.

فقال، بصوتٍ هادئ يخفي وراءه شيئًا بين الحياء والتعب:

“باختصار… السبب الناس”

عند هذه الكلمة صمتُّ.

وصمت معي.

لم يُكمل، ولم أُلحّ.

تركتُ الجملة معلّقة، كما تُترك يدٌ في منتصف مصافحة.

وانصرفنا، كلٌّ إلى فرحه.

فبعض الحكايات… حين تكون موجعة،

يكفي أن يقول صاحبها نصفها.

والنصف الآخر… تقرؤه في عينيه.

“السبب الناس”

كلمتان فقط، لكنهما كانتا أثقل من أن تمرّا كأي كلام.

وربما كانت هاتان الكلمتان… بداية حكايةٍ أخرى لم تُروَ بعد.

أما الحكايات التي وعدني بها… فما زالت تنتظر لقاءنا القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds