
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الثانية والعشرون من سلسلة “الصوت الذي بقي”، ننتقل فيها إلى مرحلة الغيبة الكبرى، لنقترب من معنى الغياب حين يطول، وما يتركه امتداد الزمن في الإنسان وإيمانه.
مقدمة:
طال الغياب، ولم يكن طول الغياب مجرد امتدادٍ للزمن، فهناك غيابٌ يمر على الإنسان ثم ينتهي، وغيابٌ آخر يتسلل إلى أعماق وعيه حتى يصبح الزمن نفسه جزءًا من التجربة. في البداية قد يكون الإنسان قادرًا على أن ينتظر أيامًا أو سنوات، لأن الأمل قريب، ولأن الذاكرة لا تزال تحتفظ بصورة من غاب، ولأن معنى العهد ما يزال واضحًا في القلب. ولكن حين تمتد السنوات إلى عقود، وتمتد العقود إلى قرون، ويتعاقب جيلٌ بعد جيل، فإن الغياب لا يعود مجرد مسافةٍ بين الإنسان ومن ينتظره، وإنما يصبح سؤالًا عن قدرة الإنسان على أن يبقى ثابتًا على ما آمن به، حتى حين لا يرى أمامه نهايةً قريبة للطريق.
وهنا يبدأ معنى الغيبة الكبرى في الظهور بصورةٍ أعمق.
فالإمام المهدي عليه السلام، في العقيدة الإمامية، ليس شخصيةً غائبةً انتهى أثرها بمجرد غيابها عن المشاهدة، وإنما هو الإمام الموجود والحجة القائمة، وإن لم يكن حاضرًا في حياة الناس بالصورة التي تسمح لهم بلقائه ومشاهدته. ولذلك فإن غيابه عن العين لا يعني غيابه عن حقيقة الإيمان، كما أن عدم اللقاء لا يعني أن العهد قد انتهى.
ولكن الإنسان بطبيعته يتأثر بما يراه ويعيشه. فالشيء الذي يراه أمامه كل يوم يبقى حاضرًا في ذاكرته، أما الشيء الذي يغيب طويلًا فقد يبدأ الزمن بإبعاده عن تفاصيل حياته، لا لأنه فقد حقيقته، وإنما لأن الإنسان يعتاد ما حوله، وقد يعتاد الغياب نفسه حتى يصبح أمرًا مألوفًا لا يوقظ فيه سؤالًا ولا يحرّك فيه شعورًا.
ولهذا فإن الغيبة الطويلة تحمل في داخلها امتحانًا مختلفًا. إنها لا تختبر الإنسان في لحظةٍ واحدة، وإنما تترك أمامه زمنًا ممتدًا يستطيع فيه أن يحافظ على يقينه، كما يستطيع أن يسمح للزمن بأن يخفف حضوره في قلبه. وقد يبدأ الإنسان حياته وهو يحمل إيمانًا قويًا، ثم تمر عليه الأيام والسنوات، وتتغير الظروف من حوله، وتتعاقب الأجيال، حتى يصبح أمام سؤالٍ لا يتعلق بما يؤمن به فقط، وإنما بكيفية بقائه وفيًّا لهذا الإيمان.
وهذا المعنى ليس بعيدًا عن طبيعة الإيمان التي يرسمها القرآن للإنسان.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾، العنكبوت: 2–3.
فالقرآن لا يقدم الإيمان بوصفه كلمةً تُقال ثم تنتهي مسؤوليتها، وإنما يربطه بالاختبار والتمحيص. والإنسان قد يعرف ما يؤمن به، لكن حقيقة إيمانه تظهر حين يصبح الطريق أطول مما توقع، وحين لا تأتي النتائج في الوقت الذي أراده، وحين يحتاج إلى أن يحفظ ما في قلبه من غير أن يستند في كل لحظة إلى ما تراه عينه.
ومن هنا يصبح طول الغياب أكثر من مجرد طولٍ في الزمن.
إنه يكشف علاقة الإنسان باليقين نفسه.
هل يحتاج المؤمن إلى أن يرى دائمًا حتى يصدق؟ وهل تبقى الحقيقة حاضرةً في قلبه حين لا يجد أمامه حضورًا حسيًا يجدد له معناها؟ وهل يستطيع أن يحمل إيمانه عبر زمنٍ لم يعد فيه الغياب مرحلةً عابرة، وإنما أصبح واقعًا تعيشه أجيالٌ كاملة؟
كان إغلاق باب النيابة الخاصة بدايةَ زمنٍ مختلف، زمنٍ لم تعد فيه الأمة أمام غيابٍ قصير أو مرحلةٍ محدودة، وإنما أمام غيابٍ امتدّ حتى صار الزمن نفسه جزءًا من التجربة.
ومنذ ذلك الحين لم يعد الغياب سؤالًا عن الإمام وحده، بل أصبح سؤالًا عن الإنسان الذي يعيش هذا الغياب، وعن قلبه الذي عليه أن يحفظ ما آمن به، وعن يقينه الذي سيواجه اختبار الزمن.
فماذا يفعل الغياب الطويل بالإنسان؟
وهل يستطيع اليقين أن يبقى حيًا حين يطول الطريق؟
هنا تبدأ حكاية الغيبة الكبرى.
حين يصبح الغياب امتحانًا
لم تكن الغيبة في تراث أهل البيت عليهم السلام حدثًا طارئًا ظهر فجأةً حين غاب الإمام المهدي عليه السلام، وإنما كانت الأمة تُهيَّأ منذ وقتٍ مبكر لفكرة أن يأتي عليها زمنٌ لا ترى فيه إمامها، وأن يكون عليها أن تحفظ دينها وثباتها في غيابه. ولهذا لم تكن الغيبة في الروايات مجرد وصفٍ لحالةٍ زمنية، بل ارتبطت بمعنى الامتحان والتمحيص، وكأن السؤال لم يكن فقط: أين الإمام؟ وإنما أيضًا: ماذا سيبقى من إيمان الإنسان حين لا يستطيع أن يراه؟
وقد روي عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، في حديثه عن صاحب هذا الأمر، أنه قال: “إنما هي محنةٌ من الله عز وجل امتحن بها خلقه”.
وهذه الكلمة القصيرة تفتح بابًا واسعًا لفهم الغيبة؛ فالامتحان هنا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يوقع الإنسان في الحيرة بلا غاية، وإنما يعني أن حقيقة ما في الإنسان قد لا تظهر إلا حين يوضع أمام ظرفٍ يحتاج فيه إلى الثبات من غير أن تكون الأشياء كلها واضحةً أمامه.
فالإنسان قد يقول إنه يؤمن، وقد يقول إنه ثابت، وقد يقول إنه ينتظر، لكن هذه المعاني لا تُختبر حقًا حين تكون الطريق سهلةً والنتيجة قريبة. إنما تظهر حقيقتها حين يطول الطريق، وتتغير الظروف، وتكثر الأسئلة، ويحتاج الإنسان إلى أن يحافظ على ما في قلبه من غير أن يستند في كل يومٍ إلى مشاهدةٍ جديدة.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كان الغياب امتحانًا مختلفًا عن غيره؛ لأن الإنسان لا يُمتحن فيه في موقفٍ عابر، وإنما يعيش مع الامتحان زمنًا طويلًا. قد يمر عليه يومٌ وهو قوي الإيمان، ثم يأتي يومٌ آخر تثقل فيه نفسه، ثم تمر سنواتٌ تتغير فيها حياته، وقد تتغير من حوله أشياء كثيرة، بينما يبقى عليه أن يختار: هل يحفظ عهده، أم يسمح للزمن بأن يسحبه بعيدًا عنه؟
وهنا لا يكون الامتحان في معرفة وجود الإمام وحدها، وإنما في حفظ أثر هذا الإيمان داخل الإنسان.
فقد يعرف الإنسان الحقيقة، لكنه لا يعيشها. وقد يحفظ الاسم، لكنه ينسى المعنى. وقد يتحدث عن الإمام كثيرًا، لكن غيابه لا يترك في سلوكه شيئًا.
ولهذا فإن الغيبة الطويلة تضع الإنسان أمام مرآةٍ لا يستطيع أن يهرب منها بسهولة؛ لأنها لا تسأله فقط عما يعرف، وإنما عما بقي في قلبه بعد أن مر عليه الزمن.
وهذا ما يجعل الرواية عن الغيبة بوصفها “محنة” أعمق من مجرد وصفٍ لمرحلةٍ تاريخية. فالغيبة لا تكشف فقط ما يحدث حول الإنسان، وإنما تكشف شيئًا مما يحدث في داخله.
وهنا يبدأ السؤال الذي سيقودنا إلى ما بعده: إذا كانت الغيبة امتحانًا، فما الذي يُمتحن في الإنسان تحديدًا؟ وهل يكون الامتحان في أصل الإيمان، أم في الثبات عليه حين يطول الطريق؟
حين يُمتحن اليقين
ليس أصعب ما في الغيبة أن الإنسان لا يرى إمامه، وإنما أن يعيش زمنًا طويلًا وهو مطالبٌ بأن يظل مؤمنًا بحقيقةٍ لا يستطيع أن يجعل عينيه دليلًا يوميًا عليها. فالمشاهدة تمنح الإنسان نوعًا من الطمأنينة الحسية، أما الإيمان فيطلب منه أن يتجاوز حدود ما تراه العين إلى ما يطمئن إليه العقل ويصدقه القلب. ولهذا كان الغيب دائمًا جزءًا أصيلًا من بناء الإيمان، لا أمرًا هامشيًا فيه.
والقرآن حين وصف المتقين بدأ بصفةٍ شديدة الدلالة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، (البقرة: 3).
فالإيمان بالغيب يعني أن الحقيقة ليست محصورةً فيما تصل إليه الحواس، وأن الإنسان يستطيع أن يعرف ويصدق أشياء لا يراها بعينه، متى قام عنده الدليل الذي يوصله إليها. وهذا لا يعني إلغاء العقل أو تعطيل التفكير، بل يعني أن الإنسان لا يجعل الحواس وحدها معيارًا للحقيقة.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا من طبيعة الامتحان في زمن الغيبة. فالمؤمن لا يُطلب منه أن يؤمن بما لا دليل عليه، وإنما يُطلب منه أن يحافظ على إيمانه بما قامت عنده عليه الحجة، حتى حين لا تكون الحقيقة أمام عينيه بصورةٍ محسوسة.
والفرق بين الأمرين مهم جدًا؛ لأن الغيبة ليست دعوةً إلى الإيمان الأعمى، وإنما هي دعوةٌ إلى أن يبقى اليقين قائمًا على ما عرفه الإنسان من حجته ودينه، لا على حضورٍ حسي قد يغيب أو يتغير.
ولذلك فإن طول الغياب لا ينبغي أن يجعل الإنسان يسأل فقط: لماذا لا أرى؟ بل ينبغي أن يدفعه أيضًا إلى سؤالٍ أعمق: هل ما أؤمن به قائمٌ عندي على معرفةٍ حقيقية، أم أنني كنت أستمد يقيني من مجرد القرب والمشاهدة؟
فالذي لا يؤمن إلا بما يرى، قد يهتز حين تغيب المشاهدة. أما الذي بنى إيمانه على معرفةٍ ودليلٍ ووعي، فإن غياب المشاهدة لا يعني بالضرورة سقوط اليقين.
ولهذا كان الامتحان في الغيبة الكبرى متصلًا بعمق العلاقة بين المعرفة والإيمان. فكلما كان الإنسان يعرف ما يؤمن به، ولماذا يؤمن به، أصبح أكثر قدرةً على الثبات حين تتغير الظروف من حوله. أما حين يكون الإيمان مجرد انتماءٍ موروثٍ أو عاطفةٍ عابرة، فإن الزمن يستطيع أن يضعفه بسهولة.
وهنا تتضح قيمة التمحيص الذي تحدثت عنه الروايات. فالتمحيص لا يضيف إلى الحقيقة شيئًا، وإنما يكشف ما في الإنسان. يكشف من كان إيمانه قائمًا على أساسٍ متين، ومن كان متكئًا على ظروفٍ مؤقتة. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، آل عمران: 142.
فالطريق إلى الثبات ليس مجرد معرفة الحقيقة، وإنما أن يبقى الإنسان ثابتًا عليها حين يصبح الثبات نفسه يحتاج إلى جهدٍ وصبر.
وهنا يصبح طول الغيبة مفهومًا بطريقةٍ مختلفة. فمرور الزمن ليس دليلًا على ضعف الحقيقة، كما أن تأخر الظهور لا يعني أن الوعد فقد معناه، وإنما قد يكون الزمن نفسه جزءًا من الامتحان الذي يكشف معدن الإنسان.
ولهذا فإن المؤمن في زمن الغيبة لا يعيش فقط سؤال: متى يظهر الإمام؟ وإنما يعيش سؤالًا أكثر قربًا منه: ماذا بقي مني وأنا أنتظر؟
وهذا السؤال هو الذي يجعل الغيبة تجربةً إنسانية وإيمانية عميقة؛ لأن الإنسان قد ينتظر سنواتٍ طويلة، ولكن القيمة الحقيقية ليست في عدد السنوات التي مرت، وإنما في الإنسان الذي صنعته تلك السنوات في داخله.
حين يطول الطريق
حين يمر عامٌ أو عامان، يستطيع الإنسان أن يحافظ على حرارة انتظاره بسهولةٍ نسبية؛ لأن الزمن لا يزال قريبًا من بدايته، ولأن الأمل لم يدخل بعد في مواجهةٍ حقيقية مع طول المسافة. ولكن حين تمتد السنوات إلى عقود، ثم تتحول العقود إلى أجيال، يصبح للزمن أثرٌ آخر. فالإنسان لا يعيش الزمن وحده، وإنما يعيش معه تغير الظروف، وتبدل الأولويات، وتغير الوجوه، وظهور أسئلةٍ جديدة لم تكن حاضرةً في بدايات الطريق.
وهنا يظهر وجهٌ آخر من وجوه الغيبة الكبرى؛ فالامتحان ليس فقط في أن تصبر على الغياب، وإنما في أن لا يسمح لك طول الغياب بأن تنسى لماذا تنتظر أصلًا.
فالإنسان قد يبدأ طريقه بقلبٍ ممتلئٍ بالحماس، ثم تأتي الأيام فتأخذ من هذا الحماس شيئًا فشيئًا. وقد تبقى الفكرة في ذهنه، ولكن حضورها في حياته يضعف. وقد يستمر في ترديد الكلمات نفسها، بينما تتغير علاقتها بقلبه. وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس أن ينكر الإنسان ما كان يؤمن به، وإنما أن يبقى مؤمنًا بالاسم، فاقدًا لحيوية الإيمان في داخله.
ولهذا جاءت الروايات التي تتحدث عن الثبات في زمن الغيبة بلغةٍ شديدة الدلالة، ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: “طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا، فلم يزغ قلبه بعد الهداية”.
فالتعبير هنا ليس عن مجرد معرفة الإمام أو الإقرار بوجوده، وإنما عن قلبٍ يمكن أن يتعرض للزيغ بعد الهداية، ويحتاج إلى أن يتمسك بما عرفه حتى لا ينحرف عنه.
وهذا يكشف شيئًا مهمًا في طبيعة الغيبة؛ فالخطر لا يأتي دائمًا من مواجهةٍ مباشرة مع الإيمان، وإنما قد يأتي من التآكل البطيء. من الاعتياد، ومن الغفلة، ومن كثرة الانشغال، ومن أن يصبح ما كان يومًا قضيةً كبرى في حياة الإنسان مجرد معلومةٍ محفوظة في زاويةٍ من ذاكرته.
ولذلك فإن الثبات ليس حالةً تحدث مرةً واحدة ثم تنتهي، وإنما هو فعلٌ متجدد. الإنسان قد يعرف الحق اليوم، لكنه يحتاج إلى أن يحافظ عليه غدًا، ثم بعد غد، ثم حين تتغير الظروف، ثم حين يطول الانتظار أكثر مما كان يتوقع.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا ارتبطت الغيبة في الروايات بالتمسك والثبات وعدم زيغ القلب. لأن الغيبة الطويلة لا تختبر مقدار ما يعرفه الإنسان فقط، وإنما تختبر قدرته على حفظ ما عرفه من أن يتحول إلى شيءٍ بلا أثر.
والأمر أشبه بالطريق الطويل؛ ففي بداية الطريق يكون الإنسان شديد الانتباه إلى خطواته، يراقب اتجاهه، ويحسب المسافة التي قطعها والمسافة التي بقيت أمامه. لكن حين يطول الطريق، قد يبدأ بالمشي بصورةٍ آلية، وقد ينسى حتى لماذا خرج، وما الذي كان يريد الوصول إليه.
وهنا تصبح الغيبة الكبرى أكثر من مجرد غيابٍ للإمام؛ تصبح امتحانًا لذاكرة الأمة أيضًا.
هل تتذكر الأمة لماذا تؤمن؟
هل تتذكر لماذا تنتظر؟
هل تعرف ماذا يعني وجود الإمام في عقيدتها؟
وهل تستطيع أن تنقل هذا المعنى إلى الجيل الذي يأتي بعدها لا بوصفه قصةً قديمة، وإنما بوصفه حقيقةً لها أثرٌ في حياته؟
ولهذا فإن طول الغيبة لا ينبغي أن يُفهم على أنه فراغٌ بين حدثين؛ بين غياب الإمام وظهوره. إنما هو زمنٌ له قيمته الخاصة، لأن الإنسان خلاله يتشكل، والأمة خلاله تتغير، والأجيال خلاله تتعاقب.
وقد يكون السؤال الأصعب في هذا الطريق ليس: كم بقي من الزمن؟ وإنما: ماذا فعل الزمن بنا؟
هل جعلنا أكثر وعيًا؟
أم جعلنا أكثر اعتيادًا؟
هل جعلنا أكثر تمسكًا؟
أم جعلنا نكتفي بتكرار ما ورثناه؟
هل أصبح الإمام حاضرًا في طريقة حياتنا واختياراتنا؟
أم بقي حاضرًا في كلماتنا فقط؟
ومن هنا يصبح طول الغيبة امتحانًا للذاكرة والقلب معًا؛ ذاكرةٍ تحفظ العهد، وقلبٍ لا يسمح للزمن بأن يطفئ أثره.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب المنتظر ليس أن يفقد إيمانه فجأة، وإنما أن يفقد إحساسه بالحاجة إلى هذا الإيمان، وأن يصبح الغياب شيئًا عاديًا لا يوقظ فيه سؤالًا ولا يصنع فيه تغييرًا.
وهنا نقترب من سؤالٍ أكثر حساسية: إذا كان طول الغياب قادرًا على أن يصنع هذا الأثر في الإنسان، فكيف تبقى العقيدة حيّةً عبر أجيالٍ لم تعش لحظة الغيبة الأولى، ولم ترَ أباها أو جدها يعيشها، وإنما ولدت وهي تسمع عن إمامٍ غائبٍ تنتظره الأمة؟
وهنا يبدأ امتحانٌ آخر: امتحان انتقال الإيمان من جيلٍ إلى جيل.
حين ينتقل الإيمان من جيل إلى جيل
لكن طول الغيبة لا يمتحن الإنسان الذي عاش بدايتها وحده، وإنما يضع أمام الأمة سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا يحدث حين تتعاقب الأجيال، ويصبح الذين وُلدوا في زمن الغيبة أكثر عددًا من الذين عرفوا بداياتها؟ فالجيل الأول كان يعيش قريبًا من زمن الغيبة الصغرى، وكان يعرف رجالها وأحداثها، أما الأجيال التي جاءت بعد ذلك فلم ترَ شيئًا من تلك اللحظات، وإنما وجدت نفسها أمام حقيقةٍ موروثة تقول إن للإمام المهدي عليه السلام وجودًا، وإنه غائب، وإن له ظهورًا في آخر الزمان. وهنا لا يعود التحدي مجرد أن يحافظ الإنسان على إيمانه، وإنما أن يعرف كيف يحمل هذا الإيمان إلى من يأتي بعده بحيث يبقى حيًا لا مجرد حكايةٍ قديمة.
فالزمن حين يطول لا يغيّر الأحداث فقط، بل يغيّر المسافة النفسية بين الإنسان وبينها. وما كان قريبًا من جيلٍ يصبح بعيدًا عن جيلٍ آخر، وما كان تجربةً حيةً يتحول مع مرور القرون إلى تاريخ. ولهذا فإن الإيمان لا ينتقل بين الأجيال بمجرد نقل المعلومات؛ لأن المعلومة يمكن أن تُحفظ في الكتب، أما اليقين فلا يكفي أن يُحفظ في الكتب، وإنما يحتاج إلى أن يجد له مكانًا في القلب والعقل والحياة.
ومن هنا نفهم أن مسؤولية الأمة في زمن الغيبة ليست أن تنتظر وحدها، وإنما أن تمنع الغيبة من أن تتحول إلى فجوةٍ بين الأجيال. فالطفل الذي يسمع عن إمامه لأول مرة لا يحتاج فقط إلى أن يعرف اسمه ونسبه وغيابه، وإنما يحتاج إلى أن يفهم لماذا يؤمن به، وما معنى أن يكون الإمام حجةً لله، ولماذا لا يعني غيابه عن المشاهدة غياب دوره في العقيدة.
وهنا يعود العقل إلى موقعه الطبيعي في بناء الإيمان؛ لأن العقيدة التي لا يفهم الإنسان أساسها قد تبقى معه ما دامت الظروف التي أحاطت بها قائمة، لكنها تصبح أكثر عرضةً للاهتزاز حين يواجه أسئلةً جديدة أو أفكارًا مختلفة. أما حين يعرف الإنسان لماذا يؤمن، فإنه لا يرث العقيدة فقط، وإنما يعيد اكتشافها في داخله.
ولهذا فإن القرآن لا يخاطب الإنسان بوصفه مجرد تابعٍ لما وجد عليه آباءه، بل يفتح أمامه أبواب النظر والتفكر والسؤال، ويحمّله مسؤولية موقفه من الحقيقة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، (البقرة: 111).
فالإيمان ليس مجرد تكرارٍ لما قاله السابقون، وإنما معرفةٌ وبصيرةٌ واطمئنانٌ إلى الحق. وهذا لا يعني أن الإنسان يبدأ عقيدته من الصفر في كل جيل، وإنما يعني أن ما يرثه ينبغي أن يتحول من تراثٍ موروث إلى يقينٍ واعٍ.
وهنا تكمن حساسية الغيبة الكبرى؛ لأن الإمام الذي ينتظره الجيل الجديد ليس شخصيةً عاصرها ثم غابت عنه، وإنما حقيقةٌ وُلد وهو يعيشها غائبةً عن المشاهدة. ولذلك فإن نقل قضية الإمام من جيلٍ إلى جيل يحتاج إلى أكثر من سرد الأحداث؛ يحتاج إلى أن يبقى معناها متصلًا بحياة الإنسان.
فإذا أصبح الإمام مجرد شخصيةٍ تاريخية، ضعفت حرارة الانتظار. وإذا أصبح الغياب مجرد قصةٍ من الماضي، فقد الإنسان علاقته بمعناه الحاضر. أما إذا أدرك أن الحجة موجودة، وأن الغيبة لا تعني انتهاء الصلة بالعقيدة، وأن مسؤوليته في هذا الزمن جزءٌ من علاقته بإمامه، فإن الغيبة تتحول من مسافةٍ زمنية إلى حضورٍ إيماني مختلف.
ولعل هذا هو السبب في أن الروايات لم تتحدث عن الثبات في زمن الغيبة بوصفه أمرًا فرديًا فقط، بل جعلت حفظ الإيمان ومواجهة الفتن جزءًا من طبيعة هذا الزمن. فكل جيلٍ سيولد في عالمٍ مختلف، وسيتعرض لأسئلةٍ لم تكن موجودةً عند الجيل الذي سبقه، وسيحتاج إلى أن يجد في عقيدته من القوة ما يجعله قادرًا على فهم عصره دون أن يفقد أصله.
وهنا يصبح انتقال الإيمان مسؤوليةً مزدوجة: أن نحفظ ما وصل إلينا من غير تحريف، وأن نقدمه للجيل الجديد بطريقةٍ تجعله قادرًا على فهمه والدفاع عنه بوعي.
فالتراث الذي لا يفهمه أهله قد يتحول مع الزمن إلى ألفاظٍ محفوظة، والألفاظ وحدها لا تصنع يقينًا.
ومن هنا فإن الغيبة الكبرى لا تمتحن بقاء العقيدة في الكتب فقط، وإنما تمتحن قدرتها على أن تبقى حيةً في الإنسان، تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن عقلٍ إلى عقل، ومن جيلٍ إلى جيل، من غير أن تفقد معناها وهي تعبر المسافة الطويلة بين الماضي والمستقبل.
وهكذا يصبح السؤال أكثر قربًا من حياتنا مما يبدو لأول وهلة: إذا كان جيلٌ قد عاش بداية الغيبة، وجيلٌ آخر عاش قرونًا منها، ونحن نعيش اليوم في زمنٍ بعيد جدًا عن تلك اللحظة، فكيف نحافظ على إيمانٍ لا يضعفه طول الطريق، ولا تحوله الأجيال المتعاقبة إلى مجرد عادةٍ موروثة؟
ويبقى السؤال
حين يطول الغياب إلى هذا الحد، لا يعود التحدي في أن يعرف الإنسان أن إمامه غائب، وإنما في أن يعرف كيف يعيش وهو يحمل هذه الحقيقة في قلبه. فالسنوات لا تمر على الإنسان من الخارج فقط؛ إنها تترك أثرها في ذاكرته، وفي أولوياته، وفي نظرته إلى الأشياء، وقد تجعل ما كان في بدايته حيًّا وقريبًا شيئًا يعتاد عليه حتى يفقد أثره الأول.
ولهذا فإن بقاء الإيمان عبر الزمن ليس أمرًا يحدث تلقائيًا. فالعقيدة تحتاج إلى أن تبقى حاضرةً في الوعي، واليقين يحتاج إلى أن يتجدد بالمعرفة، والعهد يحتاج إلى أن يتحول من معنى محفوظ إلى حقيقةٍ يعيشها الإنسان في سلوكه ونظرته إلى الحياة.
وقد طال الغياب حتى أصبحت أجيالٌ كاملة تولد فيه، وتكبر فيه، وتموت فيه، ثم يأتي بعدها جيلٌ جديد يحمل السؤال نفسه. ومع ذلك لم يكن المطلوب من المؤمن أن يعرف فقط أن إمامه غائب، وإنما أن لا يسمح لهذا الغياب بأن يتحول في داخله إلى نسيان.
فالغيبة لا تعني أن يتوقف الإنسان عن السير، ولا أن يجعل الزمن حجةً على الحقيقة، ولا أن ينتظر اليوم الذي يظهر فيه الإمام ليبدأ مسؤولياته. إنما هي زمنٌ يعيش فيه الإنسان امتحانًا مستمرًا: أن يحفظ ما آمن به، وأن يعرف لماذا آمن، وأن يبقى قلبه متصلًا بالعهد مهما امتدت المسافة.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم ليس: كم طال الغياب؟
فقد طال الغياب فعلًا، ولا نملك أن نختصر سنواته ولا أن نعرف متى ينتهي.
وإنما السؤال: ماذا يفعل الإنسان بهذا الغياب؟
هل يجعله سببًا للفتور، أم يجعله أكثر وعيًا بما ينتظر؟
هل يتحول الانتظار في حياته إلى عادةٍ يكررها، أم إلى معنى يغيّر شيئًا في داخله؟
وهل يكفي أن يعرف الإنسان أن له إمامًا غائبًا، أم أن لهذه المعرفة أثرًا ينبغي أن يظهر في حياته؟
فإذا كان الغياب قد طال، فإن الانتظار قد طال معه.
لكن الانتظار نفسه ليس مجرد حسابٍ للزمن، ولا مجرد ترقبٍ ليومٍ لم يأتِ بعد.
وهنا يبدأ سؤالٌ آخر، أقرب إلى الإنسان من سؤال الزمن كله: ماذا يعني أن تنتظر؟
وهذا ما سنقترب منه في المقالة الثالثة والعشرين من سلسلة “الصوت الذي بقي”.





