أقلام

من قتل القراءة في بيتنا

أمير بوخمسين

تُعد القراءة جزءًا من تكويننا. نقرأ لنفهم، ونسأل، ونختلف، ونتأمل، ونحلم. كان الكتاب يأخذنا إلى أماكن لم نزرها، ويضع في أيدينا تجارب أناس لم نلتق بهم، ويفتح لنا نوافذ على عوالم لم نكن نعرف أنها موجودة، ويمنحنا فرصة أن نعيش أكثر من حياة في حياة واحدة. وأهمية القراءة تنبع من خلال التأكيد والتشجيع الذي حثّ عليها ديننا، وأكد عليها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (الآية1 سورة العلق).

كنا نقرأ ببطء، نعيد السطر، ونضع علامة تحت جملة أعجبتنا، ونغلق الكتاب أحيانا ليس لأننا انتهينا منه، بل لأن فكرة فيه جعلتنا نحتاج إلى أن نفكر.

ولكن اليوم، تغيرت علاقتنا بالمعرفة. نريد أن نعرف بسرعة، ونفهم بسرعة، وننتقل بسرعة. نبحث عن التاريخ في دقيقة، والتجربة في مقطع، والفكرة في صورة، والحكمة في منشور، والرأي في ثوانٍ معدودة.

لم نعد نبحث عن المعرفة بقدر ما نبحث عن جرعة منها. صرنا نريد أن نعرف كل شيء، من دون أن نتعب في معرفة شيء، وأن نمتلك رأيًا في كل شيء، من دون أن

نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنفهم شيئًا.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. نحن لم نخسر الكتاب وحده. خسرنا علاقتنا العميقة بأنفسنا وبالعالم من حولنا. ليتحول غياب القراءة من مشكلة ثقافية إلى مشكلة اجتماعية، وإلى خطر على وعي المجتمع كله.

وسيدفع الجيل القادم ثمن تقصيرنا هذا. نحن نربي أبناءنا في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، وتنتشر فيه الأدوات القادرة على إنتاج النص والصورة والصوت والفيديو في ثوانٍ.

وفي عالم كهذا، فإن الذي لا يقرأ لا يواجه نقصا في المعلومات، بقدر ما انه يواجه نقصا في المناعة الفكرية. وهذه نقطة ينبغي ألا نتهاون فيها.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب للطفل، ويشرح له، ويلخص له، ويجيب عن أسئلته. لكن من سيعلمه أن يسأل السؤال الصحيح؟ من سيعلمه أن يشك في الإجابة أحيانا؟ ومن سيمنحه القدرة على التفكير المستقل؟

لذلك كله، لا ينبغي أن ننتظر حتى يصبح أبناؤنا غرباء عن الكتاب، ثم نطلب منهم بأن يكونوا مثقفين. ولا ينبغي أن ننتظر حتى تضعف لغتنا، ويضيق خيالنا، ويصبح التركيز عبئًا، ولعل بعض الخطوات المساعدة والمقترحة لتعويد أبنائنا ومجتمعنا على القراءة تفيد في البدء.. أن تبدأ بمدة قصيرة جدًا، أن تختار عشر دقائق فقط يوميًا، والمادة التي تُناسب مزاجك بدل كتاب ثقيل في البداية، قصة قصيرة، مقالات قصيرة، كتاب سهل/مشوق (أو نفس اهتماماتك: رياضة، تقنية، تاريخ…) أو كتابًا مصوّرًا وفيه فصول قصيرة. وقاعدة “صفحة واحدة تكفي” إذا ما رغبت تكمل، التزم فقط بـ صفحة واحدة. غالبًا ستستمر تلقائيًا بعد البداية. ومما يساعد على جعل القراءة سهلة الوصول عبر وضع الكتب قريبة منك بجانب السرير أو في مكان واضح. وتجهيز “نسخة ورقية” أو “ملف للقراءة” على جهازك. أما طريقة القراءة فحاول ألا تكون مملة فلا تحاول فهم كل كلمة، فإذا توقفت كثيرًا.. اقرأ سطرين/فقرة وواصل. واستخدم علامة/ورقة صغيرة لتحديد مكانك. تحديد هدف بأن تحدد بأن خلال اليوم أقرأ فصلا واحدا أو في الأسبوع من 3 إلى 5 فصول، والمراجعة بسرعة بعد الانتهاء من الكتاب بالتأكيد على معرفة الفكرة الأساسية..

المطلوب منا أن نعيد الكتاب إلى المكان الذي خرج منه أولا، إلى البيت. أن يرانا أبناؤنا نقرأ قبل أن نطلب منهم القراءة. وأن يوجد الكتاب إلى جوار الهاتف، وليس بعد أن يُمنع منهم الهاتف.

علينا أن نفهم أن القراءة واحدة من أبسط الطرق التي نصنع بها إنسانًا يستطيع أن يفكر بنفسه. فقد يكون رأس الإنسان ممتلئًا بالمعلومات، وقلبه وعقله ما يزالان جائعين إلى المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds