
د. حجي الزويد
يُعد الانزلاق الغضروفي من أكثر أسباب آلام الظهر والرقبة شيوعًا، وترتبط الإصابة به بعوامل متعددة، مثل التقدم في العمر، والاستعداد الوراثي، وبعض الأحمال المتكررة،
ونمط الحياة قليل الحركة، وغيرها من العوامل. ورغم أن كثيرًا من الناس يظنون أن أي ألم في الظهر يعني وجود “ديسك”، فإن الحقيقة أن الانزلاق الغضروفي له درجات وأنواع مختلفة، ولكل منها خصائصها وخياراتها العلاجية.
ما القرص الغضروفي؟
يفصل بين فقرات العمود الفقري أقراص غضروفية تعمل كوسائد مرنة تمتص الصدمات وتمنح العمود الفقري المرونة أثناء الحركة. ويتكون كل قرص من:
حلقة ليفية خارجية قوية.
نواة هلامية داخلية لينة.
عند حدوث تغيرات في القرص الغضروفي مع التقدم في العمر أو نتيجة عوامل متعددة، قد تضعف الحلقة
الليفية، أو تظهر فيها شقوق صغيرة، وقد يحدث تمزق في بعض الحالات للنواة الهلامية بالتحرك نحو الخارج بدرجات متفاوتة نتيجة التقدم في العمر أو الإجهاد المتكرر أو الإصابة، قد تندفع النواة إلى الخارج، مسببة درجات مختلفة من الانزلاق الغضروفي.
أنواع الانزلاق الغضروفي:
أولًا: البروز المنتشر للقرص الغضروفي (Bulging Disc)
في هذه المرحلة يبرز القرص الغضروفي إلى الخارج مع بقاء الحلقة الليفية سليمة. وغالبًا لا يسبب أعراضًا واضحة، وقد يُكتشف بالصدفة أثناء التصوير بالرنين المغناطيسي.
ثانيًا: البروز الموضعي للقرص الغضروفي (Disc (Protrusion
تندفع النواة الهلامية باتجاه الخارج بشكل موضعي، لكن دون حدوث تمزق كامل في الحلقة الليفية. وقد تبدأ الأعراض بالظهور إذا حدث ضغط على أحد جذور الأعصاب.
ثالثًا: انفتاق الغضروف (Extrusion)
تتمزق الحلقة الليفية ويخرج جزء من المادة الغضروفية خارج القرص، مما يزيد احتمال ضغطها على الأعصاب وظهور أعراض أكثر شدة.
رابعًا: الانفتاق الغضروفي الحر (Sequestration)
وهو أكثر المراحل تقدمًا، حيث ينفصل جزء من المادة الغضروفية تمامًا ويصبح حرًا داخل القناة الشوكية، وقد يسبب أعراضًا عصبية واضحة تتطلب تقييماً عاجلًا.
ماذا يحدث عند الانزلاق الغضروفي؟
عندما يلامس الجزء المنزلق أحد جذور الأعصاب أو يسبب تهيجا أو التهابا حوله، قد تظهر أعراض تختلف بحسب مكان الإصابة، وتشمل:
ألم أسفل الظهر أو الرقبة.
ألم يمتد إلى الساق (عرق النسا) أو إلى الذراع.
تنميل أو وخز في الأطراف.
ضعف في العضلات.
صعوبة في المشي أو أداء بعض الحركات.
وفي الحالات الشديدة قد يحدث ضعف شديد أو فقدان السيطرة على البول أو البراز، وهي حالة طبية طارئة تستوجب مراجعة المستشفى فورًا.
كيف يتم التشخيص؟
يعتمد الطبيب على:
التاريخ المرضي والفحص السريري.
تقييم القوة العضلية والإحساس وردود الأفعال العصبية.
يُطلب التصوير بالرنين المغناطيسي عندما تشير الأعراض أو الفحص السريري إلى الحاجة إليه، أو إذا لم يتحسن المريض كما هو متوقع، أو عند الاشتباه بوجود حالة خطيرة.
هل يحتاج كل مريض إلى عملية؟
الإجابة: لا.
فمعظم المرضى يتحسنون بالعلاج التحفظي خلال أسابيع، والذي يشمل:
الاستمرار في النشاط اليومي قدر الإمكان مع تعديل الأنشطة التي تزيد الأعراض بصورة واضحة، ثم العودة إليها تدريجيا.
تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن البقاء نشيطا ضمن حدود الأعراض، يُعدّ جزءً أساسيا من العلاج في معظم حالات آلام الظهر والانزلاق الغضروفي. فالتوقف عن
الحركة أو الراحة الطويلة في السرير قد يؤديان إلى ضعف اللياقة البدنية، وزيادة التيبس، وتأخر التعافي، بل وقد يسهمان في استمرار الألم. لذلك توصي الإرشادات السريرية الحديثة، بالاستمرار في الأنشطة اليومية قدر الإمكان، مع تعديل الأنشطة التي تزيد الأعراض بصورة واضحة، ثم العودة إليها تدريجيا حسب قدرة المريض.
العلاج الدوائي لتخفيف الألم والالتهاب عند الحاجة.
العلاج الطبيعي الذي يشمل التمارين العلاجية المناسبة، و تحسين القوة واللياقة البدنية، وتقليل الخوف من الحركة، والعودة التدريجية إلى النشاط، بهدف تحسين الحركة، واستعادة الوظيفة، وتحسين القدرة على أداء الأنشطة اليومية، وزيادة القوة واللياقة البدني، والتثقيف الصحي.
تحسين وضعية الجلوس والوقوف وطرق حمل الأوزان.
أما التدخل الجراحي فيُنظر إليه في حالات محددة، مثل استمرار الألم الشديد رغم العلاج المناسب، أو وجود ضعف عصبي متزايد، أو اضطراب التحكم بالمثانة أو الأمعاء.
كيف نقلل خطر الإصابة؟
الوقاية تبدأ بالعادات اليومية، ومنها:
ممارسة النشاط البدني بانتظام.
تقوية عضلات الظهر والبطن.
الحفاظ على وزن صحي.
تجنب الجلوس لفترات طويلة دون حركة.
رفع الأشياء بالطريقة الصحيحة باستخدام الساقين بدلًا من الانحناء بالظهر.
الاهتمام بوضعية الجسم أثناء العمل واستخدام الحاسب.
الرسالة الذهبية:
الانزلاق الغضروفي ليس مرضا واحدا، بل هو مجموعة من المراحل تبدأ ببروز بسيط وقد تنتهي بانفتاق حر في الحالات المتقدمة. والتشخيص المبكر، والعلاج المناسب، والالتزام ببرنامج التأهيل الحركي، تساعد في تخفيف الألم واستعادة الوظيفة الطبيعية لدى معظم المرضى، مع تقليل الحاجة إلى التدخل الجراحي.
وكما يقال: الحركة المدروسة جزء من العلاج، والوقاية تبدأ قبل.
شكر خاص لاختصاصي العلاج الطبيعي أحمد حسين العبد الوهاب لمراجعته مادة هذا المقال قبل النشر.
هوامش:
1- APTA = American Physical Therapy Association
2- JOSPT = Journal of Orthopaedic & Sports Physical Therapy
3- NICE = National Institute for Health and Care Excellence
4- IASP = International Association for the Study of Pain





