الأنساب في الفكر الإسلامي (الجزء السادس)
تتعدد الأنساب وتتحد القلوب.. حين يجمعنا العمل دون أن يجمعنا النسب

هاشم السمين
ليس كل قربٍ بين الناس قربًا في الدم، وليس كل انتماءٍ بينهم انتماءً في النسب. فقد تجمعهم المحبة، والتربية، والمصاهرة، والجيرة، والصداقة، والعمل المشترك، حتى تصبح العلاقة بينهم وثيقةً عميقة، وربما شعروا معها أنهم أسرةٌ واحدة.
وهذا من أجمل ما تصنعه العلاقات الإنسانية، ولكن جمال العلاقة لا يحتاج إلى تغيير الحقيقة، وقوة المودة لا تحتاج إلى صناعة نسبٍ جديد.
وقد جمع القرآن الكريم بين النسب والصهر في قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾
فالنسب له حقيقته، والصهر له حقيقته، وكلاهما من أسباب اتصال الناس وتآلفهم، ولكن لا ينبغي أن نخلط بين دوائر العلاقة المختلفة.
زيد بن حارثة.. حين انتصرت الحقيقة
ومن أبلغ الشواهد على ذلك قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه.
فقد كان زيد قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وآله، محبوبًا لديه، حتى عُرف في مرحلة من المراحل بـ«زيد بن محمد». ولم يكن تصحيح هذا الانتساب إلغاءً لمكانته ولا انتقاصًا من محبته، وإنما جاء القرآن ليضع العلاقة في موضعها الصحيح:
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾
ولكن الأمر لم يقف عند تصحيح الاسم؛ لأن المشكلة كانت أعمق من مجرد اسمٍ يُقال، إذ كانت آثار التبنّي متجذرةً في البناء الاجتماعي والتشريعي.
فجاءت الآيات لتصحح هذا المفهوم من جذوره، بالتطبيق العملي في قضية زواج زيد بزينب، وبعد طلاقها زوّجها الله من النبي صلى الله عليه وآله، وبيّن الغاية من ذلك بقوله:
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾
فالمسألة إذن لم تكن قصة زواجٍ فحسب، وإنما كانت تصحيحًا لمفهوم اجتماعي: أن التبنّي لا يجعل المدعوّ ابنًا حقيقيًا، وأن المحبة والرعاية لا تغيّران حقيقة النسب، وأن بناء المجتمع ينبغي أن يقوم على الحقائق لا على الأسماء التي نشأت من أعرافٍ سابقة.
وهنا يظهر جمال المنهج الإسلامي: لا يلغي المحبة، ولكنه يمنع أن تتحول المحبة إلى تغيير للحقيقة.
محمد بن أبي بكر.. محبةٌ لا تحتاج إلى نسب
ويظهر المعنى نفسه من زاوية أخرى في شخصية محمد بن أبي بكر؛ فقد نشأ في بيت أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد زواج أمه أسماء بنت عميس منه، وكان شديد القرب منه، حتى نقل ابن أبي الحديد هذه العبارة في شرح نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام:
«محمد ابني ولكن من صلب أبي بكر».
فيمكن للإنسان أن يكون ابنًا في المحبة والتربية والقرب، مع بقاء نسبه محفوظًا كما هو.
وهذا هو الميزان الذي نحتاج إليه في علاقاتنا الاجتماعية: لا نحتاج إلى تغيير النسب لكي نحفظ المحبة، ولا إلى اختراع أصلٍ مشترك لكي نبني علاقةً مشتركة.
من النسب إلى التعاون
قد تتكرر المصاهرات بين عائلتين، وقد تجمعهما مجالس طويلة، ومشروعات مشتركة، وتاريخ من التعاون، حتى تصبح العلاقة بينهما وثيقةً جدًا، ولا حرج في ذلك، بل هو من أبواب الألفة والتراحم.
ولكن ينبغي أن تبقى المصاهرة مصاهرة، والتعاون تعاونًا، والتاريخ المشترك تاريخًا، والنسب نسبًا.
فإذا كان بين أسرتين مشروعٌ خيري، فليجمعهما الخير. وإذا كان بينهما مشروعٌ ثقافي، فليجمعهما العلم. وإذا أنشأتا مؤسسةً اجتماعية، فليجمعهما العمل. وإذا نشأت بينهما مصاهرات، فليحفظ كل طرف حقيقة نسبه، وليحفظ في الوقت نفسه حق المصاهرة ومكانتها.
قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
فليس شرط التعاون أن يكون الناس من أصلٍ واحد، ولا شرط المحبة أن يجمعهم جدٌّ واحد، لا نحتاج إلى دمج الأشجار كي تتصل الأغصان، ولا إلى توحيد الجذور كي تتعاون الثمار.
إن شجرة النسب تحفظ الحقيقة، أما شبكة العلاقات فتحفظ صلات الناس بعضهم ببعض. وقد تجتمع الأشجار الكثيرة في بستانٍ واحد، من غير أن نفقد لكل شجرةٍ اسمها وجذرها.
وهكذا يكون المجتمع أكثر صدقًا واتساعًا:
نحفظ الأنساب كما هي، ونوسّع العلاقات كما ينبغي، ونجمع الجهود حيث يكون الخير، من غير أن نجعل التعاون نسبًا، ولا المصاهرة نسبًا، ولا المحبة نسبًا.
فالحقيقة لا تهدم الجسور، وإنما تمنعنا من أن نبني الجسور على الوهم.
تتعدد الأنساب، وتتحد القلوب؛ وتختلف الجذور، وتتعاون الأغصان؛ ويجمعنا الخير، من غير أن نحتاج إلى أن نجعل نسبنا واحدًا.





