أقلام

الأنساب في الفكر الإسلامي (الجزء السابع)

النسب الشريف: تشريفٌ أم تكليف؟

هاشم السمين

في الوعي الديني والاجتماعي، قد يتحول الشيء الكريم من معناه الصحيح إلى معنى آخر يخالفه في الجوهر. ومن أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى هذه المراجعة مفهوم النسب الشريف؛ فشرف الانتساب إلى بيتٍ كريم معنى له مكانته، ومحبة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وتوقير ذريته من المعاني الراسخة في وجدان المؤمنين، غير أن هذا الشرف لا ينبغي أن يتحول من قيمةٍ روحية وأخلاقية إلى امتيازٍ اجتماعي، ولا من أمانةٍ يحملها الإنسان إلى منزلةٍ يضع بها نفسه فوق الآخرين.

ومن هنا، لا بد في الحديث عن الأنساب من التمييز بين أمرين قد يختلطان في الذهن: شرف الانتساب، ومكانة الإنسان.

فالنسب الشريف له منزلته، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله له حرمته، وقد جعلت الشريعة لبعض المنتسبين إلى بني هاشم خصوصياتٍ تشريعيةً معلومة. وليس المقصود إنكار ذلك أو الانتقاص منه، وإنما المقصود أن شرف الانتساب لا يصح أن يتحول إلى امتيازٍ شخصي دائم، يجعل الإنسان أرفع من غيره بمجرد ولادته، أو يمنحه حق الوجاهة والقيادة والتقديم على الناس من غير علمٍ ولا تقوى ولا عمل.

وحين نرجع إلى القرآن الكريم وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، نجد أن القرب لم يكن مفهومًا قائمًا على الامتياز بقدر ما كان مرتبطًا بالمسؤولية.

يقول تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

فالآية تجعل الأقربين أولًا في دائرة الإنذار والمسؤولية، لا أولًا في دائرة الامتياز. وكأن القرب يضع الإنسان أمام تكليفٍ أشد، ولا يفتح له بابًا من الإعفاء.

وهذا المعنى نراه متجسدًا في سيرة عظماء بني هاشم أنفسهم؛ فحين ننظر إلى أولئك الذين خلّد التاريخ أسماءهم، نجد أن النسب كان بداية الطريق لا نهايته:

أبو طالب: اختار أن يتحمل الأذى ويدافع عن النبي، فكان القرب هنا مسؤوليةً تُحمل، لا وجاهةً تُستغل.

حمزة بن عبد المطلب عليه السلام: حفظت الذاكرة عظمته لما اقترن بقربه من نصرةٍ وجهادٍ وثبات، ولم يجعل قربه ذريعةً للراحة.

جعفر بن أبي طالب عليه السلام: ظهرت قرابته في الهجرة والثبات وحمل الرسالة، فكان القرب دافعًا لمزيدٍ من البذل.

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: نشأ في كنف النبي وقال: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه»، وجعل من ذلك طريقًا للعلم والجهاد والعدل والتضحية.

وهنا تتضح قاعدة بالغة الأهمية:

النسب الشريف لا يصنع الإنسان العظيم وحده، وإنما العظيم هو من يفهم ما يقتضيه نسبه الشريف ثم يترجمه في حياته.

ولعل أبلغ هذه النماذج الإمام الحسين عليه السلام؛ إذ لم يجعل نسبه عنوانًا لمصلحةٍ شخصية، وإنما جعل القضية قضية إصلاحٍ فقال: «وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي».

ثم دخل ساحة التضحية وهو يقول: «ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر».

فكان نسبه أمانةً تفرض عليه أن يكون في مقدمة المتحملين للمسؤولية.

ومن هنا نفهم أيضًا أن احترام النسب الشريف لا يعني أن يتحول المجتمع إلى مجتمعٍ طبقي تُورَّث فيه المكانة، فالقرآن يقرر: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

فالآية تمنع أن يتحول النسب وحده إلى معيارٍ مطلق للكرامة الشخصية.

فمكانة الإنسان الدينية والاجتماعية لا تُستعار من الآباء، وإنما تُبنى بالعلم والتقوى والأمانة والكفاءة وخدمة الناس.

فالناس لا ينبغي أن يحملوا نسب الإنسان عنه، بل الإنسان هو الذي ينبغي أن يحمل نسبه في أخلاقه.

ومن الخطأ أن يتحول احترام المنتسبين إلى بيتٍ شريف من فضيلةٍ أخلاقية إلى ثقافة امتياز اجتماعي يمنح صاحبه منزلةً تستدعي أن يُخدم أو يُعفى من المسؤوليات.

فالدرس الذي تركه لنا عظماء بني هاشم: النسب الشريف لا يرفع عن صاحبه المسؤولية، بل يرفع سقف المسؤولية أمامه.

النسب يحدد من أين جئت، أما التقوى والعمل والموقف فيحددان إلى أين تصل. والإنسان لا يختار آباءه، فليس من إنجازه أن وُلد في بيتٍ شريف؛ إنما إنجازه الحقيقي أن يجعل من هذا الانتساب دافعًا إلى أن يكون أهلًا لما ينتسب إليه.

وهنا تبلغ الفكرة غايتها:

النسب الشريف تشريفٌ في أصله، ولكنه تكليفٌ في أثره.

إنه ليس تاجًا يوضع فوق الرؤوس للاستعلاء، بل أمانةٌ توضع على الأكتاف؛ فالنسب يعطي شرف البداية، أما العمل فيعطي شرف البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds