أقلام

الفوضى تعيد نفسها

عيسى العيد

هل يمكن للوحة على جدار أن تكون سببًا في شجار الطلاب؟ وهل من المعقول أن تكون لـوحة على جدار لها تأثير على نفوس من يشاهدها؟ عانى مدير إحدى المدارس الابتدائية من صفوف الـرابع الابتدائي، حيث تتكرر لديه في كل عام المعاناة نفسها من الفوضى وعدم الانتظام، والعراك بين الطلاب إلى حدٍّ غير معقول. في السُّلَّم الذي ينزل منه الطلاب توجد لوحة تجريدية كبيرة وملفتة للنظر بحجمها، يشاهدها جميع الـطلاب، مرسومة بشكل متداخل في ألـوانها ورسوماتها. من ينظر إلـيها يرى حالة من التداخل تبعث في النفس الانزعاج. قد يكون للفنان الذي رسمها معنى خاص، كما يُشاع أن معنى القصيدة في قلب الشاعر، فكذلك تلك اللوحة معناها في قلب الرسام.

لفت أحد معلمي التربية الفنية نظر مدير المدرسة إلى أن وجود هذه اللوحة له أثر على نفوس الطلاب، وقد تبعث فيهم حالة من الفوضى دون أن يشعروا. لذلك نصحه بإزالتها في الـعام المقبل، واستبدالـها بلـوحة تتسم بالـهدوء والاتزان. وأضاف أن ألـوان الجدران، ووضع اللوحات الإرشادية بطريقة منظمة، وتهيئة بيئة مرتبة، سينعكس إيجابًا على نفوس الـطلاب ويساعدهم علـى الهدوء.

وضرب لـه مثالًا فقال: لـو أن مكتبك هـذا الجميل والمرتب رأيت فيه ورقة منديل علـى الأرض، فسوف تبادر بإزالـتها لأنها عنصر شاذ في مكان منظم. وعلى العكس، لو كان المكان في حالة من الفوضى، فلـن تؤثر ورقة واحدة في ظل تلك الفوضى.

إن لـكل أمر طابعًا نفسيًا على متلـقيه؛ فالـصوت الجميل يؤثر، والـهندام المنظم يبعث رسالـة غير مباشرة، وكذلـك الـشوارع النظيفة تساعد في هـدوء نفوس الـناس. وكلما زاد النظام في حياة الناس، انعكس ذلك على سلوكهم.

بعض المدارس تصف الطالب بعدم انتظام سلوكه، وهذا أمر متوقع إذا لم تُهيَّأ البيئة التي تبعث في نفس الطالب والمعلم روح النظام.

كما أن بعض البيوت لا تُعير اهتمامًا للترتيب والنظافة، مما ينعكس ذلك على سلوك الأبناء.

البيئة تصنع النفسية ثم تصنع السلوك.

وقبل أن نلوم الطالب، علينا أن نسأل: ماذا قدمنا له من بيئة؟ فالفوضى لا تُنتج نظامًا، بل تُعيد إنتاج نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى