
أمير الصالح
طلب مني أحد الاعزاء المقربين أن أشاركه في إعداد قائمة لأسماء مرشحين لحضور مناسبة عزيزة عليه، تكون مخلدة وخالية من أية شائبة أو ما قد يعكر صفو الحفل. فطلبت منه: تحديد نوع المناسبة، وسقف الميزانية المعتمدة لديه، ومكان انعقادها، والأجواء العامة التي يود أن يحتفي من خلالها ” Theme”، والعناصر الفاعلة في صناعة ذاك الحدث، والنطق بتفضيلاته لعدد المدعوين وسعة استيعاب المكان (جلوس وتناول الطعام)، وسهولة الوصول للمكان، وتجهيزات المكان. وطالبته بالتفرغ لنقاش أهداف الدعوة الرئيس ( الحفل) بشكل واضح وجيد؛ وأن تكون الأهداف لديه عملية وقابلة للتحقيق يحيث يكون للمدعوين الحفاوة الكاملة في الاستقبال والتوديع وأثناء الضيافة مع إشعال تفاعل إيجابي ملموس وحفظ كرامة وضمان مكان جلوس لكل مدعو، وكم كافٍ ووافر من الطعام وتوديع مناسب للمدعوين لتخليد أثر نفسي إيجابي طيب عند الحضور، فتسجيل ذكريات جماعية مُلهمة حتمًا تجذر صلة علاقة إنسانية طيبة وتوطد صداقة دائمة وترسم آفاقًا لعلاقات مميزة مستدامة وممتدة وقابلة للمزيد من النمو، فكانت المناسبة هي مناسبة إحياء حفل زفاف.
مدخل حوار
عند بدء إدراج الأسماء في القائمة، كانت معايير انتقاء الشخصيات المدعوة محل تجاذبات بيني وبيت الشخص العزيز علي الذي طلبني لإدارة المهمة، وبين بعض رؤوساء اللجان للحفل؛ لكون كل من الأطراف يحمل تصورات مختلفة عن الآخر في فنون إدارة المناسبات الاجتماعية، سواء من ناحية النوع أو الكم أو المعايير أو الإجراءات.
حوار
قناعات تتضح عند إدارة المناسبات،
فقناعة أحدنا كانت أن يُرشح المدعو وانتقائه بناء على معايير سلوكية معينة، ومنها أن يكون المدعو مهذبًا ورصينًا ورزينًا، ولسانه مؤدب، و له مشاركات أو آفاق نافعة وبناءة في بناء التنمية والنمو في المجتمع، ومحل احترام من الجميع، وبعيد كل البعد عن البذاءة والعقوق ونكران الجميل والتشرذم والهياط والتصادم والمناكفة والفجور في الخصومة والصلافة والتهكم والتندر . وطرف آخر من أحد رؤوساء اللجان كان يتبنى نظرية إحياء المناسبة عبر تحشيد أكبر عدد من الحضور شاملًا دعوة أصحاب الهياط وكذلك الهابط والصاعد من الناس، والمستقيم والأعوج والصبي والمتصابي والرزين والوقح والمهذب والملسون والأنيق والمتحذلق والملاطف والمناكف والمخادع والطيب والضحية والجلاد. وكل ذلك يتم تحت راية رفع العتب وتخطي التشره من أي طرف!!!
علق شخص آخر من إحدى اللجان بأنه يتبنى نظرية دعوة أكبر عدد من أصحاب الشركات والأموال الطائلة والعقارات المتعددة وأصحاب الوجاهات في السوشل ميديا وأصحاب السنابات والفانيشتا واليوتيوبر ومغردي منصة إكس والمشاهير في حقول الرياضة والطرب.
مادة تستحق البحث من قبل علماء الاجتماع
اتضح لي من خلال جلسة النقاش الأولى بأن هناك أمور كثيرة تجري في دهاليز المجتمع الواحد من كل مجتمع، وتحتاج إلى دراسات علم الاجتماع المعمقة، كما تحتاج لعمليات جراحية لاسئصال أورام الخلافات السرطانية ونزع بؤر التشاحن المتنوعة وتضميد جراحات الاستثمارات التجارية المشتركة الفاشلة. فعند طرح اسم ما كمرشح للدعوة يقول أحد الحاضرين من لجنة إعداد قائمة المدعوين: إن هذا الشخص نصب على فلان من المدعوين في سمسرة عقار أو استثمار، وعند طرح اسم شخص آخر كمرشح لحضور الدعوة يُثار الكلام من قبل عضو من أعضاء لجنة إعداد قائمة المدعوين بأن الاسم المطروح يحمل دلالات من إثارة فتن ونميمة وإثارة التشاحن والتنافر والتراشق وأن لسانه كان وما يزال زفرًا وقلبه ملئ بالتهكم وقد لا يتورع بإحداث بلبلة، وقد يتعمد إفساد أجواء حفل الزفاف بوجوده، ومحق اللحظات السعيدة واختطاف البسمات من وجوه الحضور!
واستمر النقاش على كل اسم مرشح وقبل إدراجه ليتضح لي أن هناك انشقاقات عمودية جمة في صفوف وأروقة المجتمع المعني ذاته ومجتمعات مجاورة. فبين خلافات مالية، وخلافات ورث داخل أسرة معينة، وخلافات فكرية داخل مدرسة معينة، ونزاعات لفظية داخل قروبات واتس آب مختلفة، وخلافات أسرية داخل بيوت متصاهرة، وخلافات عقد مقارنات وتجاذبات قطبية بين أصدقاء سابقين وتنافس غير نظيف في قطاعات تجارية محددة، جعلت مهمة إعداد قائمة تضم أسماء مدعوين للزفاف في مفترق الطرق، وأحدثت صداعًا كبيرًا واستمرت لعدة أسابيع.
أخيرًا اتفقنا كاعضاء لجنة أن ندعو كل الخصماء (باستثناء أصحاب الفجور في الخصومة) فالصالة كبيرة وحتمًا الخصماء سيتقابلون في مكان ما سواء في الشارع أو المسجد أو المطار أو قاعات الأفراح أو مجالس التعزية أو الأسواق. إلا أنه عليهم جميعًا – أي الخصماء – عليهم احترام الداعي وعدم إحداث أية بلبلة وإذا أرادوا حل نزاعهم فليكن خارج القاعة.
تأصيل ميثاق اجتماعي
عند حضور أية مناسبة اجتماعية أو تلبية دعوة، أو الاشتراك في نشاط خيري، فإنه يجب التزام أطراف أي نزاع أو خلاف سواء كان عقدي/ تجاري/ أسري/ فكري/ أدبي/ أو أي لون آخر بعدم طرح أو نقاش النزاع الدائر بينهم في مكان الحفل أو قاعة الزفاف أو مجلس التأبين. فللمدعي والمدعى عليه لأي نزاع في أي شأن عنوان يشمل بيت أو شقة أو مكتب يمكن ذهاب المدعي لحلها هناك.
نهاية المطاف
تم الانتهاء من إعداد القائمة النهائية لأسماء المدعوين المرشحين لحضور حفل الزفاف، وكان عددهم يربو عن ألف ومائة شخص. وأُعدت الوجبات وقاعات الطعام الثلاث في قصر الأفراح (قصر النخيل الفخم)، إلا أن مناسبات العمرة الموسمية وأمور أخرى في المنطقة وإصابة بعض المدعوين بنزلة برد أدى لغياب البعض عن المناسبة، وتمت المناسبة بنجاح رائع وتفاعل ايجابي من كل الحضور، وانسجام ملفت.
ملاحظات
١- اقترحت تذييل بطاقة الدعوة بجملة ” الدعوة خاصة.. هذه الدعوة غير مخصصة لإعادة النشر” . ولجنة إعداد قائمة المدعوين اعتمدت الجملة في ذيل البطاقات لمنع نزوح أعداد خارج نطاق التحكم والسيطرة.
٢- ترسل للبعض الدعوة ويبخل بكلمة التهنئة أو الاعتذار عن الحضور. وعند تجنب دعوته في المناسبات اللاحقة يتشره عليك ويخاصمك، لا بل ويشتكي عند بعض أفراد أسرتك بالمجافاة وتفضيل غيره عليه.
٣- مركزية التحكم في توجيه الدعوة أمر رئيس لإنجاح أية مناسبة، فالأسلوب القديم لتوجيه الدعوة في الأفراح: ” حياك أنت ومن يعز عليك”، جملة مجانبة للصواب لمن لديه سقف معين أو تخطيط محكم أو ترتيب معين أو مكان محدود، فلقد حضرت شخصيًّا عددًا من المناسبات التي دُعيت لها وشاهدت انكسار أهل المناسبة في ضيافة أكثر من ثلث أو نصف الحاضرين للمناسبة، لأن جلهم خارج نطاق القائمة المعتمدة للمدعوين.
٤- رسالة تذكير لأهل المناسبة:
بعد بذل الجهد والمال والتخطيط السليم وانتخاب أفضل قصور الأفراح وأمهر الطهاة، والمبالغة في الضيافة وإكرام الضيوف استقبالًا وتوديعًا، فإن كل تلكم الأمور لن تشفع لكم في تجنب النقد السلبي من البعض ولو على أقل وأتفه الأمور. فالأنبياء المؤيدون من السماء لم ولن يسلموا من الانتقاد والنقد اللاذع، ابتسموا وتغافلوا وعيشوا اللحظة، فالكمال لله الواحد الجبار… والانتقاد البناء مرحب به لصنع الأفضل.




