أقلام

آلام النمو لدى الأطفال

د. حجي الزويد

يُستخدم مصطلح آلام النمو لوصف الأطفال الذين يعانون من آلام متكررة في الأطراف، وغالبًا ما تكون في الساقين، خاصة في الأطراف السفلية وبشكل ثنائي، وتحدث غالبًا في نهاية اليوم أو أثناء الليل، دون وجود أي مرض واضح في العضلات أو العظام أو المفاصل.

ويُطلق عليها أيضًا أسماء أخرى مثل الآلام الليلية المجهولة السبب في الطفولة أو آلام الأطراف المتكررة في الطفولة، وهي من الحالات الحميدة الشائعة التي لا تدل غالبًا على مرض خطير، وعادة تختفي تلقائيًا خلال سنة إلى سنتين، وإن كانت قد تسبب قلقًا كبيرًا للأهل وانزعاجًا للطفل.

وتُعد آلام النمو السبب الأكثر شيوعًا لآلام الجهاز العضلي الهيكلي العرضية عند الأطفال، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة انتشارها تتراوح بين 3٪ إلى 37٪ حسب العمر والتعريف الطبي المستخدم، بينما تُظهر بعض استطلاعات المدارس أن ما بين 10٪ إلى 20٪ من الأطفال يعانون منها.

هل آلام النمو مرتبطة فعلًا بالنمو؟

رغم التسمية الشائعة، فإن آلام النمو لا ترتبط مباشرة بفترات النمو السريع، ولا تحدث تحديدًا في مناطق النمو العظمي، كما أنها لا تؤثر على نمو الطفل نفسه.

ولهذا فإن الاسم قد يكون مضللًا بعض الشيء، لأن السبب الحقيقي لهذه الآلام لا يزال غير معروف بشكل دقيق، وإن كانت هناك عدة عوامل ومسببات محتملة يعتقد أنها تساهم في حدوثها.

الأسباب المحتملة لآلام النمو:

حتى الآن لا يوجد سبب واحد مؤكد، ولكن الدراسات تشير إلى عدة عوامل قد تكون مرتبطة بحدوثها.

كثير من الآباء يلاحظون أن الألم يزداد بعد يوم مليء بالحركة أو اللعب أو الجري، مما يشير إلى أن الإجهاد العضلي قد يكون أحد الأسباب المهمة.

كما تشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال الذين يعانون من آلام النمو قد تكون لديهم كثافة عظمية أقل من غيرهم، مما يجعل العظام أكثر حساسية للإجهاد.

ووجدت عدة دراسات أن نسبة كبيرة من الأطفال المصابين بآلام النمو لديهم انخفاض في مستوى فيتامين د، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن 57٪ منهم لديهم نقص، بينما وجدت دراسة أخرى أن النسبة قد تصل إلى 94٪. كما أن إعطاء مكملات فيتامين د أدى إلى تحسن واضح في الألم وانخفاض شدته.

ومن العوامل الميكانيكية أيضًا وجود الركبة الروحاء أو ما يُعرف بالركبة المتلاصقة، واضطرابات وضعية القدم، وزيادة تقوس القدم، وسوء محاذاة الأطراف السفلية. وقد أظهرت بعض الدراسات أن تصحيح هذه المشكلات باستخدام أجهزة تقويم القدم ساعد في تقليل الألم وتحسين التوازن.

كما أن بعض الأطفال يكون لديهم حساسية أكبر تجاه الألم مقارنة بغيرهم، وقد يرتبط ذلك أيضًا بوجود صداع متكرر أو آلام بطن متكررة.

وتشير الدراسات كذلك إلى وجود جانب وراثي واضح، حيث إن نحو 70٪ من الأطفال المصابين بآلام النمو لديهم فرد آخر في العائلة عانى من نفس المشكلة.

ومن الأسباب الأخرى المحتملة التعب والإرهاق، وفرط الحركة، والإفراط في استخدام العضلات، وبعض الاضطرابات النفسية البسيطة، والتداخل مع متلازمة تململ الساقين.

المظاهر السريرية لآلام النمو:

هناك صفات مميزة تساعد في التعرف على آلام النمو.

تبدأ غالبًا بين عمر 3 إلى 12 سنة.

ويكون الألم غالبًا في الأطراف السفلية، خاصة الفخذ، وربلة الساق، وخلف الركبة، والساقين بشكل عام، وقد يحدث أحيانًا في الأطراف العلوية ولكن بشكل أقل.

وغالبًا يكون الألم ثنائيًا وليس في جهة واحدة فقط، ويأتي على شكل نوبات متقطعة، وقد يكون شديدًا أحيانًا، ويوصف أحيانًا بأنه مغص أو إحساس بالزحف أو التململ في الساقين.

ويحدث غالبًا في المساء أو أثناء الليل، وقد يوقظ الطفل من النوم، لكنه غالبًا يختفي صباحًا.

ولا يؤثر عادة على نشاط الطفل أثناء النهار، فالطفل يلعب ويمشي ويجري بشكل طبيعي.

كما يكون الفحص السريري طبيعيًا تمامًا، سواء أثناء النوبة أو بعدها.

وقد يصاحبها أحيانًا آلام بطن متكررة أو صداع متكرر، ويحدث ذلك في نحو ثلث الحالات.

كيف يتم تشخيص آلام النمو؟

تشخيص آلام النمو هو في الأساس تشخيص بالاستبعاد، أي بعد التأكد من عدم وجود سبب مرضي آخر.

يقوم الطبيب بالسؤال عن طبيعة الألم، وتوقيته، ومدته، وعلاقته بالنشاط، ووجود أعراض أخرى مصاحبة.

ويعتمد التشخيص على وجود النمط المعروف لهذه الآلام مع فحص سريري طبيعي، وعدم وجود ألم أثناء النهار، وعدم وجود تورم أو التهاب أو عرج.

وفي هذه الحالات، لا تكون هناك حاجة عادة إلى الأشعة أو التحاليل المخبرية.

متى نحتاج إلى فحوصات إضافية؟

إذا كان الألم غير نمطي أو توجد علامات مقلقة، فقد يحتاج الطفل إلى فحوصات إضافية مثل الأشعة أو تحاليل الدم أو التقييم الروماتيزمي أو العظمي، وذلك لاستبعاد أسباب أخرى مثل الالتهابات أو أمراض المفاصل أو الكسور أو الأمراض الروماتيزمية.

متى يجب مراجعة الطبيب؟

يجب مراجعة الطبيب إذا كان الألم مستمرًا وليس متقطعًا، أو موجودًا صباحًا أيضًا، أو شديدًا ويمنع الطفل من نشاطه الطبيعي، أو مرتبطًا بالمفاصل مباشرة، أو مصحوبًا بإصابة واضحة.

كما يجب المراجعة إذا كان الألم مصحوبًا بتورم أو احمرار، أو حرارة أو حمى، أو عرج، أو طفح جلدي، أو فقدان الشهية، أو ضعف أو تعب واضح، فهذه العلامات قد تشير إلى سبب آخر غير آلام النمو.

العلاج والتوصيات:

أهم جزء في العلاج هو طمأنة الأهل وشرح أن هذه الآلام غالبًا حميدة ولا تدل على مرض خطير، لأن فهم طبيعة الحالة يقلل كثيرًا من القلق والخوف غير الضروري.

ويمكن تخفيف الألم من خلال التدليك اللطيف، والكمادات الدافئة، واستخدام المسكنات البسيطة مثل الباراسيتامول أو الإيبوبروفين عند الحاجة.

وإذا وُجد نقص في فيتامين د، فيجب إعطاء مكملات فيتامين د والكالسيوم عند الحاجة.

كما يجب تشجيع الطفل على اللعب والحركة وممارسة أنشطة الطفولة الطبيعية والنشاط الاجتماعي المعتاد، ولا يُنصح بمنعه من النشاط بشكل كامل.

الخلاصة:

آلام النمو من أكثر أسباب آلام الساقين شيوعًا عند الأطفال، وهي غالبًا حالة حميدة لا ترتبط بمرض خطير، وتظهر عادة في المساء أو الليل، وتختفي صباحًا، مع بقاء الطفل طبيعيًا ونشيطًا خلال النهار.

لكن المهم هو التمييز بينها وبين الحالات المرضية الأخرى، لأن وجود الألم المستمر أو التورم أو العرج أو الحمى يستدعي تقييمًا طبيًا مختلفًا.

والقاعدة المهمة هنا هي أن ليس كل ألم في الساقين عند الطفل يعني مرضًا خطيرًا، لكن حسن الملاحظة هو مفتاح الاطمئنان الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى