
أمير بوخمسين
اللغة هي البنية العميقة التي يتشكل بها الوعي، ويتحرك عبرها الفكر، وتُبنى داخلها هوية الإنسان. وهي كذلك الجسر الذي نعبر به نحو الآخرين لنفهمهم ويفهمونا، ونبث عبره مشاعرنا وأحاسيسنا.
غير أن المتأمل في واقعنا العربي اليوم، لا يحتاج إلى كثير عناء ليدرك أن هذه الركائز تتعرض لتصدعات متسارعة، وأن اللغة العربية، على ما تحمله من تاريخ وعمق وثراء. وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ذكرت فيها اللغة العربية أو اللسان العربي. فمن ذلك على سبيل المثال، قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2]. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]. قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:28].. والكثير من الأحاديث والروايات التي تؤكد على أهمية اللغة العربية.
حيث نهض الكثير من أكابر شعراء العربية للدفاع عنها ضد الهجمات المتتالية عليها من أعدائها الذين لم يألوا جهدًا لعداوتها والإساءة إليها والإضرار بها خاصة أولئك المستشرقين ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألستنا ممن كالوا الشبهات ضد اللغة العربية وتولوا الدعوات لكتابتها بالحروف اللاتينية في مطلع القرن الماضي.
يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في جمال اللغة العربية منشدًا:
إن الذي ملأ اللغات محاسنا * جعل الجمال وسره في الضاد
ويراها خير رابط بين العرب قائلًا:
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد بيان غير مختلف ونطق
ما نشاهده اليوم من تهميش للغة العربية ابتداء من المؤسسات التعليمية، التي قامت بإلغاء وتهميش لبعض التخصصات اللغوية في عدد من الجامعات، في خطوة ترسل رسالة ضمنية بأن اللغة لم تعد أولوية معرفية. ويتضاعف الأثر حين يصاحب ذلك تقليص مواد اللغة العربية في المراحل المدرسية، ما أفرز واقعا مقلقاً يتمثل في ضعف واضح لدى الطلاب في أبسط مهارات الكتابة والتعبير، حتى بات بعضهم يعجز عن كتابة اسمه أو صياغة جملة سليمة.
ولا يقف الأمر عند حدود التعليم، بل يمتد إلى الفضاء العام، حيث نلحظ تراجعا في الاعتزاز باللغة العربية في المحافل الدولية، مقارنة بأمم تتمسك بلغاتها، وتقدمها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من سيادتها الثقافية.
وانتشرت ظواهر لغوية مشوّهة، ككتابة المصطلحات الأجنبية بحروف عربية أو خلط اللغتين في تعبيرات هجينة، تفقد اللغة هيبتها وتضعف ذائقة المتلقي، نشاهدها في المرافق العامة متمثلة في لوحات المحلات التجارية أو الإعلانات التي كتبت بصيغ ركيكة وضعيفة المحتوى. كما أسهمت تحولات سوق العمل في توجيه الاهتمام نحو الاختصاصات العلمية التطبيقية، وهو توجه مشروع، ولكنه جاء في كثير من الأحيان على حساب العلوم الإنسانية واللغوية، مما خلق فجوة في التوازن المعرفي، وأنتج حالة من التباهي باللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن العربية لا يعني الانغلاق أو رفض تعلم اللغات الأخرى، بل على العكس، فإن الانفتاح اللغوي يُعد ضرورة في عالم متشابك. غير أن هذا الانفتاح يجب أن يقوم على أرضية صلبة من الاعتزاز باللغة الأم.
يقول مصطفى صادق الرافعي، رحمه الله: ” إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالدًا، فلا تهرم ولا تموت، لأنها أعدت من الأزل فَلكًا دائِرًا للنيِّرين الأرضيين العظيمين (كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، ومِن ثَمَّ كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أخذة السحر”، (تحت راية القرآن، مصطفى صادق الرافعي).
وقال المطران يوسف داوود الموصلي: “من خواص اللغة العربية وفضائلها أنها أقرب سائر اللغات إلى قواعد المنطق، حيث إن عباراتها سلسة طبيعية يهون على الناطق صافي الفكر أن يعبر فيها عما يريد من دون تصنُّع وتكلُّـف”.
إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي حاملة تراث، ووعاء حضارة، ولسان هوية دينية وثقافية عميقة. وحين نفرّط فيها، فإننا لا نخسر كلمات فحسب، بل نخسر طريقة تفكير، ونمط شعور، وملامح انتماء.




