
عماد آل عبيدان
طرح الأستاذ رضا العيدروس سؤالًا يخرج من بيت واحد ثم يدخل بيوتًا كثيرة “ما الفائدة من وظيفة الزوجة إذا كانت لا تساهم أبدًا في مصاريف المنزل والأبناء؟”
والسؤال في ظاهره بسيط وفي داخله عائلة كاملة تجلس على طاولة واحدة، وبينها راتب وتعب وكرامة وشرع وعرف وحسابات صغيرة تكبر حتى تصبح خلافًا لا يعرف أحد أين بدأ.
من حيث الحكم الشرعي فالنفقة واجبة على الزوج، وهذا أصل لا يحتاج إلى تكلف أو نقاش. مال الزوجة مالها وجهدها حق لها ولا يجوز أن يتحول راتبها إلى ضريبة إجبارية لأنها تزوجت أو لأنها خرجت للعمل أو لأن المجتمع قرر أن المرأة الموظفة يجب أن تكون بنكًا منزليًا متنقلًا. هنا لا بد أن يكون الكلام واضحًا فلا عدل في أن يطلب منها أن تعمل خارج البيت ثم تعود لتعمل داخله ثم تحاسب على راتبها كأنه مال عام للأسرة.
ولكن الحياة لا تقف عند نص واحد من غير فهم للواقع. هناك بيوت اليوم لا تسير ولا تستطيع أن تعيش على راتب واحد لا لأن الزوج مقصر بالضرورة وإنما لأن الغلاء كبر والمدارس كبرت والعلاج كبر والأقساط تعلمت كيف تجلس على صدر الإنسان بأدب ثقيل. صار بعض الرجال يدفع حتى يختنق ويكسر ظهره وبعض النساء ترى ذلك ثم تقول “مو شغلي فلوسي لي وأنا مو مسؤولة عن شي” وتطلب في الوقت نفسه بيتًا أجمل وأوسع وسفرًا وطلعات كل أسبوع وطلبات من المطاعم ومائدة لا ينقصها شيء. هنا يبدأ السؤال يتغير “ليس: هل يجب عليها أن تدفع؟ وإنما هل يليق أن ترى البيت يضيق ولا تمد يدًا بالمودة؟”
المشكلة أن بعض البيوت لا تنهار من الفقر ولكنها تنهار من الحساب البارد. زوج يقول “أنا وحدي أحمل ومتحمل كل شيء”. وزوجة تقول “هذا واجبك مو واجبي”. وكل واحد منهما معه نصف الحقيقة والنصف الآخر واقف في المطبخ ينتظر من يسمعه.
فالزواج لا يعيش بالمواد القانونية وحدها ولا يعيش كذلك بالعاطفة العمياء. الزواج شركة روح قبل أن يكون شركة مال وإذا غابت الرحمة صار الراتب شاهدًا لا معينًا.
الزوجة التي تساعد بيتها لا تفقد حقها ولا تنقص مكانتها ولا تصبح أقل كرامة. أحيانًا خمس مائة ريال أو ألف ريال تدفعها بمحبة تمنع ألف كلمة جارحة وتحفظ بيتها. وأحيانًا مساهمة صغيرة في مصروف طفل تجعل الزوج يشعر أنه ليس وحيدًا في المعركة. فليست المسألة كم دفعت وإنما ماذا قالت هذه المساهمة وفعلت في قلب الرجل فكأنها قالت له “إن البيت بيتنا والتعب تعبنا والأولاد أولادنا والمستقبل لنا جميعًا”.
وفي المقابل فالزوج الذي ينظر إلى راتب زوجته كغنيمة جاهزة يجرح أصل العلاقة. بعض الرجال ما إن تتوظف الزوجة حتى يبدأ في التخفف من واجباته شيئًا فشيئًا وكأنه سلّمها نصف السفينة واحتفظ لنفسه بحق القيادة. هذا أيضًا ظلم. راتبها لا يبرر بخله ولا يبيح له الاتكاء عليها، ولا يمنحه حق التفتيش في بطاقتها البنكية وكأنها درج من أدراج البيت ولا حتى التحكم أو المساس بحسابها.
الحل ليس في أن يدفع طرف كل شيء، ولا في أن يحتفظ كل طرف بكل شيء. الحل في ميزان عاقل “الزوج يتحمل الأصل والزوجة تساهم بالمعروف إن رأت الحاجة واتسع صدرها، ويتفق بينهما بوضوح قبل أن تتحول النوايا الطيبة إلى عتب قديم”. فكم من امرأة ساعدت سنوات وسنوات ثم قيل لها “لم تفعلي شيئًا”. وكم من رجل لا يبوح بما يفعل سنوات طويلة ثم انفجر في لحظة صغيرة أمام فاتورة قصمت ظهر البعير وهي لا تستحق كل ذلك الانفجار.
ومن أطرف ما نراه أن بعض الأزواج يتكلم عن راتب الزوجة بحماس اقتصادي عجيب فإذا جاء الحديث عن تعبها في البيت صار شاعرًا ساكنًا لا يجد الكلمات. وبعض الزوجات تتحدث عن استقلالها المالي بدقة محاسب فإذا تعطلت غسالة أو ارتفع إيجار أو احتاج طفل إلى علاج أو مصروف، عادت إلى نظرية “أنت الرجل”. وهنا لا نحن أمام شرع صافي ولا أمام عرف كريم وإنما نحن أمام انتقاء مريح من كل جانب.
البيت الناجح لا يسأل “من الخاسر إذا دفع؟” ولكنه يسأل “من المتضرر إذا لم نتفاهم؟” لأن الطفل لا يعرف تفاصيل النفقة ولكنه يشعر بالتوتر. والبنت لا تفهم بنود الحساب والمصاريف وتراكماتها ولكنها تحفظ نبرة أمها حين تقول “أبوك ما يسوي شي”، أو نبرة أبيها حين يقول “أمك عندها فلوس وراتب ولا تساعد في شي أبد”.
هكذا تتحول المصاريف من أرقام إلى تربية خفية ومن خلاف بين زوجين إلى ذاكرة داخل الأبناء.
لذلك فإن سؤال الأستاذ رضا ليس سؤالًا عن وظيفة الزوجة فقط، إنه سؤال عن أخلاق المال داخل الزواج.
المال إذا دخل البيت بلا مودة صار سيدًا قاسيًا وإذا دخل بالمصارحة والمعروف والسكنى صار خادمًا محترمًا. وما أحوج بيوتنا اليوم إلى اتفاقات هادئة لا تكسر الشرع ولا تهين المرأة ولا تترك الرجل وحيدًا تحت سقف يطلب منه كل يوم أكثر مما يستطيع.
الزوجة ليست مطالبة أن تثبت حبها بدفع راتبها والزوج ليس مطالبًا أن يثبت رجولته بأن يموت واقفًا كما تموت النخلة واقفة تحت الديون. فبين الاثنين مساحة اسمها المعروف ومساحة اسمها المروءة ومساحة اسمها “نحن” لا أنا ولا أنت.
حين يصبح راتب الزوجة سببًا للخصام فالمشكلة ليست في الراتب وإنما في الطريقة التي ننظر بها إلى الشراكة. وحين يتحول واجب الزوج إلى سوط قاسي ومساعدة الزوجة إلى منّة، فذلك بيت يحتاج إلى جلسة صدق وإصلاح قبل أن يحتاج إلى زيادة دخل.
البيوت لا يحفظها المال وحده وإنما يحفظها رجل لا يطمع وامرأة لا تتفرج واتفاق لا يكتب على ورق الحساب فقط وإنما على ضميرين يعرفان أن الزواج ليس معركة من يدفع، وإنما عهد كريم “من يخفف عن الآخر قبل أن ينكسر وينهار البيت”.




