
أمير الصالح
النيات التي تدور في قلوب وأذهان الناس لا يعلم بها إلا الله جل جلاله وصاحبها. كبشر لا نطلع عما تضمره الأنفس (هل شققت عما في قلبه ؟!) وإنما نرى ونشاهد الأعمال والأفعال ونسمع الأقوال والتصريحات. شرعًا وأخلاقًا وعقلًا وعُرفًا وقانونًا مطالبين كبشر أن نتعامل مع الآخرين على أساس الأفعال والتصريحات لا النيات والافتراضات. الأعمال الصادرة من البعض قد تكون صغيرة جدًّا، وقد تكون كبيرة جدًّا وتاثيرها واسع النطاق أو ممتد الزمن؛ إلا أن كلا العملين يمكن اعتباره حجر أساس لبناء مشروع أو اعتماد مبادرة أو إطلاق ركن يمكن استنساخه والتوسع في تطبيقه طبقًا لإمكانات المنجز له وترجمان لما يضمره صاحبه من نية خير أو شر. فالنية هي البوصلة الحقيقية لما يعتمر ويختمر في قلب وعقل ووجدان الإنسان.
حوار
ورد في الحديث النبوي الشريف ( إنما الأعمال بالنيات)؛ وحسب فهمي للتعبير النبوي الشريف لهذا المقطع من الحديث، أن الأعمال الصادرة عن أي شخص بالإجمال وبكامل إرادته وحريته ما هي إلا ترجمة صادقة عما يضمره من نية في قلبه ووجدانه ولبنات أفكاره؛ وعليه تؤخذ الأمور وتصدر الأحكام بناء على الأعمال لأننا نتعامل بالمحسوس في عالم الشهادة، أي ما نشاهده من الأشخاص.
النية المحبوسة
كم مرة في حياتك صادفت بعد أن أطلقت : مبادرة/ نشاط/ عمل خيري/ عمل تربوي/ عقد ندوة/ تبني رحلة، فتسمع أحدهم يقول: صدق أو لا تصدق، كنت أفكر في الموضوع نفسه ولكنك سبقتني!
هناك كثير من النيات المحبوسة في صدور الكثير من الناس، ولكنها قد لا تتعدى نية طيبة وحلم أبيض بإنجاز عمل طيب ويدركها صاحبها بعد أن يرى آخرين أنجزوها قبله بإمكانات متواضعة جدًّا وطرق مبدعة.
مشوهات النية
حتمًا هناك أعمال تدخل عرضًا أو عمدًا أثناء إنجاز مهمة عمل خير ما، قد تؤدي إلى إفساد العمل أو إحداث قراءات مختلفة واستنطاق نية باطنة أو نيات مبطنة أو أجندات متباينة !! ومن تلكم الأعمال ما قد يشوه النية الرئيسة أو تُصنف على أنها مشوهات النية الرئيسة للعمل المراد إنجازه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
١- محاولة إبراز وإثبات الذات Show-off
٢- إظهار السيطرة على الآخرين
٣- المن مع الأذى بعد البذل والعطاء
٤-تباين النية الأصلية من النية العارضة
٥- التغطية الإعلامية والرقمية للمناسبة بطرق مبالغ فيها تصل إلى حد التقيؤ.
٦- كثرة تكرار واجترار المدح لحدث ما حدًّا مبالغًا فيه قد يُصنف أنه نوع من المن أو التشهير أو المفاخرة الاجتماعية والتفضل على الآخرين.
أساليب التحكم بالنية الأصلية
يُقال لتصفية النية: أنوي نية حسنة، وبادر بالعمل على إنجاز العمل المتعلق بالنية (نية أداء حج/ نية مبادرة إطلاق رحلة عائلية/ نية إقامة مأدبة عائلية كبيرة/ نية تكريم رجل أو امرأة من أهل الإنجاز في الحقل العلمي أو التربوي أو الاقتصادي أو الخيري أو الأدبي، نية كفالة أيتام، نية مبادرة لمة فريج من أهل الطيبين، نية إنعاش قروب رقمي عائلي عبر فعاليات متنوعة … إلخ) دون تسويف، وحدد الهدف من إنجاز المهمة المقصودة وتوكل على الله جل جلاله. الالتزام باستحضار النية الرئيسة طوال مدة الإنجاز، وتفادي الوقوع في فخاخ الأضواء والإعلام المخادع وتجنب أصحاب التملق والإطراء الزائد واصحاب الشللية الانحيازية.
وإن شعرت أن تحقيق النية على أرض الواقع يحدث الفرق المنشود فواصل وحافظ على عملك وهمتك لإنجاز؛ وإن شعرت أو أحسست بأنك لم تتحقق الأهداف، أن هناك مخاوفًا ما محبطة أو مهدرة لطاقات أو معرقلين لسعيك المحمود أو مثبطين ولا تستطيع تجاوزها أو تحملها، فغير مكان غرس عملك الطيب لمكان آخر أكثر تفاعلًا معك ومع نيتك النظيفة. وحاول أن تعرف في كل الأحوال كل تلكم المخاوف وإدراجها، وحاول أن تعالجها بعد تفكيك المسببات في أي مكان تريد أن تنجز عملًا طيبًا فيه بعد عقد نية سليمة.
وإن شعرت أو أحسست أن النية تحققت على أرض الواقع وقد دخل العُجب بالنفس في نفسك، فعليك الاستدراك وتسديد نيتك أولًا بأول قبل أن يصبح عملك هباءً منثورًا في نظر الخالق والمخلوق. ونفترض في كل الأحوال أن النية لعمل ما أو قول ما صادرة من صاحب النية وليست ناتجة عن ضغوطات أو تحشيد الناس أو مطالبتهم وتأثيرهم على صاحب النية أو مجاملة منه لأحد منا.
العالم الرقمي وكشف النيات
الإنترنت لم يفسد المجتمع، ولكن بعض مكونات المجتمع منحرفة وشبه منحرفة أو فاسدة، والإنترنت حيث العالم الرقمي أظهر حقيقتها وأصنافها سواء كان فاسقًا أو منافقًا أو مراءٍ أو وصوليًّا أو انتهازيًّا أو نمامًا أو مخادعًا أو نصابًا أو مختلًا أو ساقطًا أو خبيثًا أو مجدفًا أو مرجفًا أو محبطًا … كما أبرز العالم الرقمي أيضًا قيمًا وأعمالًا و أقوالًا أصيلة.




