أقلام

«عسل المانجروف» قصة نجاح تجمع بين حماية البيئة وتمكين النحالين

زكي الجوهر

في الوقت الذي تتسارع فيه المبادرات الوطنية لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في مجالات الاستدامة البيئية والتنمية الريفية، برزت مبادرة «عسل المانجروف» بوصفها واحدة من أكثر المبادرات تميزًا على مستوى المملكة، بعد أن نجحت في تحويل غابات المانجروف الممتدة على سواحل المنطقة الشرقية إلى بيئة إنتاجية مستدامة تجمع بين حماية النظام البيئي، ودعم قطاع تربية النحل، وتعزيز الاقتصاد المحلي.

ولم تعد المبادرة مجرد مشروع لإنتاج العسل، بل أصبحت نموذجًا عمليًا للاستثمار في الموارد الطبيعية، حيث تلتقي المحافظة على البيئة مع التنمية الاقتصادية في مشروع واحد يحقق قيمة مضافة للإنسان والطبيعة معًا.

من غابات المانجروف إلى منتج وطني فاخر

تُعد أشجار المانجروف من أهم الأشجار الساحلية في الخليج العربي، لما تؤديه من أدوار بيئية تتمثل في حماية السواحل من التعرية، واحتضان التنوع الأحيائي، وامتصاص الكربون، إلى جانب كونها مصدرًا غنيًا برحيق الأزهار الذي ينتج عنه أحد أندر أنواع العسل الطبيعي في المملكة.

ومن هذا المنطلق، أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة مبادرة «عسل المانجروف» لتشجيع النحالين على الاستفادة من هذه البيئة الطبيعية وفق ضوابط تحافظ على استدامة الغابات، وتدعم في الوقت ذاته إنتاج عسل سعودي عالي الجودة يحمل هوية بيئية فريدة.

أرقام تعكس نجاح التجربة

تكشف مؤشرات المبادرة عن نمو متسارع منذ انطلاقها عام 2021، إذ بدأت بمشاركة 17 نحالًا ونحو 1500 خلية نحل في موقعين فقط، قبل أن تتوسع خلال خمسة مواسم لتشمل أكثر من ستة مواقع ساحلية في المنطقة الشرقية، من أبرزها سيهات، وتاروت، ودانة الرامس، وصفوى، ورأس تنورة، والجبيل.

كما ارتفع إنتاج عسل المانجروف من نحو 2.5 طن في الموسم الأول إلى أكثر من 20 طنًا خلال المواسم اللاحقة، بنسبة نمو تجاوزت 700%، في مؤشر واضح على نجاح المبادرة في تطوير قطاع النحالة، وزيادة العائد الاقتصادي للنحالين، وتعزيز حضور العسل السعودي في الأسواق.

شراكة تتجاوز إنتاج العسل

نجاح المبادرة لم يكن نتيجة جهود جهة واحدة، بل جاء ثمرة تعاون بين عدد من الجهات الحكومية والقطاع غير الربحي والنحالين، حيث تولى فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة الشرقية الإشراف والتنظيم، بينما شارك النحالون في تشغيل وإدارة المناحل وفق اشتراطات بيئية وفنية تضمن استدامة غابات المانجروف.

كما أسهمت الجهات الشريكة في توفير الدعم الفني، وتنظيم مواقع توزيع الخلايا، ورفع الوعي البيئي، وتبادل الخبرات بين النحالين، بما يعزز جودة المنتج ويحافظ على الثروة النباتية الساحلية.

تكريم يعكس ثقافة التميز

واختُتم الموسم الخامس للمبادرة بحفل تكريم للنحالين المتميزين والجهات المشاركة، نظمه فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة الشرقية، تقديرًا للإسهامات التي قدمها المشاركون في إنجاح المبادرة وتحقيق أهدافها.

ويعكس هذا التكريم حرص الوزارة على ترسيخ ثقافة التميز والابتكار، وتحفيز النحالين على تبني أفضل الممارسات في إنتاج العسل، إلى جانب تعزيز الشراكات المؤسسية التي أصبحت أحد أهم عوامل نجاح المبادرات البيئية والتنموية في المملكة.

أكثر من منتج… رسالة بيئية

يرى مختصون في قطاع البيئة أن القيمة الحقيقية للمبادرة لا تكمن في إنتاج العسل فقط، بل في دورها في المحافظة على غابات المانجروف، ونشر ثقافة الاستدامة، وتحويل الموارد الطبيعية إلى فرص اقتصادية مستدامة، بما يحقق التوازن بين التنمية وحماية البيئة.

كما تسهم المبادرة في دعم الاقتصاد الريفي، وخلق فرص دخل للنحالين، وتعزيز مكانة العسل السعودي بوصفه منتجًا وطنيًا عالي الجودة، قادرًا على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.

مستقبل واعد

بعد خمسة مواسم متتالية من النجاح، أصبحت مبادرة «عسل المانجروف» تجربة سعودية يُحتذى بها في توظيف الموارد البيئية لتحقيق التنمية المستدامة، ورسالة تؤكد أن حماية الطبيعة ليست مسؤولية بيئية فحسب، بل استثمار اقتصادي طويل الأمد، يعزز الأمن الغذائي، ويدعم المجتمعات المحلية، ويرسخ مكانة المملكة في تبني المبادرات البيئية الرائدة.

ومع استمرار التوسع في المبادرة، تبدو الفرصة مهيأة لتصبح «عسل المانجروف» علامة وطنية مميزة، تعكس نجاح المملكة في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى قصص نجاح تنموية تجمع بين الإنسان والبيئة والاقتصاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds